الحركات والمجموعة الشعرية (قبل أن يستيقظ البحر)
قصيدة “عيني عليكِ ترسمني” للشاعر حسين السياب إنموذجا | الناقد داود سلمان الشويلي
في كتابي الصادر من دار الشؤون الثقافية العامة عام2022، والمعنون (السقوط والصعود في القصص الشعبي – “نحو منهج لدراسة القصص الشعبي” كنت قد اجترحت منهجا لدراسة القصص الشعبي، وقد طبقت هذا المنهج على الكثير من القصص الشعبي، وفي هذه السطور سأطبقه على الشعر، وعلى قصيدة واحدة من ديوان الشاعر حسين السياب “قبل أن يستيقظ البحر”، وهي قصيدة ” عيني عليكِ ترسمني..!!”، وقد طبقته على القصة القصيرة جدا في دراستي “ق.ق.ج.”عطف” لعبد الله الميالي وكسر توقع القاريء” المنشورة في جريدة الحقيقة يوم 5 اكتوبر 2017، ودراستي المعنونة “الدعاء… في القصة القصيرة جداً” المنشورة في جريدة الزوراء يوم 21 فبراير2018.
يعتمد هذا المنهج على وجود حركات ثلاثة كبرى، ومن هذه الحركات ربما تنشأ حركات صغرى تعكس التنوع الحاصل داخل أي حركة من هذه الحركات الكبرى.
جاء في هذا المنهج عن الحركة، والفعل: ((من تعريفات الحركة أنها: تغيير من إتجاه أو موقع الجسم مع الزمن. وكذلك من تعريفات الفعل الذي هو عبارة عن كلمة دالة على حدث مرتبط بزمن من الأزمنة. إذن الحركة هي فعل. وحركة الشخص هي فعل الشخص ان كان في الموضع نفسه أو بين مواضع عدة)).
إذن يعتمد هذا المنهج على تغير الحركة من خلال الفعل الذي يقوم به الشخص. وإذا كانت القصص الشعبي تعتمد حركة فعلها الأولى على سقوط الشخصية الرئيسية في المحظور، فالحركة الثانية هي البحث عن الخلاص من هذا المحظور، أما الحركة الثالثة فهي الصعود بعد التخلص من ذلك المحظور. أما في الشعر فان الأمر يختلف في بعض التفاصيل، ولكنها تتوافق في الكثير منها والتي لا يمكن أن نسميها شروطا منهجية يمليها علينا المنهج هذا، ومنها: ترابط الحركات الثلاثة الكبرى بعضها ببعض بخيط غير مرئي من أدوات الترابط، لكنه غير واهن كخيط العنكبوت. مثلا في قصيدتنا “عيني عليكِ ترسمني..!!”، نجد الموضوع العام هو تداخل الحب، والحرب، فيما بينهما، وعند هذه الثيمة ترتبط الحركات الثلاثة فيما بينها.
▪︎منهج الحركات وقصيدة “عيني عليكِ ترسمني..!!”:
في هذه القصيدة، وهي القصيدة الأولى في المجموعة الشعرية ثلاث حركات كبرى تنتظم موضوعها الرئيسي بثيمتي الحرب، والحب.
الثيمتان هاتان تمتزجان في أكثر قصائد شعراءنا، والشعراء العرب كذلك، وأغلب شعراء المعمورة أيضا، الذين انكووا بنار الحرب، فيما كان قلبهم ينبض بالحب، كما عند شخوص رواية “للحب وقت وللموت وقت” لإريش ماريا ريمارك، من جنس الرواية، والكثير من أشعار نيرودا، والشاعر محمود درويش، وغيرهم.
-الحركة الكبرى الأولى:
((أمكنةٌ طائشة
تكبرُ معي
أراقبُ العالمَ من فتحةِ ضيّقةٍ
تكفي لنصفِ عينٍ
ونصفِ قلب
لأرى الدنيا كما أُريد…))
لنفكك هذه الحركة الكبرى التي يحملها هذا المقطع الشعري الى ثلاث حركات صغرى، هي:
أ–الحركة الصغرى التي تنتج فعل كبر الأمكنة:
((أمكنةٌ طائشة
تكبرُ معي))
هذه الأمكنة تكبر كلما تكبر الشخصية لأنها أمكنة طائشة، وقد استمدت هذه الصفة من الشخصية ذاتها، التي وجدت نفسها في هذه الظروف غير متروية لأسباب ستذكر في السطر التالية.
اذن الأمكنة، والشخص، يتصفان بعدم التروي.
ب–الحركة الصغرى التي تنتج فعل مراقبة العالم:
((أراقبُ العالمَ من فتحةِ ضيّقةٍ
تكفي لنصفِ عينٍ
ونصفِ قلب))
في هذه الحركة، ومن خلال فعل المراقبة يظهر العالم للشخصية التي تعيش في كنفه بوضوح تام، مع العلم فانه يراقبه بنصف عين، وبنصف قلب، أي ان الرؤية المفضية الى الشعور هما اللذان ينتجان ذلك.
ج–الحركة الصغرى التي تنتج فعل مشاهدة الدنيا:
((لأرى الدنيا كما أُريد…))
في هذه الحركة التي تولد من الفعل سترى هذه الشخصية الدنيا لأن الدنيا لها الرؤية نسبية، فيراها كما يريد هو لا كما كانت في الحقيقة.
أن نسبية الرؤية تجعلها تحمل بعض الطيش الذي كان يتمتع به الشخص، والأمكنة، في بداية القصيدة.
في هذه الحركات الصغرى التي تنتج أفعالا تؤدي الى صور شعرية تكون متسلسلة بالتوالي، أي ان الأقدم يسبق الذي يأتي بعده بالزمن، ومن هذا التسلسل المتوالي ينتج زمن هذه الأفعال التي تشكل الصور الشعرية.
ينتج ينتج
كبرالأمكنة المراقبة العالم مشاهدة الدنيا
هذه الحركات التي جاءت على شكل أفعال ذات حيوية بلاغية، ابداعية. وعندما يكبر المكان تتسع الرؤية، وباتساع الرؤية تكون المشاهدة دقيقة، ومفصلة. ان هذه الأمكنة الكبيرة ضمت مراقبة العالم، ومراقبة العالم ضم مشاهدة الدنيا، والدنيا لها مشاهدات كثيرة، ومتنوعة، ومن هذه المشاهدات هي الحرب. إذن الحرب نتاج لتلك المشاهدة، وهذا يعني احالة ثيمة الحرب الى ثيمة الرؤية، والمشاهدة، والذي معناه الآحالة الى الحركة الكبيرة الثانية.
–الحركة الكبرى الثانية:
((أنا من جيلٍ سحقتهُ غوايةُ الحرب
والوطن المنسيّ على حافّةِ رصاصة!
بظلّْ الموتِ مشينا
بظلّْ الخوف هربنا
بظلّْ الشعرِ المدسوسِ في حقائبِ الجنود، أكلتنا الأيام…
بحرفةِ فلّاحٍ جنوبيّ))
الحركة الكبيرة الثانية تتكون من حركتين صغيرتين، الأولى ينشأها الفعل “سحق – سحقته”. صحيح ان الجملة لم تكن فعلية كأن تبنى هكذا: (سحقتني، وجيلي، غواية الحرب) إلا ان الشعر له صيغ كثيرة لتوصيل الدلالات، والمعاني. والفعل الثاي الذي يحرك الجملة هو “غوى -غواية”، والسبب نفسه الذي قلنا عن الفعل سحق الذي انشأ جملة غير فعلية، لهذا يمكن أن تصاغ هذه الجملة الفعلية هكذا: (غواية الحرب سحقتني، وجيلي). إذن ثلاث صيغ أصبحت عليها الجملة الشعرية، وهذا قمة الابداع الشعري في أن تختار احدى الصيغ لتقولها في قصيدتك.
والحركة الثانية الصغيرة تبدأ بالفعل “نسى – المنسي”، إذ تتشكل هذه الحركة الصغيرة من حركات أربع أصغر منها لتكوين المقطع الشعري الذي نتج من الحركة الكبيرة الثانية، هذه الحركات الأربع، هي:
–بظلّْ الموتِ مشينا
–بظلّْ الخوف هربنا
–بظلّْ الشعرِ المدسوسِ في حقائبِ الجنود، أكلتنا الأيام…
كل هذه الظلال كانت متشكلة من (حرفةِ فلّاحٍ جنوبيّ).
فتحت ظل الموت كان المسير الى الحرب. وتحت ظل الخوف من أهوال الحرب هرب “البطل” من هذه الحرب. وتحت ظل الشعر أكلتهم هذه الحرب.
تبقى قضية الهروب من هذه الحرب، فما المقصود بها؟ هروب خارجي منها، أم هروب داخلي.
ترى هذه الدراسة ان الهروب داخليا قد تم، وذلك من خلال قراءة الشعر، والشعر المقروء في هذه الأجواء هو شعر الحب، والغزل، والهيام بالمحبوبة، وان هذه القراءة ربما تأتي بفعل الكتابة، أي كتابة الشعر للمحبوبة، وهذا السبب يكون كافيا لأن نقول ان هذه القصيدة تحمل ثيمتي الحب، والحرب، التي قدمها هذه النص الشعري.
–الحركة الكبرى الثالثة:
قلت في أوّل هذه الدراسة أن هذه الحركات الكبرى تترابط فيما بينها، وكان الذي ربط الحركة الأولى بالحركة الثانية هو فعل الرؤية، أما الذي ربط الحركة الثانية بالحركة الثالثة فهو “الشعر”، والشعر كما يقول بعض الدارسين هو لعب في اللغة، على اللغة، وهذا يتطلب حرث هذه اللغة”مجازا”، وبين الشعر والرؤية تقف الحرب وضوعا ساندا لهما.
تتكون هذه الحركة الكبيرة من حركات أصغر منها تنشأها أفعالها المثبتة فيها، مثل: (أحرث من الحرث. لتنمو من النماء. أرَ من الرؤية. تنتظر من الانتظار. تلوح من لاح. لأتخلّصَ من الخلاص. سلكت من السلوك. أفهم من الفهم. أهرب من الهروب). فالحراثة تأتي بعدها النمو، والنمو يحتاج الى الرؤية، وبعد الرؤية الانتظار، وهي تلوح، بعدها يأتي الخلاص بالشعر، لكي يفهم معنى الحب لهذه الحبيبة التي يهرب نحوعا.
((أحرثُ اللغةَ
لتنمو قصائدي ناضجةً حدَّ اللعنة
بلّا رنّةٍ للقوافي في مجرى الروح..
لم أرَ أفكاري تنتظرُ على مصطبةِ الوجع
أو تلوحُ لي كنجمةٍ في مقبرةٍ..
لأتخلّصَ من أشباحي سلكتُ دربَ الشعر
في رحلةِ العدمِ لم أفهم شيئًا
سوى أنّكِ في كلّْ مكانٍ
وأنا أهربُ إليكِ))
ماذا فاد النص منهج الحركات النقدي الفاحص له، وهو منهج يسعى لفهم النص عبر بنيته الداخلية المغلقة، وجمالياتها، وخطابها الخاص به، ولا غرض له بظروف إنتاجه الخارجية، مثل: تاريخه، ومجتمعه، وحال، ونفسية، مؤلفه، إذ يتجاهل سياقاته الخارجية؟.
فاد النص بأن حلله اعتمادا على البنية الداخلية له، وخاصة لغته.
الحركات والمجموعة الشعرية (قبل أن يستيقظ البحر) قصيدة “عيني عليكِ ترسمني” للشاعر حسين السياب إنموذجا
الحركات والمجموعة الشعرية (قبل أن يستيقظ البحر)
قصيدة “عيني عليكِ ترسمني” للشاعر حسين السياب إنموذجا | الناقد داود سلمان الشويلي
في كتابي الصادر من دار الشؤون الثقافية العامة عام2022، والمعنون (السقوط والصعود في القصص الشعبي – “نحو منهج لدراسة القصص الشعبي” كنت قد اجترحت منهجا لدراسة القصص الشعبي، وقد طبقت هذا المنهج على الكثير من القصص الشعبي، وفي هذه السطور سأطبقه على الشعر، وعلى قصيدة واحدة من ديوان الشاعر حسين السياب “قبل أن يستيقظ البحر”، وهي قصيدة ” عيني عليكِ ترسمني..!!”، وقد طبقته على القصة القصيرة جدا في دراستي “ق.ق.ج.”عطف” لعبد الله الميالي وكسر توقع القاريء” المنشورة في جريدة الحقيقة يوم 5 اكتوبر 2017، ودراستي المعنونة “الدعاء… في القصة القصيرة جداً” المنشورة في جريدة الزوراء يوم 21 فبراير2018.
يعتمد هذا المنهج على وجود حركات ثلاثة كبرى، ومن هذه الحركات ربما تنشأ حركات صغرى تعكس التنوع الحاصل داخل أي حركة من هذه الحركات الكبرى.
جاء في هذا المنهج عن الحركة، والفعل: ((من تعريفات الحركة أنها: تغيير من إتجاه أو موقع الجسم مع الزمن. وكذلك من تعريفات الفعل الذي هو عبارة عن كلمة دالة على حدث مرتبط بزمن من الأزمنة. إذن الحركة هي فعل. وحركة الشخص هي فعل الشخص ان كان في الموضع نفسه أو بين مواضع عدة)).
إذن يعتمد هذا المنهج على تغير الحركة من خلال الفعل الذي يقوم به الشخص. وإذا كانت القصص الشعبي تعتمد حركة فعلها الأولى على سقوط الشخصية الرئيسية في المحظور، فالحركة الثانية هي البحث عن الخلاص من هذا المحظور، أما الحركة الثالثة فهي الصعود بعد التخلص من ذلك المحظور. أما في الشعر فان الأمر يختلف في بعض التفاصيل، ولكنها تتوافق في الكثير منها والتي لا يمكن أن نسميها شروطا منهجية يمليها علينا المنهج هذا، ومنها: ترابط الحركات الثلاثة الكبرى بعضها ببعض بخيط غير مرئي من أدوات الترابط، لكنه غير واهن كخيط العنكبوت. مثلا في قصيدتنا “عيني عليكِ ترسمني..!!”، نجد الموضوع العام هو تداخل الحب، والحرب، فيما بينهما، وعند هذه الثيمة ترتبط الحركات الثلاثة فيما بينها.
▪︎منهج الحركات وقصيدة “عيني عليكِ ترسمني..!!”:
في هذه القصيدة، وهي القصيدة الأولى في المجموعة الشعرية ثلاث حركات كبرى تنتظم موضوعها الرئيسي بثيمتي الحرب، والحب.
الثيمتان هاتان تمتزجان في أكثر قصائد شعراءنا، والشعراء العرب كذلك، وأغلب شعراء المعمورة أيضا، الذين انكووا بنار الحرب، فيما كان قلبهم ينبض بالحب، كما عند شخوص رواية “للحب وقت وللموت وقت” لإريش ماريا ريمارك، من جنس الرواية، والكثير من أشعار نيرودا، والشاعر محمود درويش، وغيرهم.
-الحركة الكبرى الأولى:
((أمكنةٌ طائشة
تكبرُ معي
أراقبُ العالمَ من فتحةِ ضيّقةٍ
تكفي لنصفِ عينٍ
ونصفِ قلب
لأرى الدنيا كما أُريد…))
لنفكك هذه الحركة الكبرى التي يحملها هذا المقطع الشعري الى ثلاث حركات صغرى، هي:
أ–الحركة الصغرى التي تنتج فعل كبر الأمكنة:
((أمكنةٌ طائشة
تكبرُ معي))
هذه الأمكنة تكبر كلما تكبر الشخصية لأنها أمكنة طائشة، وقد استمدت هذه الصفة من الشخصية ذاتها، التي وجدت نفسها في هذه الظروف غير متروية لأسباب ستذكر في السطر التالية.
اذن الأمكنة، والشخص، يتصفان بعدم التروي.
ب–الحركة الصغرى التي تنتج فعل مراقبة العالم:
((أراقبُ العالمَ من فتحةِ ضيّقةٍ
تكفي لنصفِ عينٍ
ونصفِ قلب))
في هذه الحركة، ومن خلال فعل المراقبة يظهر العالم للشخصية التي تعيش في كنفه بوضوح تام، مع العلم فانه يراقبه بنصف عين، وبنصف قلب، أي ان الرؤية المفضية الى الشعور هما اللذان ينتجان ذلك.
ج–الحركة الصغرى التي تنتج فعل مشاهدة الدنيا:
((لأرى الدنيا كما أُريد…))
في هذه الحركة التي تولد من الفعل سترى هذه الشخصية الدنيا لأن الدنيا لها الرؤية نسبية، فيراها كما يريد هو لا كما كانت في الحقيقة.
أن نسبية الرؤية تجعلها تحمل بعض الطيش الذي كان يتمتع به الشخص، والأمكنة، في بداية القصيدة.
في هذه الحركات الصغرى التي تنتج أفعالا تؤدي الى صور شعرية تكون متسلسلة بالتوالي، أي ان الأقدم يسبق الذي يأتي بعده بالزمن، ومن هذا التسلسل المتوالي ينتج زمن هذه الأفعال التي تشكل الصور الشعرية.
ينتج ينتج
كبرالأمكنة المراقبة العالم مشاهدة الدنيا
هذه الحركات التي جاءت على شكل أفعال ذات حيوية بلاغية، ابداعية. وعندما يكبر المكان تتسع الرؤية، وباتساع الرؤية تكون المشاهدة دقيقة، ومفصلة. ان هذه الأمكنة الكبيرة ضمت مراقبة العالم، ومراقبة العالم ضم مشاهدة الدنيا، والدنيا لها مشاهدات كثيرة، ومتنوعة، ومن هذه المشاهدات هي الحرب. إذن الحرب نتاج لتلك المشاهدة، وهذا يعني احالة ثيمة الحرب الى ثيمة الرؤية، والمشاهدة، والذي معناه الآحالة الى الحركة الكبيرة الثانية.
–الحركة الكبرى الثانية:
((أنا من جيلٍ سحقتهُ غوايةُ الحرب
والوطن المنسيّ على حافّةِ رصاصة!
بظلّْ الموتِ مشينا
بظلّْ الخوف هربنا
بظلّْ الشعرِ المدسوسِ في حقائبِ الجنود، أكلتنا الأيام…
بحرفةِ فلّاحٍ جنوبيّ))
الحركة الكبيرة الثانية تتكون من حركتين صغيرتين، الأولى ينشأها الفعل “سحق – سحقته”. صحيح ان الجملة لم تكن فعلية كأن تبنى هكذا: (سحقتني، وجيلي، غواية الحرب) إلا ان الشعر له صيغ كثيرة لتوصيل الدلالات، والمعاني. والفعل الثاي الذي يحرك الجملة هو “غوى -غواية”، والسبب نفسه الذي قلنا عن الفعل سحق الذي انشأ جملة غير فعلية، لهذا يمكن أن تصاغ هذه الجملة الفعلية هكذا: (غواية الحرب سحقتني، وجيلي). إذن ثلاث صيغ أصبحت عليها الجملة الشعرية، وهذا قمة الابداع الشعري في أن تختار احدى الصيغ لتقولها في قصيدتك.
والحركة الثانية الصغيرة تبدأ بالفعل “نسى – المنسي”، إذ تتشكل هذه الحركة الصغيرة من حركات أربع أصغر منها لتكوين المقطع الشعري الذي نتج من الحركة الكبيرة الثانية، هذه الحركات الأربع، هي:
–بظلّْ الموتِ مشينا
–بظلّْ الخوف هربنا
–بظلّْ الشعرِ المدسوسِ في حقائبِ الجنود، أكلتنا الأيام…
كل هذه الظلال كانت متشكلة من (حرفةِ فلّاحٍ جنوبيّ).
فتحت ظل الموت كان المسير الى الحرب. وتحت ظل الخوف من أهوال الحرب هرب “البطل” من هذه الحرب. وتحت ظل الشعر أكلتهم هذه الحرب.
تبقى قضية الهروب من هذه الحرب، فما المقصود بها؟ هروب خارجي منها، أم هروب داخلي.
ترى هذه الدراسة ان الهروب داخليا قد تم، وذلك من خلال قراءة الشعر، والشعر المقروء في هذه الأجواء هو شعر الحب، والغزل، والهيام بالمحبوبة، وان هذه القراءة ربما تأتي بفعل الكتابة، أي كتابة الشعر للمحبوبة، وهذا السبب يكون كافيا لأن نقول ان هذه القصيدة تحمل ثيمتي الحب، والحرب، التي قدمها هذه النص الشعري.
–الحركة الكبرى الثالثة:
قلت في أوّل هذه الدراسة أن هذه الحركات الكبرى تترابط فيما بينها، وكان الذي ربط الحركة الأولى بالحركة الثانية هو فعل الرؤية، أما الذي ربط الحركة الثانية بالحركة الثالثة فهو “الشعر”، والشعر كما يقول بعض الدارسين هو لعب في اللغة، على اللغة، وهذا يتطلب حرث هذه اللغة”مجازا”، وبين الشعر والرؤية تقف الحرب وضوعا ساندا لهما.
تتكون هذه الحركة الكبيرة من حركات أصغر منها تنشأها أفعالها المثبتة فيها، مثل: (أحرث من الحرث. لتنمو من النماء. أرَ من الرؤية. تنتظر من الانتظار. تلوح من لاح. لأتخلّصَ من الخلاص. سلكت من السلوك. أفهم من الفهم. أهرب من الهروب). فالحراثة تأتي بعدها النمو، والنمو يحتاج الى الرؤية، وبعد الرؤية الانتظار، وهي تلوح، بعدها يأتي الخلاص بالشعر، لكي يفهم معنى الحب لهذه الحبيبة التي يهرب نحوعا.
((أحرثُ اللغةَ
لتنمو قصائدي ناضجةً حدَّ اللعنة
بلّا رنّةٍ للقوافي في مجرى الروح..
لم أرَ أفكاري تنتظرُ على مصطبةِ الوجع
أو تلوحُ لي كنجمةٍ في مقبرةٍ..
لأتخلّصَ من أشباحي سلكتُ دربَ الشعر
في رحلةِ العدمِ لم أفهم شيئًا
سوى أنّكِ في كلّْ مكانٍ
وأنا أهربُ إليكِ))
ماذا فاد النص منهج الحركات النقدي الفاحص له، وهو منهج يسعى لفهم النص عبر بنيته الداخلية المغلقة، وجمالياتها، وخطابها الخاص به، ولا غرض له بظروف إنتاجه الخارجية، مثل: تاريخه، ومجتمعه، وحال، ونفسية، مؤلفه، إذ يتجاهل سياقاته الخارجية؟.
فاد النص بأن حلله اعتمادا على البنية الداخلية له، وخاصة لغته.
التعليقات