العجائبية في قصص عبدالأمير المجر

صورة الكاتب
بقلم: م.م. زينب مظفر محمد علي
التاريخ: 3 فبراير 2026 عدد المشاهدات: 2728
العجائبية في قصص عبدالأمير المجر

ملخص البحث
إن ظاهرة العجائبية تمتد كثيراً في عمق التراث الادبي قديماً وقد أخذت أشكالاً متنوعة حتى استقرت في صيغتها الحالية في العصر الحديث ، ولعل المتتبع لهذه الظاهرة يجدها قد توسعت لتشمل الكثير من جوانب المعرفة والحياة البشرية وما يهمنا هنا هو وجودها داخل الفضاء الادبي ومما زاد من أهميتها هو تفاعل القارئ العربي معها كونها تلامس داخله في كثير من الجوانب فما يمر به الانسان من حالات يومية تثير دهشته وتجعله في حالة استغراب هو نفسه ما يتطلع اليه عند قراءة النص الادبي إذ يتوقع أن يثير هذا النص دهشته ويجعله في حالة تعجب ، ولعل المنجز الأدبي العراقي من اكثر المنجزات العربية ملامسة للعجائبي بسبب ما مر به العراق من أحداث غير مألوفة جعلت من الأديب في وضع عجائبي كبير انعكس ذلك على نتاجه ، وسوف نقف في دراستنا هذه عند المنجز القصصي العراقي ذلك المنجز المتفرد عربياً وتحديداً عند تجربة القاص عبد الامير المجر الذي أخلص لهذا المنجز، إذ وجدنا العجائبية تشكل ظاهرة في منجزه القصصي، وقسمنا بحثنا على مقدمة وتمهيد ومبحثين ثم خاتمة لهم.
مفهوم العجائبية:
العجائبي هو “شكل من أشكال القص تُعرض فيه الشخصيات بقوانين جديدة تعارض قوانين الواقع التجريبي”( ) وهو من نتاج الخيال ففي دخوله إلى عالمنا الواقعي المحسوس يخلق عند القارئ نوعاً من التردد تجاه قبول هذا الشيء أو رفضه وهو ما يوصف بالعجائبي أو العجيب، وللعجائبي الكثير من المصطلحات والتعاريف التي تتشعب فيما بينها فهو كذلك “التردد الذي يحسه كائن لا يعرف غير قوانين الطبيعة فيما يواجه حدثاً غير طبيعي حسب الظاهر”( ) ، فلا تقتصر علاقة العجائبية بالأدب فحسب إنما تتعداه إلى المعارف الإنسانية الأخرى كما تقوم العجائبية على خرق القوانين الطبيعية وتأسيس منطق خاص بها ( )
وللعجائبية “مسارات متعددة تستقطب كل ما يثير ويخلق الإدهاش والحيرة في المألوف واللامألوف”( ) فلا تقتصر علاقة العجائبية بالأدب فحسب إنما تتعداه إلى المعارف الإنسانية الأخرى، كما تقوم العجائبية على خرق القوانين الطبيعية وتأسيس منطق خاص بها( )،فحصول العجائبية يتشكل في النزوع إلى أحداث لا يمكن قبولها، في قلب الشرعة اليومية وقد حدد تودروف شروطاً أساسية لشعرية النص العجائبي منها إرباك التشخيص التقليدي والواقعي) في علاقة السارد بقارئ النص؛ وذلك عندما يقوم النص بإجبار قارئه على اعتبار عالم الشخوص عالم أشخاص أحياء وعلى التردد بين التفسير الطبيعي للأحداث والتفسير الخارق للطبيعة، فالقارئ يشك في صحة الخبر عن العالم ولكنه في الوقت نفسه يظل غير قادر على تفسيره( ).
أما وظائف العجائبي فتتجسد في تحقيق غايات معينة لعل أبرزها الإمتاع والمؤانسة؛ إذ يعمد الإنسان دائماً إلى تطريز حديثه بأشياء عجيبة لشد انتباه القارئ وتحقيق المتعة لمستمعيه، كذلك هناك غايات أخرى للعجائبي وهي تطهير النفوس من أجل المساهمة في سيادة الحب والسلام، فكثيراً ما يأتي الحكي العجائبي غطاءً لتجاوز الضوابط الاجتماعية والتخلص من الحواجز والممنوعات والمحرمات الاجتماعية المفروضة على الإنسان داخل بنيته الاجتماعية( )، فإذا كانت الوظيفة اجتماعية يكون النص محملاً بدلالات اجتماعية إذ يتخذ من العجائبي غطاءً لتحرير كافة الأشياء التي تخضع للمراقبة وبهذا يحتوي النص في ثناياه على جميع الأشياء الممنوعة والمحرمة اجتماعياً، ويبقى السؤال الجوهري كيف يتعامل الاديب مع هذا النوع من النصوص ولماذا؟ لنصل الى حقيقة كبيرة هي أن الأدباء والمفكرون يتخذون من العجائبي “ذريعة لطرق المواضيع التي تحجرها عليهم الرقابة الذاتية والرقابة المقننة”( )، فالمفكرون يستخدمون وسائل شتى لخرق تلك الحدود المفروضة عليهم، ولا تقتصر وظيفة العجائبية على القضايا الاجتماعية بل تتعداه إلى وظيفة سياسية سواء كانت من قبل الأسر الحاكمة التي كانت تخدع شعوبها بأنهم إذا تركوا السلطة ستؤول الأمور إلى شيء كارثي آو بانتمائهم إلى الآلهة أو غيرها من الأشياء كادعاء ريتشارد هو وعائلته بأنهم أولاد الجنية في طريقة لترهيب الشعب.
كان الجميع قد رأوا الشبح دون أن يقول أي منهم للآخر فاستعجل الحفارون بينما كان الآخرون يطلقون الهوسة تلو الهوسة..” ( ).
تشكلت عجائبية المكان هنا ( المقبرة ) من خلال عدة عوامل لعل أهمها الشخصية التي تحولت الى شبح وما دارت بها من احداث جعلت منه مكاناً عحائبياً فالمتوفي منح المكان هذا البعد وانعكس تأثير المكان العجائبي على حفاري القبور ومن تواجد هناك ، إذا اصبحت حالة من الفزع تسيطر عليهم ، ولو أمعنا النظر هنا مرة اخرى لوجدنا ان القاص اراد أن يعطي الكثير من الرسائل المهمة التي تصاحب لحظة الموت وإدراك النهايات ، فالمقبرة المكان الحتمي لكل البشرية وتتساوى فيه جميع الشخوص الاني والفقير والكاسب والموظف والرئيس والمرؤوس
فما عجائبية المقبرة إلا حالة ذهول أردها القاص أن يشغل بها بال المتلقي لإيقاضه
وفي قصة اخرى يجعل القاص من السيارة مكاناً عجائبياً ”
راحت السيارة تندفع لوحدها ، كما لو أنها تسلمت مهمة القيادة بدلاً عنه ، فيما هو وسنان وقد أخذته شبه غيبوبة حررته من مكانه خلف المقود ليخرج من نافذة السيارة طائراً يسابق سيارته المندفعة بقوة خارج المدينة فيما هو يحلق مثل نسر تعابث اجنحته نتف الغمام ….
وتحت ناظريه كانت السيارة تندفع ” ( ).
إن المتأمل لهذا النص يجد أن القاص أخذه الى قضية كونية فالعالم بأسره يميل إلى العقلانية الصارمة وتفسير الظواهر وفقاً لقوانين العلم والتقنية، فيبرز حضور سيارة تمشي بلا سائق ككسرٍ فجائي للمنطق، يعيد للذهن ذلك الخط الرفيع الذي يفصل بين الواقعي والعجائبي، فالظاهرة هنا لا تُقرأ من زاوية فيزيائية أو تقنية بحتة، بل من منظور رمزي، يكشف عن القلق الإنساني من فقدان السيطرة، ومن تشكّل المجهول في قلب المألوف، ذلك القلق الذي قصده القاص من أجل ايصال صوته واضحاً ومندداً لحالة التشظي التي يعيشها المجتمع.
إن استخدام السيارة بالتحديد لم يكن اعتبطاً بل جاء مدروساً بطريقة فنية جمالية ،فالسيارة – كعنصر مدني حداثي – تتحول في هذا السياق من وسيلة نقل إلى فضاء مستقل، يتصرف بإرادة غامضة، وكأنها استرجعت وعياً خاصاً بها، منفصلاً عن صانعها أو مستخدمها. هذا الانزياح في الوظيفة يفتح باباً للتأويل، حيث يمكن فهمها بوصفها استعارة للذات المعاصرة التي تسير في دروب الحياة مدفوعة بقوى خفية، قد تكون التكنولوجيا، أو النظام، أو حتى أقدار لا مرئية.
النص العجائبي الذي يتشكل من هذه الظاهرة يعتمد على خلخلة منطق السرد اليومي، ويدفع القارئ إلى التشكيك في معايير الإدراك الحسي. فالعجيب هنا ليس في الحدث نفسه فحسب، بل في الصمت الذي يحيط به، في ردود أفعال الناس، في صدى الغموض أكثر من تفاصيله، كذلك يمكن اعتبار السيارة رمزاً لزمن يتحرك وحده، لا ينتظر أحداً، زمن ما بعد الإنسان، حيث تفقد الأشياء ارتباطها بوظائفها الأصلية وتكتسب هويات جديدة، تقود الإنسان لا العكس. هنا يتجلى الطابع “الما-بعد حداثي” في ثنايا المشهد، إذ تختلط الحقيقة بالوهم، وتتداخل الأصوات بين الواقعي والمُتخيّل، وتُستدعى الأسطورة في قلب المدينة الحديثة.
فالقاص هنا نهج اسلوباً خاصاً تبناه لعرض هذه الظاهرة، إذ نجده يتراوح بين السرد العجائبي والواقعي، كما نجده عند كافكا وماركيز، أو الاتجاه نحو الرمز الفلسفي الذي يعيد بناء الواقع على أسس غير مألوفة، في كلا الحالين، فإن حضور السيارة-الكيان يفتح إمكاناً لسرديات بديلة، تتحدى مركزية الإنسان، وتطرح سؤالاً وجودياً: هل ما نراه يتحرك هو الواقع أم المتخيل الذي يصل لدرجة العجائبية.
وفي موضع آخر يرسم لنا القاص صورة عجائبية للفضاء / البيت إذ جسده في تشكيل مغاير
” ظل يدور في بيته الذي صار يتخلى عن موجوداته وأثاثه ، ثم يتخلى عن سقفه وحيطانه” ( )
عندما نقف نتأمل هذا النص السهل الممتنع نجد القاص قد جسد تجسّد فكرة من الأدب العجائبي (أو الفانتازي الواقعي)، حيث يتم تجاوز حدود المنطق والواقع بطريقة تُدهش المتلقّي وتثير تساؤلاته. لنُحلّلها ضمن هذا الإطار ، فالشخص الذي يدور في بيته” هو مشهد طبيعي ومألوف، لكن سرعان ما تنقلب الواقعية إلى غرابة، فـ”البيت يتخلى عن موجوداته وأثاثه”، ثم يصل إلى الذروة حين “يتخلى عن سقفه وحيطانه”. هذا التدرّج في التحلل يخلق مفارقة، إذ أن البيت كيان جامد لا يُفترض أن “يتخلى” عن شيء، وكأن له إرادة.
فالعجائبية هنا ترمز إلى انهدام نفسي أو وجودي، وقد يكون البيت هنا مجازًا عن الذات أو الحياة، ومعنى أن “يتخلى عن موجوداته” هو تلاشي المعنى، الذكريات، الهوية. التخلي عن السقف والحيطان هو تفكك الأمان، الحماية، والكيان ذاته، وهناك دلالة على عجز الانسان عن الثبات أو الفهم، مقابل عالم يتفكك حوله بصمت، هذه الجدلية تزرع القلق، وهي سمة أساسية في العجائبي.
إن هذا النص يمزج بين بساطة العبارة وعمق الصورة العجائبية ليخلق عالمًا متآكلاً ينهار من حول الشخصية، في استعارة مشحونة بالقلق الوجودي والتفكك الداخلي، فالنص ليس فقط عجائبياً ، بل يخرج ليشمل الوجود والفلسفة، فالقاص يرينا كيف يمكن للبيت، كرمز للأمان، أن يتحول إلى فراغ يلفّ الذات.
الخاتمة
– سعى القاص في مجاميعه القصصية إلى استخلاص الصورة الفكرية الحيّة في معاناة معظم العراقيين تحت وطأة الحروب والحصار .
– وظّف القاص تلك الأماكن الرمزية العجائبية وربطها بالواقع المؤلم والصراع النفسي وايصال أفكاره إلى المتلقي
– تتسم معظم أعماله القصصية بالسرد العجائبي التي تتأصل في النصوص الأدبية والفنية بالقلق والخوف من المجهول
– إتسمت نصوصه القصصية أيضاً بالحيرة والارتباك لينقل لنا ذلك الصراع المتأزم بالبواعث النفسية المتردية التي رسمتها شرارة الحرب العراقية الإيرانية .
– جسّدت قصصه الكثير من المكونات الفكرية والسردية والدلالية في حزمة تأسيسية بأفق أبعاد غرائبية وعجائبية مارست على المتلقي كل قدراتها التشويقية بمراوغة سردية واضحة وجلية داخل المسار القصصي بما فيها من الارتياب والارتباك في المحيط الفكري العام .

المصادر والمراجع
أولاُ ـ المصادر
1. . أعراق ، عبد الأمير المجر ، قصص ، منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2021م : 9
2. ما لا يتبقى للنسيان، عبد الأمير المجر، مجموعة قصصية، دار الشؤون الثقافية العامة، ط1 ، 2015م : 93
ثانياًـ المراجع
1. أدب الفنتازيا (مدخل إلى الواقع) ت. ي. ابتر، تر: صبار السعدون، دار المألوف للترجمة والنشر، بغداد، 1989: 10.
2. بناء الشخصية في رواية نجمة أغسطس ، إبراهيم نصر الله ، مجلة اضاءات نقدية ، السنة الرابعة ، العدد 14 ،حزيران ،2014 م
3. التشخيص في الرواية العربية، محمد الباردي، حوليات الجامعة التونسية، تونس ع38، 1995
4. حركة الشخوص في شرق المتوسط، إبراهيم جنداري، الموقف الثقافي، بغداد، ع27، لسنة 2000: 85.
5. السرد الغرائبي والعجائبي، د.سناء شعلان، نادي الجسرة، قطر، 2007م
6. الشخصية الانثروبولوجية في رواية (مائة عام من العزلة :غابرييل غارسيا ماركيز ) انماطها ، مواصفاتها ، ابعادها
7. شعرية الرواية العربية، فوزي الزمرلي، مركز النشر الجامعي (د. طب)، جامعة منوبة، تونس 2002م
8. شعرية الرواية الفانتاستيكية ، شعيب حليفي ، المجلس الأعلى للثقافة الرباط ، ط1 ، 2009م.
9. العجائبية في الرواية العربية ( من عام 1970 الى عام 2000 ) ، فاطمة بدر حسين ،أطروحة دكتوراه جامعة بغداد، كلية التربية للبنات ، اشراف د.شجاع العاني ، 2003م
10. العجائبي في المخيال السردي في ألف ليلة وليلة ، سميرة بن جامع ، رسالة ماجستير جامعة الحاج الخضر ، كلية الآداب والعلوم الإنسانية ،اشراف د.صالح المباركية ،2010 :25
11. عجائبية النص فانتازيا الخطاب (قراءة في سرديات عراقية معاصرة )، اعداد وتقديم ومشاركة أ.د.غنام محمد خضر، منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، بغداد ، 2024م.
12. لحظة الأبدية ، سمير الحاج شاهين ، دراسة الزمان في ادب القرن العشرين ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ،بيروت ،ط1 ، 1980م
13. مدخل إلى الأدب العجائبي، تزفيتن تودوروف، ترجمة الصديق بوعلام، مراجعة ، محمد برادة، دار شرقيات، القاهرة، ط1، 1994
14. مشكلة المكان الفني ، يوري لوتمان ، تقديم وترجمة : سيزا قاسم ، مجلة عيون المقالات ، العدد 8 ، 1987 م.
15. معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة، سعيد علوش، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط1، 1985.
16. هوية العلامات (في العتبات وبناء التأويل)، شعيب حليفي، دار الثقافة، الدار البيضاء، ط1، 2005م.

عن الکاتب / الکاتبة

م.م. زينب مظفر محمد علي
م.م. زينب مظفر محمد علي
باحثة وکاتبة/ العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


العجائبية في قصص عبدالأمير المجر

بقلم: م.م. زينب مظفر محمد علي | التاريخ: 3 فبراير 2026

التصنيف: الأدب

ملخص البحث
إن ظاهرة العجائبية تمتد كثيراً في عمق التراث الادبي قديماً وقد أخذت أشكالاً متنوعة حتى استقرت في صيغتها الحالية في العصر الحديث ، ولعل المتتبع لهذه الظاهرة يجدها قد توسعت لتشمل الكثير من جوانب المعرفة والحياة البشرية وما يهمنا هنا هو وجودها داخل الفضاء الادبي ومما زاد من أهميتها هو تفاعل القارئ العربي معها كونها تلامس داخله في كثير من الجوانب فما يمر به الانسان من حالات يومية تثير دهشته وتجعله في حالة استغراب هو نفسه ما يتطلع اليه عند قراءة النص الادبي إذ يتوقع أن يثير هذا النص دهشته ويجعله في حالة تعجب ، ولعل المنجز الأدبي العراقي من اكثر المنجزات العربية ملامسة للعجائبي بسبب ما مر به العراق من أحداث غير مألوفة جعلت من الأديب في وضع عجائبي كبير انعكس ذلك على نتاجه ، وسوف نقف في دراستنا هذه عند المنجز القصصي العراقي ذلك المنجز المتفرد عربياً وتحديداً عند تجربة القاص عبد الامير المجر الذي أخلص لهذا المنجز، إذ وجدنا العجائبية تشكل ظاهرة في منجزه القصصي، وقسمنا بحثنا على مقدمة وتمهيد ومبحثين ثم خاتمة لهم.
مفهوم العجائبية:
العجائبي هو “شكل من أشكال القص تُعرض فيه الشخصيات بقوانين جديدة تعارض قوانين الواقع التجريبي”( ) وهو من نتاج الخيال ففي دخوله إلى عالمنا الواقعي المحسوس يخلق عند القارئ نوعاً من التردد تجاه قبول هذا الشيء أو رفضه وهو ما يوصف بالعجائبي أو العجيب، وللعجائبي الكثير من المصطلحات والتعاريف التي تتشعب فيما بينها فهو كذلك “التردد الذي يحسه كائن لا يعرف غير قوانين الطبيعة فيما يواجه حدثاً غير طبيعي حسب الظاهر”( ) ، فلا تقتصر علاقة العجائبية بالأدب فحسب إنما تتعداه إلى المعارف الإنسانية الأخرى كما تقوم العجائبية على خرق القوانين الطبيعية وتأسيس منطق خاص بها ( )
وللعجائبية “مسارات متعددة تستقطب كل ما يثير ويخلق الإدهاش والحيرة في المألوف واللامألوف”( ) فلا تقتصر علاقة العجائبية بالأدب فحسب إنما تتعداه إلى المعارف الإنسانية الأخرى، كما تقوم العجائبية على خرق القوانين الطبيعية وتأسيس منطق خاص بها( )،فحصول العجائبية يتشكل في النزوع إلى أحداث لا يمكن قبولها، في قلب الشرعة اليومية وقد حدد تودروف شروطاً أساسية لشعرية النص العجائبي منها إرباك التشخيص التقليدي والواقعي) في علاقة السارد بقارئ النص؛ وذلك عندما يقوم النص بإجبار قارئه على اعتبار عالم الشخوص عالم أشخاص أحياء وعلى التردد بين التفسير الطبيعي للأحداث والتفسير الخارق للطبيعة، فالقارئ يشك في صحة الخبر عن العالم ولكنه في الوقت نفسه يظل غير قادر على تفسيره( ).
أما وظائف العجائبي فتتجسد في تحقيق غايات معينة لعل أبرزها الإمتاع والمؤانسة؛ إذ يعمد الإنسان دائماً إلى تطريز حديثه بأشياء عجيبة لشد انتباه القارئ وتحقيق المتعة لمستمعيه، كذلك هناك غايات أخرى للعجائبي وهي تطهير النفوس من أجل المساهمة في سيادة الحب والسلام، فكثيراً ما يأتي الحكي العجائبي غطاءً لتجاوز الضوابط الاجتماعية والتخلص من الحواجز والممنوعات والمحرمات الاجتماعية المفروضة على الإنسان داخل بنيته الاجتماعية( )، فإذا كانت الوظيفة اجتماعية يكون النص محملاً بدلالات اجتماعية إذ يتخذ من العجائبي غطاءً لتحرير كافة الأشياء التي تخضع للمراقبة وبهذا يحتوي النص في ثناياه على جميع الأشياء الممنوعة والمحرمة اجتماعياً، ويبقى السؤال الجوهري كيف يتعامل الاديب مع هذا النوع من النصوص ولماذا؟ لنصل الى حقيقة كبيرة هي أن الأدباء والمفكرون يتخذون من العجائبي “ذريعة لطرق المواضيع التي تحجرها عليهم الرقابة الذاتية والرقابة المقننة”( )، فالمفكرون يستخدمون وسائل شتى لخرق تلك الحدود المفروضة عليهم، ولا تقتصر وظيفة العجائبية على القضايا الاجتماعية بل تتعداه إلى وظيفة سياسية سواء كانت من قبل الأسر الحاكمة التي كانت تخدع شعوبها بأنهم إذا تركوا السلطة ستؤول الأمور إلى شيء كارثي آو بانتمائهم إلى الآلهة أو غيرها من الأشياء كادعاء ريتشارد هو وعائلته بأنهم أولاد الجنية في طريقة لترهيب الشعب.
كان الجميع قد رأوا الشبح دون أن يقول أي منهم للآخر فاستعجل الحفارون بينما كان الآخرون يطلقون الهوسة تلو الهوسة..” ( ).
تشكلت عجائبية المكان هنا ( المقبرة ) من خلال عدة عوامل لعل أهمها الشخصية التي تحولت الى شبح وما دارت بها من احداث جعلت منه مكاناً عحائبياً فالمتوفي منح المكان هذا البعد وانعكس تأثير المكان العجائبي على حفاري القبور ومن تواجد هناك ، إذا اصبحت حالة من الفزع تسيطر عليهم ، ولو أمعنا النظر هنا مرة اخرى لوجدنا ان القاص اراد أن يعطي الكثير من الرسائل المهمة التي تصاحب لحظة الموت وإدراك النهايات ، فالمقبرة المكان الحتمي لكل البشرية وتتساوى فيه جميع الشخوص الاني والفقير والكاسب والموظف والرئيس والمرؤوس
فما عجائبية المقبرة إلا حالة ذهول أردها القاص أن يشغل بها بال المتلقي لإيقاضه
وفي قصة اخرى يجعل القاص من السيارة مكاناً عجائبياً ”
راحت السيارة تندفع لوحدها ، كما لو أنها تسلمت مهمة القيادة بدلاً عنه ، فيما هو وسنان وقد أخذته شبه غيبوبة حررته من مكانه خلف المقود ليخرج من نافذة السيارة طائراً يسابق سيارته المندفعة بقوة خارج المدينة فيما هو يحلق مثل نسر تعابث اجنحته نتف الغمام ….
وتحت ناظريه كانت السيارة تندفع ” ( ).
إن المتأمل لهذا النص يجد أن القاص أخذه الى قضية كونية فالعالم بأسره يميل إلى العقلانية الصارمة وتفسير الظواهر وفقاً لقوانين العلم والتقنية، فيبرز حضور سيارة تمشي بلا سائق ككسرٍ فجائي للمنطق، يعيد للذهن ذلك الخط الرفيع الذي يفصل بين الواقعي والعجائبي، فالظاهرة هنا لا تُقرأ من زاوية فيزيائية أو تقنية بحتة، بل من منظور رمزي، يكشف عن القلق الإنساني من فقدان السيطرة، ومن تشكّل المجهول في قلب المألوف، ذلك القلق الذي قصده القاص من أجل ايصال صوته واضحاً ومندداً لحالة التشظي التي يعيشها المجتمع.
إن استخدام السيارة بالتحديد لم يكن اعتبطاً بل جاء مدروساً بطريقة فنية جمالية ،فالسيارة – كعنصر مدني حداثي – تتحول في هذا السياق من وسيلة نقل إلى فضاء مستقل، يتصرف بإرادة غامضة، وكأنها استرجعت وعياً خاصاً بها، منفصلاً عن صانعها أو مستخدمها. هذا الانزياح في الوظيفة يفتح باباً للتأويل، حيث يمكن فهمها بوصفها استعارة للذات المعاصرة التي تسير في دروب الحياة مدفوعة بقوى خفية، قد تكون التكنولوجيا، أو النظام، أو حتى أقدار لا مرئية.
النص العجائبي الذي يتشكل من هذه الظاهرة يعتمد على خلخلة منطق السرد اليومي، ويدفع القارئ إلى التشكيك في معايير الإدراك الحسي. فالعجيب هنا ليس في الحدث نفسه فحسب، بل في الصمت الذي يحيط به، في ردود أفعال الناس، في صدى الغموض أكثر من تفاصيله، كذلك يمكن اعتبار السيارة رمزاً لزمن يتحرك وحده، لا ينتظر أحداً، زمن ما بعد الإنسان، حيث تفقد الأشياء ارتباطها بوظائفها الأصلية وتكتسب هويات جديدة، تقود الإنسان لا العكس. هنا يتجلى الطابع “الما-بعد حداثي” في ثنايا المشهد، إذ تختلط الحقيقة بالوهم، وتتداخل الأصوات بين الواقعي والمُتخيّل، وتُستدعى الأسطورة في قلب المدينة الحديثة.
فالقاص هنا نهج اسلوباً خاصاً تبناه لعرض هذه الظاهرة، إذ نجده يتراوح بين السرد العجائبي والواقعي، كما نجده عند كافكا وماركيز، أو الاتجاه نحو الرمز الفلسفي الذي يعيد بناء الواقع على أسس غير مألوفة، في كلا الحالين، فإن حضور السيارة-الكيان يفتح إمكاناً لسرديات بديلة، تتحدى مركزية الإنسان، وتطرح سؤالاً وجودياً: هل ما نراه يتحرك هو الواقع أم المتخيل الذي يصل لدرجة العجائبية.
وفي موضع آخر يرسم لنا القاص صورة عجائبية للفضاء / البيت إذ جسده في تشكيل مغاير
” ظل يدور في بيته الذي صار يتخلى عن موجوداته وأثاثه ، ثم يتخلى عن سقفه وحيطانه” ( )
عندما نقف نتأمل هذا النص السهل الممتنع نجد القاص قد جسد تجسّد فكرة من الأدب العجائبي (أو الفانتازي الواقعي)، حيث يتم تجاوز حدود المنطق والواقع بطريقة تُدهش المتلقّي وتثير تساؤلاته. لنُحلّلها ضمن هذا الإطار ، فالشخص الذي يدور في بيته” هو مشهد طبيعي ومألوف، لكن سرعان ما تنقلب الواقعية إلى غرابة، فـ”البيت يتخلى عن موجوداته وأثاثه”، ثم يصل إلى الذروة حين “يتخلى عن سقفه وحيطانه”. هذا التدرّج في التحلل يخلق مفارقة، إذ أن البيت كيان جامد لا يُفترض أن “يتخلى” عن شيء، وكأن له إرادة.
فالعجائبية هنا ترمز إلى انهدام نفسي أو وجودي، وقد يكون البيت هنا مجازًا عن الذات أو الحياة، ومعنى أن “يتخلى عن موجوداته” هو تلاشي المعنى، الذكريات، الهوية. التخلي عن السقف والحيطان هو تفكك الأمان، الحماية، والكيان ذاته، وهناك دلالة على عجز الانسان عن الثبات أو الفهم، مقابل عالم يتفكك حوله بصمت، هذه الجدلية تزرع القلق، وهي سمة أساسية في العجائبي.
إن هذا النص يمزج بين بساطة العبارة وعمق الصورة العجائبية ليخلق عالمًا متآكلاً ينهار من حول الشخصية، في استعارة مشحونة بالقلق الوجودي والتفكك الداخلي، فالنص ليس فقط عجائبياً ، بل يخرج ليشمل الوجود والفلسفة، فالقاص يرينا كيف يمكن للبيت، كرمز للأمان، أن يتحول إلى فراغ يلفّ الذات.
الخاتمة
– سعى القاص في مجاميعه القصصية إلى استخلاص الصورة الفكرية الحيّة في معاناة معظم العراقيين تحت وطأة الحروب والحصار .
– وظّف القاص تلك الأماكن الرمزية العجائبية وربطها بالواقع المؤلم والصراع النفسي وايصال أفكاره إلى المتلقي
– تتسم معظم أعماله القصصية بالسرد العجائبي التي تتأصل في النصوص الأدبية والفنية بالقلق والخوف من المجهول
– إتسمت نصوصه القصصية أيضاً بالحيرة والارتباك لينقل لنا ذلك الصراع المتأزم بالبواعث النفسية المتردية التي رسمتها شرارة الحرب العراقية الإيرانية .
– جسّدت قصصه الكثير من المكونات الفكرية والسردية والدلالية في حزمة تأسيسية بأفق أبعاد غرائبية وعجائبية مارست على المتلقي كل قدراتها التشويقية بمراوغة سردية واضحة وجلية داخل المسار القصصي بما فيها من الارتياب والارتباك في المحيط الفكري العام .

المصادر والمراجع
أولاُ ـ المصادر
1. . أعراق ، عبد الأمير المجر ، قصص ، منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2021م : 9
2. ما لا يتبقى للنسيان، عبد الأمير المجر، مجموعة قصصية، دار الشؤون الثقافية العامة، ط1 ، 2015م : 93
ثانياًـ المراجع
1. أدب الفنتازيا (مدخل إلى الواقع) ت. ي. ابتر، تر: صبار السعدون، دار المألوف للترجمة والنشر، بغداد، 1989: 10.
2. بناء الشخصية في رواية نجمة أغسطس ، إبراهيم نصر الله ، مجلة اضاءات نقدية ، السنة الرابعة ، العدد 14 ،حزيران ،2014 م
3. التشخيص في الرواية العربية، محمد الباردي، حوليات الجامعة التونسية، تونس ع38، 1995
4. حركة الشخوص في شرق المتوسط، إبراهيم جنداري، الموقف الثقافي، بغداد، ع27، لسنة 2000: 85.
5. السرد الغرائبي والعجائبي، د.سناء شعلان، نادي الجسرة، قطر، 2007م
6. الشخصية الانثروبولوجية في رواية (مائة عام من العزلة :غابرييل غارسيا ماركيز ) انماطها ، مواصفاتها ، ابعادها
7. شعرية الرواية العربية، فوزي الزمرلي، مركز النشر الجامعي (د. طب)، جامعة منوبة، تونس 2002م
8. شعرية الرواية الفانتاستيكية ، شعيب حليفي ، المجلس الأعلى للثقافة الرباط ، ط1 ، 2009م.
9. العجائبية في الرواية العربية ( من عام 1970 الى عام 2000 ) ، فاطمة بدر حسين ،أطروحة دكتوراه جامعة بغداد، كلية التربية للبنات ، اشراف د.شجاع العاني ، 2003م
10. العجائبي في المخيال السردي في ألف ليلة وليلة ، سميرة بن جامع ، رسالة ماجستير جامعة الحاج الخضر ، كلية الآداب والعلوم الإنسانية ،اشراف د.صالح المباركية ،2010 :25
11. عجائبية النص فانتازيا الخطاب (قراءة في سرديات عراقية معاصرة )، اعداد وتقديم ومشاركة أ.د.غنام محمد خضر، منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، بغداد ، 2024م.
12. لحظة الأبدية ، سمير الحاج شاهين ، دراسة الزمان في ادب القرن العشرين ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ،بيروت ،ط1 ، 1980م
13. مدخل إلى الأدب العجائبي، تزفيتن تودوروف، ترجمة الصديق بوعلام، مراجعة ، محمد برادة، دار شرقيات، القاهرة، ط1، 1994
14. مشكلة المكان الفني ، يوري لوتمان ، تقديم وترجمة : سيزا قاسم ، مجلة عيون المقالات ، العدد 8 ، 1987 م.
15. معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة، سعيد علوش، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط1، 1985.
16. هوية العلامات (في العتبات وبناء التأويل)، شعيب حليفي، دار الثقافة، الدار البيضاء، ط1، 2005م.