” درجة اولى “

صورة الكاتب
بقلم: مجیدة محمدي
التاريخ: 26 فبراير 2026 عدد المشاهدات: 2659
” درجة اولى “

” درجة اولى “

يا أبي،
كنتُ تلكَ التي تُصافحُ الغيمَ
من فوقِ أسوارِ الدار،
أقفزُ من ضحكةٍ إلى ضحكة،
وأحسبُ السماءَ جارًا قريبًا
يُسلِّمُ عليَّ كلَّ مساء.
لم أعرفْ آنذاكَ
أنَّ للعلوِّ اسمًا آخرَ غيرَ اللعب،
ولا أنَّ للريحِ قلبًا
قد يُسقِطُ الفراشات.

كنتُ أرتقي الجدرانَ
كما ترتقي الأغنيةُ حنجرةَ أمٍّ،
خفيفةً ،
فلا تُمسكني الأرض
إلّا مجازًا.

يا أبي،
كيفَ تعلَّمتُ رهابَ الارتفاع
من درجةٍ واحدة
في سلّمِ منزلي؟
كيفَ صارَ العلوُّ
حافةً حادّةً
تُجرِّبُ عليَّ
قانونَ السقوط؟
أنا التي كنتُ أضحكَ
وأمدُّ يدي إلى الشمس،
صرتُ أعدُّ البلاطَ
وأُفاوضُ ظلّي
كي يسمحَ لي
بخطوةٍ أخرى…

يا أبي،
فتاتُكَ الصغيرةُ
تمشي الآنَ بعكّازين،
كأنَّ الأرضَ صارتْ
بحرًا متقلّبًا،
وكأنَّ قدميَّ
زورقانِ مكسورانِ
يتعلّمانِ من جديدٍ
فنَّ الطفو.

لم يعلّمني أحدٌ
أنَّ الخوف ليسَ من السماء،
بل من هشاشتِنا
حين نكتشفُ
أنَّ أجسادَنا
ليستْ سوى اغصانا صغيرة
قابلةٍ للانكسار.

يا أبي،
أذكرُ كيفَ كنتَ تقولُ ،
“السماءُ لا تُؤذِي من يُحبُّها”،
وأنا أحببتُها كثيرًا
حتى نسيتُ
أن أحبَّ الأرضَ بما يكفي.

الآنَ
أصعدُ الدرجةَ الأولى
كأنني أرتقي جبلًا
بلا دليل،
وأُمسكُ بالعكّازين
كما يُمسكُ الغريقُ
بفكرةِ النجاة.

لكنني، يا أبي،
ما زلتُ تلكَ التي تتسلّقُ،
غيرَ أنَّ التسلقَ
لم يعدْ إلى أعلى،
بل إلى الداخل،
إلى شجاعةٍ صغيرةٍ
تنبُتُ بينَ ضلعٍ وذكرى،
إلى يقينٍ خافتٍ
يقولُ لي
إنَّ الارتفاعَ الحقيقيَّ
ليسَ في الجدار،
ولا في السلّم،
بل في مواجهة خوفي
و الصعود
رغمَ العكّازين،
رغمَ الارتجاف،
رغمَ كلِّ ما انكسرَ في الطريق.

يا أبي،
فتاتُكَ الصغيرةُ
لم تكبرْ،
هي فقط
تعلّمتْ
أنَّ السماءَ
قد تُلامسُنا
حتى ونحنُ
على الدرجةِ الأولى…

عن الکاتب / الکاتبة

مجیدة محمدي
مجیدة محمدي
شاعرة وکاتبة / تونس

مقالات أخرى للكاتب

قلقُ الإسناد: جدليّةُ الذاتِ وسُلطةِ الخبر في أقاليم المبتدأ والخبر لـ كامل الدلفي

قلقُ الإسناد: جدليّةُ الذاتِ وسُلطةِ الخبر في أقاليم المبتدأ والخبر لـ كامل الدلفي

قلقُ الإسناد: جدليّةُ الذاتِ وسُلطةِ الخبر في أقاليم المبتدأ والخبر لـ كامل الدلفي | مجيدة…

صورة الكاتب مجیدة محمدي
27 فبراير 2026
اقرأ المزيد
قضية جيفري إبستين وصدمة المثقف الليبرالي العربي

قضية جيفري إبستين وصدمة المثقف الليبرالي العربي

قضية جيفري إبستين وصدمة المثقف الليبرالي العربي: قراءة في تفكك الرأسمال الرمزي للنموذج الغربي وأثره…

صورة الكاتب مجیدة محمدي
17 فبراير 2026
اقرأ المزيد
“تفاصيل صغيرة”

“تفاصيل صغيرة”

تفاصيل صغيرة فنجانُ قهوةٍ يقاومُ ارتعاشَ الصباح، دفءٌ داكن يتسلّلُ إلى الأصابع ويُقنعُ القلبَ أنّ…

صورة الكاتب مجیدة محمدي
27 يناير 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


” درجة اولى “

بقلم: مجیدة محمدي | التاريخ: 26 فبراير 2026

التصنيف: الشعر

” درجة اولى “

يا أبي،
كنتُ تلكَ التي تُصافحُ الغيمَ
من فوقِ أسوارِ الدار،
أقفزُ من ضحكةٍ إلى ضحكة،
وأحسبُ السماءَ جارًا قريبًا
يُسلِّمُ عليَّ كلَّ مساء.
لم أعرفْ آنذاكَ
أنَّ للعلوِّ اسمًا آخرَ غيرَ اللعب،
ولا أنَّ للريحِ قلبًا
قد يُسقِطُ الفراشات.

كنتُ أرتقي الجدرانَ
كما ترتقي الأغنيةُ حنجرةَ أمٍّ،
خفيفةً ،
فلا تُمسكني الأرض
إلّا مجازًا.

يا أبي،
كيفَ تعلَّمتُ رهابَ الارتفاع
من درجةٍ واحدة
في سلّمِ منزلي؟
كيفَ صارَ العلوُّ
حافةً حادّةً
تُجرِّبُ عليَّ
قانونَ السقوط؟
أنا التي كنتُ أضحكَ
وأمدُّ يدي إلى الشمس،
صرتُ أعدُّ البلاطَ
وأُفاوضُ ظلّي
كي يسمحَ لي
بخطوةٍ أخرى…

يا أبي،
فتاتُكَ الصغيرةُ
تمشي الآنَ بعكّازين،
كأنَّ الأرضَ صارتْ
بحرًا متقلّبًا،
وكأنَّ قدميَّ
زورقانِ مكسورانِ
يتعلّمانِ من جديدٍ
فنَّ الطفو.

لم يعلّمني أحدٌ
أنَّ الخوف ليسَ من السماء،
بل من هشاشتِنا
حين نكتشفُ
أنَّ أجسادَنا
ليستْ سوى اغصانا صغيرة
قابلةٍ للانكسار.

يا أبي،
أذكرُ كيفَ كنتَ تقولُ ،
“السماءُ لا تُؤذِي من يُحبُّها”،
وأنا أحببتُها كثيرًا
حتى نسيتُ
أن أحبَّ الأرضَ بما يكفي.

الآنَ
أصعدُ الدرجةَ الأولى
كأنني أرتقي جبلًا
بلا دليل،
وأُمسكُ بالعكّازين
كما يُمسكُ الغريقُ
بفكرةِ النجاة.

لكنني، يا أبي،
ما زلتُ تلكَ التي تتسلّقُ،
غيرَ أنَّ التسلقَ
لم يعدْ إلى أعلى،
بل إلى الداخل،
إلى شجاعةٍ صغيرةٍ
تنبُتُ بينَ ضلعٍ وذكرى،
إلى يقينٍ خافتٍ
يقولُ لي
إنَّ الارتفاعَ الحقيقيَّ
ليسَ في الجدار،
ولا في السلّم،
بل في مواجهة خوفي
و الصعود
رغمَ العكّازين،
رغمَ الارتجاف،
رغمَ كلِّ ما انكسرَ في الطريق.

يا أبي،
فتاتُكَ الصغيرةُ
لم تكبرْ،
هي فقط
تعلّمتْ
أنَّ السماءَ
قد تُلامسُنا
حتى ونحنُ
على الدرجةِ الأولى…