المعموري ورحلته في مجاهل أفريقيا الخضراء

صورة الكاتب
بقلم: عدنان الفضلي
التاريخ: 20 أبريل 2026 عدد المشاهدات: 3253
المعموري ورحلته في مجاهل أفريقيا الخضراء

المعموري ورحلته في مجاهل أفريقيا الخضراء

 

أدب الرحلات من الفنون السردية التي صار الإهتمام بها ملحوظاً، حيث برز في العشرة أعوام الأخيرة، كثير من الأدباء العراقيين، وصارت لدينا حصيلة جيدة من الروايات المتخذة من الرحلات ثيمة لها.
مؤخراً وعن منشورات اتحاد الأدباء والكتاب في العراق صدر كتاب جديد بعنوان (سحر الأخضر الداكن في مجاهل أفريقيا) للكاتب والمربي توفيق حنون المعموري، وهو كتاب يوثق لرحلة طويلة قام بها مؤلف الكتاب في منتصف العقد السابع من القرن المنصرم، عندما تم إيفاده من قبل الحكومة العراقية آنذاك الى دولة نيجيريا، وذلك لتعليم النيجيريين اللغة العربية في المعهد العربي – النيجيري.
في بداية الكتابة يضعنا المؤلف قبالة نقطة الإنطلاق وكيفية الوصول الى تلك الدولة البعيدة والمختلفة تماماً، حيث يوضح لنا تردده بقبول هذه المهمة الصعبة نظراً لوجود حديث عن تفشي الأمراض في أفريقيا وكذلك غياب الأمن والكراهية التي يكنها الأفارقة للبيض حيث يقول الكاتب ما نصّه “تأخرت كثيراً في السفر الى نيجيريا الذي لم يتم إلا بعد إنتهاء السنة الدراسية، ردة الفعل كانت الرفض لأني قدمت طلباً بالإيفاد الى الى إحدى المدارس العراقية في أي بلد عربي أو أجنبي وهذه موجودة في بلدان كثيرة ومتقدمة.
كما يقول الكاتب عن سبب الرفض بالقول “جاء ترددي أيضاً بسبب ما أعرفه وما فهمته من مفاهيم سائدة آنذاك حول أفريقيا السمراء حين كانت تعتبر فقيرة وتعاني من مشاكل كثيرة أهمها كثرة الأمراض وتعدد أنواعها وأسبابها وعدم توفر الأمن خصوصاً للأجانب وعلى الأخص البيض منهم، وصعوبة التعامل مع شعوب هذه الدول”.
في فصل آخر من الرواية يتحدث الكاتب عن بداية السفر الذي كان على شكل محطتين الأولى هي القاهرة في مصر والثانية نيجيريا، كما يتحدث عن حصوله على طمأنينة صغيرة مفادها وجود مدرس عراقي يقيم هناك ويعمل تدريسياً في جامعة نيجيرية، كما يسترسل الكاتب في وصف الرحلة الى القاهرة ومن ثم الى نيجيريا حيث يقول “لم يكن يبدو عليّ أنني مرتاحاً حين أقلعت الطائرة العراقية التي أقلتني من مطار بغداد الدولي، فقد ارتفعت درجة حرارة دمي حينها حتى شعرت بعدم الإرتياح”.
ويستطرد في الحديث عن المرحلة الثانية من سفره والتي تأخذه الى مجاهل أفريقيا حيث يقول “تزداد مخاوفي ويهاجمني القلق كلما اندفعت الطائرة في عمق الأجواء الأفريقية المعتمة، فيزداد اللهب المستعر في قلبي مع ازدياد ارتفاع درجات الحرارة وكلما راحت الطائرة تقترب من خط الاستواء كنت أتوجس خيفة من أنني أقترب من قبري، هل قدّر الله لي أن أدفن على حافة خط الاستواء إذا ما تحقق الفعل المبني للمجهول (أدفن)”.
في الفصل الثالث يكتب المؤلف عن الشخص العراقي المقيم في نيجيريا والذي سبق وأن إبتعثته الحكومة الى نيجيريا لذات الأسباب لكنه رفض العودة وبقي مقيماً هناك منذ عشر سنوات، وهذا الشخص والذي اسمه (نعمان الجبوري) تكفل باستقبال الكاتب الموفد في المطار وأوصله الى مقر إقامته الجديد وبقي معه لمدة شهر كامل حتى يساعده في الاعتياد على الحياة في هذه المدينة المسماة (إيبادن) والتي يخصص لها الكاتب فصله الرابع الذي كان بصيغة شعرية حيث يصف تلك المدينة بأوصاف شعرية جميلة حيث يقول “كانت إيبادن تبدو وأنا أنظر إليها من أعلى قمة فيها، من الفندق الفخم الذي يسمى (بريمير هوتيل) والذي يقع على ذروة تل كبير شاهق وهو أحد التلال الأربعة التي تتوسد عليها هذه المدينة، كانت تبدو وكأنها طفلة شقراء غافية بين أحضان تلك الطبيعة الخلابة والخضرة الأفريقية الداكنة المظللة بضباب خفيف بسبب الرطوبة العالية جداً”.
تتواصل فصول الكتاب في شرح ووصف الحياة في هذه الدولة الأفريقية، حيث يبدأ الكاتب كثير من الرحلات داخل المدن للتعرف عليها وعلى تقاليد وعادات ناسها، حتى يستطيع الإندماج في هذا العالم الغريب عليه تماماً، كما يضعنا الكاتب قبالة حكايات وقصص كثيرة تحدث أمامه، أو حتى يكون هو نفسه بطلها، ومن تلك الحكايات الغريبة التي يرويها الكاتب قصة أحد اللصوص وكيف إنتهى مصيره بشكل مأساوي حيث يقول “تكدست السيارات فجأة ولاحظت أن النيجيريين يترجلون من سياراتهم مهرولين الى الأمام، وسألت نعمان عن السبب فقال لا أدري ربما يكون شجاراً بين إثنين، ولكنه حين نزل من سيارته واستعلم الخبر قال: يبدو أن لصاً قد سرق عنزتين فقتلوه، وحين وصلنا الى مكان الحادث . كان وسط الشارع رجل أسود قتيل ممدد على الأرض والى جانبه عنزتان قتلتا أيضاً . قالت لنعمان: لماذا فعلوا ذلك لقد قتلوا اللص فماذنب العنزتين؟ فقال: هكذا يفعلون مع اللصوص، فقد كان قتلهم للعنزتين بسبب تعصبهم ضد هذا السارق، إنك بمجرد أن ترى شخصاً يقد سرق وتشير اليه فالجميع يسرعون نحوه ويتعقبونه ولا يتركونه حتى يقتل بين أيديهم، انهم إن لم يقتلوه لأنه سرق وإنما قتلوه لأنه لا يعرف كيف يسرق بحيث استطاع الناس أن يمسكوه متلبساً بجيرمته فاستحق القتل لذلك”.
الكتاب مليء بالحكايات الجميلة والغريبة والعجيبة، وفيه سياحة ثقافية وفكرية ودينية وتعريفات مهمة للحياة في القارة السمراء.

عن الکاتب / الکاتبة

عدنان الفضلي
عدنان الفضلي
صحفي وشاعر / العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


المعموري ورحلته في مجاهل أفريقيا الخضراء

بقلم: عدنان الفضلي | التاريخ: 20 أبريل 2026

التصنيف: الأدب

المعموري ورحلته في مجاهل أفريقيا الخضراء

 

أدب الرحلات من الفنون السردية التي صار الإهتمام بها ملحوظاً، حيث برز في العشرة أعوام الأخيرة، كثير من الأدباء العراقيين، وصارت لدينا حصيلة جيدة من الروايات المتخذة من الرحلات ثيمة لها.
مؤخراً وعن منشورات اتحاد الأدباء والكتاب في العراق صدر كتاب جديد بعنوان (سحر الأخضر الداكن في مجاهل أفريقيا) للكاتب والمربي توفيق حنون المعموري، وهو كتاب يوثق لرحلة طويلة قام بها مؤلف الكتاب في منتصف العقد السابع من القرن المنصرم، عندما تم إيفاده من قبل الحكومة العراقية آنذاك الى دولة نيجيريا، وذلك لتعليم النيجيريين اللغة العربية في المعهد العربي – النيجيري.
في بداية الكتابة يضعنا المؤلف قبالة نقطة الإنطلاق وكيفية الوصول الى تلك الدولة البعيدة والمختلفة تماماً، حيث يوضح لنا تردده بقبول هذه المهمة الصعبة نظراً لوجود حديث عن تفشي الأمراض في أفريقيا وكذلك غياب الأمن والكراهية التي يكنها الأفارقة للبيض حيث يقول الكاتب ما نصّه “تأخرت كثيراً في السفر الى نيجيريا الذي لم يتم إلا بعد إنتهاء السنة الدراسية، ردة الفعل كانت الرفض لأني قدمت طلباً بالإيفاد الى الى إحدى المدارس العراقية في أي بلد عربي أو أجنبي وهذه موجودة في بلدان كثيرة ومتقدمة.
كما يقول الكاتب عن سبب الرفض بالقول “جاء ترددي أيضاً بسبب ما أعرفه وما فهمته من مفاهيم سائدة آنذاك حول أفريقيا السمراء حين كانت تعتبر فقيرة وتعاني من مشاكل كثيرة أهمها كثرة الأمراض وتعدد أنواعها وأسبابها وعدم توفر الأمن خصوصاً للأجانب وعلى الأخص البيض منهم، وصعوبة التعامل مع شعوب هذه الدول”.
في فصل آخر من الرواية يتحدث الكاتب عن بداية السفر الذي كان على شكل محطتين الأولى هي القاهرة في مصر والثانية نيجيريا، كما يتحدث عن حصوله على طمأنينة صغيرة مفادها وجود مدرس عراقي يقيم هناك ويعمل تدريسياً في جامعة نيجيرية، كما يسترسل الكاتب في وصف الرحلة الى القاهرة ومن ثم الى نيجيريا حيث يقول “لم يكن يبدو عليّ أنني مرتاحاً حين أقلعت الطائرة العراقية التي أقلتني من مطار بغداد الدولي، فقد ارتفعت درجة حرارة دمي حينها حتى شعرت بعدم الإرتياح”.
ويستطرد في الحديث عن المرحلة الثانية من سفره والتي تأخذه الى مجاهل أفريقيا حيث يقول “تزداد مخاوفي ويهاجمني القلق كلما اندفعت الطائرة في عمق الأجواء الأفريقية المعتمة، فيزداد اللهب المستعر في قلبي مع ازدياد ارتفاع درجات الحرارة وكلما راحت الطائرة تقترب من خط الاستواء كنت أتوجس خيفة من أنني أقترب من قبري، هل قدّر الله لي أن أدفن على حافة خط الاستواء إذا ما تحقق الفعل المبني للمجهول (أدفن)”.
في الفصل الثالث يكتب المؤلف عن الشخص العراقي المقيم في نيجيريا والذي سبق وأن إبتعثته الحكومة الى نيجيريا لذات الأسباب لكنه رفض العودة وبقي مقيماً هناك منذ عشر سنوات، وهذا الشخص والذي اسمه (نعمان الجبوري) تكفل باستقبال الكاتب الموفد في المطار وأوصله الى مقر إقامته الجديد وبقي معه لمدة شهر كامل حتى يساعده في الاعتياد على الحياة في هذه المدينة المسماة (إيبادن) والتي يخصص لها الكاتب فصله الرابع الذي كان بصيغة شعرية حيث يصف تلك المدينة بأوصاف شعرية جميلة حيث يقول “كانت إيبادن تبدو وأنا أنظر إليها من أعلى قمة فيها، من الفندق الفخم الذي يسمى (بريمير هوتيل) والذي يقع على ذروة تل كبير شاهق وهو أحد التلال الأربعة التي تتوسد عليها هذه المدينة، كانت تبدو وكأنها طفلة شقراء غافية بين أحضان تلك الطبيعة الخلابة والخضرة الأفريقية الداكنة المظللة بضباب خفيف بسبب الرطوبة العالية جداً”.
تتواصل فصول الكتاب في شرح ووصف الحياة في هذه الدولة الأفريقية، حيث يبدأ الكاتب كثير من الرحلات داخل المدن للتعرف عليها وعلى تقاليد وعادات ناسها، حتى يستطيع الإندماج في هذا العالم الغريب عليه تماماً، كما يضعنا الكاتب قبالة حكايات وقصص كثيرة تحدث أمامه، أو حتى يكون هو نفسه بطلها، ومن تلك الحكايات الغريبة التي يرويها الكاتب قصة أحد اللصوص وكيف إنتهى مصيره بشكل مأساوي حيث يقول “تكدست السيارات فجأة ولاحظت أن النيجيريين يترجلون من سياراتهم مهرولين الى الأمام، وسألت نعمان عن السبب فقال لا أدري ربما يكون شجاراً بين إثنين، ولكنه حين نزل من سيارته واستعلم الخبر قال: يبدو أن لصاً قد سرق عنزتين فقتلوه، وحين وصلنا الى مكان الحادث . كان وسط الشارع رجل أسود قتيل ممدد على الأرض والى جانبه عنزتان قتلتا أيضاً . قالت لنعمان: لماذا فعلوا ذلك لقد قتلوا اللص فماذنب العنزتين؟ فقال: هكذا يفعلون مع اللصوص، فقد كان قتلهم للعنزتين بسبب تعصبهم ضد هذا السارق، إنك بمجرد أن ترى شخصاً يقد سرق وتشير اليه فالجميع يسرعون نحوه ويتعقبونه ولا يتركونه حتى يقتل بين أيديهم، انهم إن لم يقتلوه لأنه سرق وإنما قتلوه لأنه لا يعرف كيف يسرق بحيث استطاع الناس أن يمسكوه متلبساً بجيرمته فاستحق القتل لذلك”.
الكتاب مليء بالحكايات الجميلة والغريبة والعجيبة، وفيه سياحة ثقافية وفكرية ودينية وتعريفات مهمة للحياة في القارة السمراء.