هكذا تزوَّج زرداشت

صورة الكاتب
بقلم: د. جمال حسين علي
التاريخ: 1 فبراير 2026 عدد المشاهدات: 2639
هكذا تزوَّج زرداشت

هكذا تزوَّج زرداشت

أعلن فريدريك نيتشه عام 1882:
«أحتاج إلى شابة بجانبي، ذكية ومتعلمة بما يكفي للعمل معي،
ولهذا الغرض، سأكون على استعداد للزواج لبضع سنوات».

*
لم يتزوج فريدريك نيتشه قط، وظل عازباً طوال حياته. كانت لديه عدة علاقات عابرة، لكنه لم يؤمن أبداً بفكرة «السعادة الأبدية».
كتب باستفاضة عن الزواج، معتبراً إياه طريقاً محتملاً للعظمة إذا بُني على صداقة عميقة ومُثل عليا مشتركة، بدلاً من مجرد عاطفة أو منفعة متبادلة، ورأى فيه علاقة مليئة بالتحديات ولكنها حيوية حيث يساعد الشريكان بعضهما على التغلب على القيود البشرية والسعي لتحقيق وجود أسمى، على غرار «المحادثة الطويلة».
وأعتقد أن الادعاء بأن نيتشه كان «كارهاً» للنساء غير صحيحة، تاريخياً وفكرياً.
تاريخياً، أقرب الناس في حياته كنّ نساء، والدته وشقيقته إليزابيث ولو أندرياس سالومي التي تقاسم حبّها مع فرويد وريلكه.
وفكرياً، هو من قال العبارات التالية التي اخترناها وترجمناها، ولعلّها تقدّم جانبه «الرقيق»:
«عند الزواج، اسأل نفسك هذا السؤال: هل تعتقد أنك ستستمتع بالحديث مع هذه المرأة حتى شيخوختك؟ كل شيءٍ آخر في الزواج زائل، لكن معظم الوقت الذي ستقضيانه معًا سيكون مُخصّصًا للحوار».
بين ثنايا عقود من التساؤل حول النظام الاجتماعي السائد، تبرز نصائح عملية، تتناول موضوع الزواج الطويل، تحديدًا.
ورغم أن مصدرها غير متوقع، فإن الفكرة تبدو صادقة. فالجلوس على مائدة العشاء دون القدرة على التحاور بشكل جيد أمرٌ مرهق.
كيف ينمو الإنسان دون حوارٍ بنّاءٍ ومثيرٍ للتفكير؟ هذا ما كان يفعله الفلاسفة القدماء. كانوا ببساطة جماعات تجلس معًا وتتناقش، يتحدى بعضهم بعضًا للارتقاء؛ وكان هدفها الأساسي الوصول إلى الحقيقة.
كيف ستكون هذه العلاقة الوطيدة في مراحل لاحقة من العمر؟ إذا بنى شخصان علاقتهما على صفاتٍ زائلة، فسيعاني كلاهما.
لا يتعارض هذا مع قول إبيقور بأن أسمى العلاقات هو القدرة على الجلوس معًا بهدوءٍ في عزلة. يجب أن يكون بإمكانك التحدث والصمت براحة مع شريك حياتك.
لا ينبغي لأحد أن يقضي وقته في الكلام الدائم، أو في الصمت التام، أو عدم فعل أيّ شيء.
إن اختيار شريك الحياة ليس بالأمر الهين. فالوقت في هذه الحياة قصير، واختيار رفيق الدرب يتطلب مراعاة جوانب عديدة.
لا تنظر فقط إلى ما هو رائع الآن، بل فكّر فيما سيبقى رائعًا في المستقبل.

*
من حوار طويل مع نيتشه، اقتطعنا الجزء الخاص بموضوعنا.
تعالوا لنقرأ ماذا قال:
سؤال: لماذا أنت خائفٌ جدًا من الزواج؟ الجميع تقريبًا يُقدم عليه.
نيتشه: أجل، الجميع تقريبًا إما يُدخن أو يشرب بانتظام، ولا أجد ذلك حكيمًا أيضًا.
سؤال: يا رجل، لا تكن مُتحفظًا هكذا. ما الذي تخشاه؟
نيتشه: أكثر من %50 من الزيجات تنتهي بالطلاق.
سؤال: لماذا تُصدق هذه الإحصائيات السخيفة. وحتى لو كانت النسبة %50 تقريبًا، فهذا ليس سيئًا جدًا، ألا تعتقد ذلك؟
نيتشه: لنفترض أن لدي مسدسًا، به خانتان، رصاصة واحدة، أضع الرصاصة المنقوش عليها «القدر» برفق، أدير الأسطوانة وأُغلقها، أُسلمك المسدس، تضع السلاح على رأسك وتضغط الزناد، هل ستفعلها؟
سؤال: يا رجل، أنت متشائم للغاية، هذا ليس هو الحال، الزواج لا يقتلك!
نيتشه: يا إلهي، أتمنى لو كنت على حق…
هكذا تعامل نيتشه مع الزواج كمجرد لعبة روليت روسية.
الأمر نسبي، أحيانًا نعم، وأحيانًا لا.
لكن هناك أمر واحد مؤكد، إذا اخترتَ خوض هذه التجربة مع شخص نرجسي، فأنت في ورطة في كلتا الحالتين. لأن «النرجسي»، يُغيّر القواعد ما أن تبدأ اللعبة بالفعل.

***
هل يمكنك تخيله واقفًا عند المذبح، يعد بالطاعة والحب غير المشروط لشخص آخر «في السراء والضراء»، بينما كان يرى أن حتى الخير والشر مجرد مصطلحات ملتوية يستخدمها للسيطرة على الآخرين؟
كان فريدريك عمليًا للغاية لدرجة أنه لم يلتزم بمثل هذا الالتزام مدى الحياة. ربما كان يؤمن بالحب، لكنه لم يؤمن بقصة حب. باختصار، لم يكن يثق بالآخرين. إن حالته التأملية تشبه كافكا إلى حدّ بعيد، ذلك الفتى الذي أحبّ ثلاث مرات، وبعضها في وقت واحد، ولعلهما أحبا بأسلوب رامبرانت في الرسم: العلاقة الكئيبة.
وكما وصف نيتشه العلاقة بـ«المذبح»، كان وصف كافكا أكثر خشونة، عندما شبّه المنصّة التي يجلس فيه العرسان في حفلة الزفاف بـ«المقصلة».
وعلى عكس ما يعتقده معظم الناس، لم يكن نيتشه معارضًا للزواج تمامًا، فقد كان الزواج والإنجاب عند فريدريك أمرين مقدسين، مسائل حياة أو موت، ينبغي التعامل معها بأقصى درجات الجدية والالتزام الراسخ.
في كتابه «هكذا تكلم زرادشت»، كتب:
«الزواج هو إرادة اثنين لخلق واحد، يكون أسمى من كليهما».

عن الکاتب / الکاتبة

د. جمال حسين علي
د. جمال حسين علي
ناقد وکاتب / العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


هكذا تزوَّج زرداشت

بقلم: د. جمال حسين علي | التاريخ: 1 فبراير 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

هكذا تزوَّج زرداشت

أعلن فريدريك نيتشه عام 1882:
«أحتاج إلى شابة بجانبي، ذكية ومتعلمة بما يكفي للعمل معي،
ولهذا الغرض، سأكون على استعداد للزواج لبضع سنوات».

*
لم يتزوج فريدريك نيتشه قط، وظل عازباً طوال حياته. كانت لديه عدة علاقات عابرة، لكنه لم يؤمن أبداً بفكرة «السعادة الأبدية».
كتب باستفاضة عن الزواج، معتبراً إياه طريقاً محتملاً للعظمة إذا بُني على صداقة عميقة ومُثل عليا مشتركة، بدلاً من مجرد عاطفة أو منفعة متبادلة، ورأى فيه علاقة مليئة بالتحديات ولكنها حيوية حيث يساعد الشريكان بعضهما على التغلب على القيود البشرية والسعي لتحقيق وجود أسمى، على غرار «المحادثة الطويلة».
وأعتقد أن الادعاء بأن نيتشه كان «كارهاً» للنساء غير صحيحة، تاريخياً وفكرياً.
تاريخياً، أقرب الناس في حياته كنّ نساء، والدته وشقيقته إليزابيث ولو أندرياس سالومي التي تقاسم حبّها مع فرويد وريلكه.
وفكرياً، هو من قال العبارات التالية التي اخترناها وترجمناها، ولعلّها تقدّم جانبه «الرقيق»:
«عند الزواج، اسأل نفسك هذا السؤال: هل تعتقد أنك ستستمتع بالحديث مع هذه المرأة حتى شيخوختك؟ كل شيءٍ آخر في الزواج زائل، لكن معظم الوقت الذي ستقضيانه معًا سيكون مُخصّصًا للحوار».
بين ثنايا عقود من التساؤل حول النظام الاجتماعي السائد، تبرز نصائح عملية، تتناول موضوع الزواج الطويل، تحديدًا.
ورغم أن مصدرها غير متوقع، فإن الفكرة تبدو صادقة. فالجلوس على مائدة العشاء دون القدرة على التحاور بشكل جيد أمرٌ مرهق.
كيف ينمو الإنسان دون حوارٍ بنّاءٍ ومثيرٍ للتفكير؟ هذا ما كان يفعله الفلاسفة القدماء. كانوا ببساطة جماعات تجلس معًا وتتناقش، يتحدى بعضهم بعضًا للارتقاء؛ وكان هدفها الأساسي الوصول إلى الحقيقة.
كيف ستكون هذه العلاقة الوطيدة في مراحل لاحقة من العمر؟ إذا بنى شخصان علاقتهما على صفاتٍ زائلة، فسيعاني كلاهما.
لا يتعارض هذا مع قول إبيقور بأن أسمى العلاقات هو القدرة على الجلوس معًا بهدوءٍ في عزلة. يجب أن يكون بإمكانك التحدث والصمت براحة مع شريك حياتك.
لا ينبغي لأحد أن يقضي وقته في الكلام الدائم، أو في الصمت التام، أو عدم فعل أيّ شيء.
إن اختيار شريك الحياة ليس بالأمر الهين. فالوقت في هذه الحياة قصير، واختيار رفيق الدرب يتطلب مراعاة جوانب عديدة.
لا تنظر فقط إلى ما هو رائع الآن، بل فكّر فيما سيبقى رائعًا في المستقبل.

*
من حوار طويل مع نيتشه، اقتطعنا الجزء الخاص بموضوعنا.
تعالوا لنقرأ ماذا قال:
سؤال: لماذا أنت خائفٌ جدًا من الزواج؟ الجميع تقريبًا يُقدم عليه.
نيتشه: أجل، الجميع تقريبًا إما يُدخن أو يشرب بانتظام، ولا أجد ذلك حكيمًا أيضًا.
سؤال: يا رجل، لا تكن مُتحفظًا هكذا. ما الذي تخشاه؟
نيتشه: أكثر من %50 من الزيجات تنتهي بالطلاق.
سؤال: لماذا تُصدق هذه الإحصائيات السخيفة. وحتى لو كانت النسبة %50 تقريبًا، فهذا ليس سيئًا جدًا، ألا تعتقد ذلك؟
نيتشه: لنفترض أن لدي مسدسًا، به خانتان، رصاصة واحدة، أضع الرصاصة المنقوش عليها «القدر» برفق، أدير الأسطوانة وأُغلقها، أُسلمك المسدس، تضع السلاح على رأسك وتضغط الزناد، هل ستفعلها؟
سؤال: يا رجل، أنت متشائم للغاية، هذا ليس هو الحال، الزواج لا يقتلك!
نيتشه: يا إلهي، أتمنى لو كنت على حق…
هكذا تعامل نيتشه مع الزواج كمجرد لعبة روليت روسية.
الأمر نسبي، أحيانًا نعم، وأحيانًا لا.
لكن هناك أمر واحد مؤكد، إذا اخترتَ خوض هذه التجربة مع شخص نرجسي، فأنت في ورطة في كلتا الحالتين. لأن «النرجسي»، يُغيّر القواعد ما أن تبدأ اللعبة بالفعل.

***
هل يمكنك تخيله واقفًا عند المذبح، يعد بالطاعة والحب غير المشروط لشخص آخر «في السراء والضراء»، بينما كان يرى أن حتى الخير والشر مجرد مصطلحات ملتوية يستخدمها للسيطرة على الآخرين؟
كان فريدريك عمليًا للغاية لدرجة أنه لم يلتزم بمثل هذا الالتزام مدى الحياة. ربما كان يؤمن بالحب، لكنه لم يؤمن بقصة حب. باختصار، لم يكن يثق بالآخرين. إن حالته التأملية تشبه كافكا إلى حدّ بعيد، ذلك الفتى الذي أحبّ ثلاث مرات، وبعضها في وقت واحد، ولعلهما أحبا بأسلوب رامبرانت في الرسم: العلاقة الكئيبة.
وكما وصف نيتشه العلاقة بـ«المذبح»، كان وصف كافكا أكثر خشونة، عندما شبّه المنصّة التي يجلس فيه العرسان في حفلة الزفاف بـ«المقصلة».
وعلى عكس ما يعتقده معظم الناس، لم يكن نيتشه معارضًا للزواج تمامًا، فقد كان الزواج والإنجاب عند فريدريك أمرين مقدسين، مسائل حياة أو موت، ينبغي التعامل معها بأقصى درجات الجدية والالتزام الراسخ.
في كتابه «هكذا تكلم زرادشت»، كتب:
«الزواج هو إرادة اثنين لخلق واحد، يكون أسمى من كليهما».