أنشودة المنفى والوتر الأخير

صورة الكاتب
بقلم: نبيل عبد الأمير الربيعي
التاريخ: 4 مارس 2026 عدد المشاهدات: 2155
أنشودة المنفى والوتر الأخير

أنشودة المنفى والوتر الأخير

ثمّة وجوهٌ حين تغيب، تبقى موسيقاها عالقةً في هواء الذاكرة. هكذا يعود إليّ اسم كوكب حمزة كلما عبرتُ منفىً أو استمعتُ إلى لحنٍ يشبه العراق وهو يبتسم بدمعة.
التقيتُه عام 2002م في معسكر اللجوء في جزيرة بورنهولم التابعة لمملكة الدنمارك. جاء يومها زائراً، وفاءً لأستاذه في معهد الفنون الجميلة إحسان أدهم، الذي كان يقيم هناك مع عائلته. لم تكن الزيارة مجرّد تحية أستاذٍ لتلميذه، بل كانت استعادةً لزمنٍ كامل من الفنّ والحلم. حمل عوده كما يحمل المرء جزءاً من روحه، وغنّى لنا. في تلك الأمسية، لم يكن المعسكر مكاناً للانتظار القلق، بل صار قاعةً صغيرة يرفرف فيها العراق بألحانه. وشارك الأستاذ إحسان أدهم بمعرضٍ للخط العربي، فامتزج الحرف بالنغمة، وكأن المنفى أراد أن يعتذر للحاضرين بجمالٍ مفاجئ.
عاد بي ذلك اللقاء إلى أواخر ستينيات القرن الماضي، إلى البدايات الأولى لذلك الشاب القادم من قضاء القاسم، المولود عام 1943م، الذي سيغدو لاحقاً أحد أبرز مجدّدي الموسيقى العراقية. بدأ هاوياً، ثم صار الاحتراف قدره. كان أول ألحانه عام 1967م أغنية (مرّ بيّه) للمطربة غادة سالم، لكن الانطلاقة الأوسع جاءت مع (يا نجمة) بصوت حسين نعمة؛ هناك أخذ اسمه يلمع كما يليق بكوكبٍ يشقّ سماء الأغنية العراقية.
لم يكن تجديده شكلياً، بل مساساً عميقاً ببنية اللحن وروحه. أدخل الفرح إلى الأغنية العراقية، لكنه فرحٌ مغموسٌ بالشجن، كأن النغمة تبتسم وفي عينيها دمعة. بحث دائماً عن المختلف في الشعر والصوت، فكان النقاد يصفونه بـ(مكتشف النجوم). تعاون مع أصواتٍ تركت أثرها الواضح، ومنح نصوصاً شعرية حياةً أخرى عبر اللحن. أغنيات مثل (هوى الناس) و(مكاتيب) و(بساتين والبنفسج) و(وينه يا المحبوب) لم تكن مجرد أغانٍ، بل صارت جزءاً من الذاكرة الجمعية لجيلٍ كامل.
في شبابه، لم يكن الفن منفصلاً عن الشأن العام. انخرط في النشاط الطلابي، واعتُقل في مطلع الستينيات، وهناك التقى لأول مرة بالشاعر مظفر النواب. كانت تلك المرحلة جزءاً من تكوينه الإنساني والفكري، مثلما كانت الموسيقى جزءاً من تكوينه الروحي. وحين شارك عام 1974م في احتفالية الذكرى الأربعين لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي قائداً لفرقة الشبيبة، كانت الأناشيد الوطنية والأممية تتصاعد بصوته وقيادته، فيما الوجوه تلمع بدموع الفرح. غير أن تلك اللحظة نفسها كانت بداية تضييقٍ ومراقبةٍ ستدفعه لاحقاً إلى الهجرة القسرية.
في المنفى، لم يخفت صوته. عمل في الدنمارك على الموسيقى التصويرية لأفلامٍ وثائقية وروائية، ونال الجائزة الذهبية عن موسيقى فيلم (صبرا وشاتيلا) للمخرج قاسم حول. كان يوسّع أفقه الموسيقي، حاملاً العراق معه، لا بوصفه جغرافيا فحسب، بل بوصفه نغمةً وهوية.
الغريب أنه كان يصف دخوله عالم التلحين بأنه (ورطة). كلمةٌ يقولها بابتسامةٍ ساخرة، كأن القدر أوقعه في شرك الجمال، فلم يستطع الفكاك. تلك (الورطة) بدأت عام 1967م بإلحاح زملائه المدرسين، لكنها سرعان ما صارت مشروع عمرٍ كامل، وذاكرة وطن.
في نيسان 2024م غادر عالمنا، ودُفن في تراب كوبنهاغن. انتهت الرحلة جسداً، لكن الإيقاع لم ينتهِ. بقيت ألحانه تمشي بيننا، تذكّرنا بأن الفنان قد يُغترب عن أرضه، لكن موسيقاه لا تُنفى. كان يحلم بسعادة الوطن والإنسان، وكان يرى أن اللحن قادرٌ على أن يرمّم ما تهدّه السياسة والحروب.
هكذا أستعيده اليوم: كوكباً لم ينطفئ، بل انتقل من سماءٍ إلى أخرى. وبين وترٍ وآخر، ما زال يعزف لنا فكرةً بسيطة وعميقة: أن الوطن يمكن أن يُحمل في عود، وأن الإنسان، مهما أثقلته المنافي، يستطيع أن يغنّي.

عن الکاتب / الکاتبة

نبيل عبد الأمير الربيعي
نبيل عبد الأمير الربيعي
كاتب .صحفي .مؤرخ / العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


أنشودة المنفى والوتر الأخير

بقلم: نبيل عبد الأمير الربيعي | التاريخ: 4 مارس 2026

التصنيف: الأدب

أنشودة المنفى والوتر الأخير

ثمّة وجوهٌ حين تغيب، تبقى موسيقاها عالقةً في هواء الذاكرة. هكذا يعود إليّ اسم كوكب حمزة كلما عبرتُ منفىً أو استمعتُ إلى لحنٍ يشبه العراق وهو يبتسم بدمعة.
التقيتُه عام 2002م في معسكر اللجوء في جزيرة بورنهولم التابعة لمملكة الدنمارك. جاء يومها زائراً، وفاءً لأستاذه في معهد الفنون الجميلة إحسان أدهم، الذي كان يقيم هناك مع عائلته. لم تكن الزيارة مجرّد تحية أستاذٍ لتلميذه، بل كانت استعادةً لزمنٍ كامل من الفنّ والحلم. حمل عوده كما يحمل المرء جزءاً من روحه، وغنّى لنا. في تلك الأمسية، لم يكن المعسكر مكاناً للانتظار القلق، بل صار قاعةً صغيرة يرفرف فيها العراق بألحانه. وشارك الأستاذ إحسان أدهم بمعرضٍ للخط العربي، فامتزج الحرف بالنغمة، وكأن المنفى أراد أن يعتذر للحاضرين بجمالٍ مفاجئ.
عاد بي ذلك اللقاء إلى أواخر ستينيات القرن الماضي، إلى البدايات الأولى لذلك الشاب القادم من قضاء القاسم، المولود عام 1943م، الذي سيغدو لاحقاً أحد أبرز مجدّدي الموسيقى العراقية. بدأ هاوياً، ثم صار الاحتراف قدره. كان أول ألحانه عام 1967م أغنية (مرّ بيّه) للمطربة غادة سالم، لكن الانطلاقة الأوسع جاءت مع (يا نجمة) بصوت حسين نعمة؛ هناك أخذ اسمه يلمع كما يليق بكوكبٍ يشقّ سماء الأغنية العراقية.
لم يكن تجديده شكلياً، بل مساساً عميقاً ببنية اللحن وروحه. أدخل الفرح إلى الأغنية العراقية، لكنه فرحٌ مغموسٌ بالشجن، كأن النغمة تبتسم وفي عينيها دمعة. بحث دائماً عن المختلف في الشعر والصوت، فكان النقاد يصفونه بـ(مكتشف النجوم). تعاون مع أصواتٍ تركت أثرها الواضح، ومنح نصوصاً شعرية حياةً أخرى عبر اللحن. أغنيات مثل (هوى الناس) و(مكاتيب) و(بساتين والبنفسج) و(وينه يا المحبوب) لم تكن مجرد أغانٍ، بل صارت جزءاً من الذاكرة الجمعية لجيلٍ كامل.
في شبابه، لم يكن الفن منفصلاً عن الشأن العام. انخرط في النشاط الطلابي، واعتُقل في مطلع الستينيات، وهناك التقى لأول مرة بالشاعر مظفر النواب. كانت تلك المرحلة جزءاً من تكوينه الإنساني والفكري، مثلما كانت الموسيقى جزءاً من تكوينه الروحي. وحين شارك عام 1974م في احتفالية الذكرى الأربعين لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي قائداً لفرقة الشبيبة، كانت الأناشيد الوطنية والأممية تتصاعد بصوته وقيادته، فيما الوجوه تلمع بدموع الفرح. غير أن تلك اللحظة نفسها كانت بداية تضييقٍ ومراقبةٍ ستدفعه لاحقاً إلى الهجرة القسرية.
في المنفى، لم يخفت صوته. عمل في الدنمارك على الموسيقى التصويرية لأفلامٍ وثائقية وروائية، ونال الجائزة الذهبية عن موسيقى فيلم (صبرا وشاتيلا) للمخرج قاسم حول. كان يوسّع أفقه الموسيقي، حاملاً العراق معه، لا بوصفه جغرافيا فحسب، بل بوصفه نغمةً وهوية.
الغريب أنه كان يصف دخوله عالم التلحين بأنه (ورطة). كلمةٌ يقولها بابتسامةٍ ساخرة، كأن القدر أوقعه في شرك الجمال، فلم يستطع الفكاك. تلك (الورطة) بدأت عام 1967م بإلحاح زملائه المدرسين، لكنها سرعان ما صارت مشروع عمرٍ كامل، وذاكرة وطن.
في نيسان 2024م غادر عالمنا، ودُفن في تراب كوبنهاغن. انتهت الرحلة جسداً، لكن الإيقاع لم ينتهِ. بقيت ألحانه تمشي بيننا، تذكّرنا بأن الفنان قد يُغترب عن أرضه، لكن موسيقاه لا تُنفى. كان يحلم بسعادة الوطن والإنسان، وكان يرى أن اللحن قادرٌ على أن يرمّم ما تهدّه السياسة والحروب.
هكذا أستعيده اليوم: كوكباً لم ينطفئ، بل انتقل من سماءٍ إلى أخرى. وبين وترٍ وآخر، ما زال يعزف لنا فكرةً بسيطة وعميقة: أن الوطن يمكن أن يُحمل في عود، وأن الإنسان، مهما أثقلته المنافي، يستطيع أن يغنّي.