حين تقصف الحضارة: أصفهان تحت نيران الذاكرة المستهدفة

صورة الكاتب
بقلم: حمدي العطار
التاريخ: 29 مارس 2026 عدد المشاهدات: 3275
حين تقصف الحضارة: أصفهان تحت نيران الذاكرة المستهدفة

حين تقصف الحضارة: أصفهان تحت نيران الذاكرة المستهدفة

المقدمة:
ليست الحروب مجرد صراع على الأرض، بل هي – في أكثر صورها وحشية – اعتداء على الذاكرة الإنسانية ومحاولة لاقتلاع الجذور الحضارية من عمق التاريخ. وما يجري اليوم من استهداف للمواقع الأثرية في إيران يكشف أن النار لم تعد تميز بين إنسان وحجر، بل تسعى لطمس المعنى ذاته.
*إصابة قلب التاريخ
في الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، لم تكن الصواريخ تبحث عن أهداف عسكرية فقط، بل امتدت بوحشيتها لتصيب قلب التاريخ. فقد تضرر نحو ثلاثين موقعًا أثريا في طهران، فيما طالت النيران مدينة أصفهان، حيث أصيبت ساحة “نقش جهان” – إحدى أعظم الشواهد المعمارية في العالم – في مشهد يكشف استخفافا صارخا بإرث الإنسانية.
هذا الصمت الدولي المريب لا يقل فداحة عن القصف نفسه، فحين تدمر الحضارات أمام أعين العالم، ولا يسمع سوى بيانات باهتة، فإن الجريمة تتحول إلى فعل شبه مشروع.
أصفهان التي عرفتها ليست مدينة عابرة في الجغرافيا، بل زمن متراكم من الجمال. مدينة صاغتها دول وتعاقبت عليها حضارات، حتى بلغت ذروتها في العهد الصفوي، حين أراد الشاه عباس أن يجعل منها عاصمة تليق بالإمبراطورية، فحولها إلى تحفة مفتوحة.
في ميدان “نقش جهان” – أو “ميدان الإمام” – تتجسد عبقرية المكان؛ مساجد شاهقة، قصور تنطق بالفخامة، وأسواق تضج بالحياة. هناك، لا ترى حجارة صامتة، بل تاريخا يتنفس. قصر “عالي قابو” يقف شاهدا على سلطة كانت تدار من شرفاته، وجامع الإمام يختزن في قبابه وزخارفه ذروة الفن الإسلامي، فيما يتلألأ مسجد الشيخ لطف الله كجوهرة معمارية نادرة.
لكن كل هذا الجمال يبدو اليوم مهددا، وكأن الحروب الحديثة لم تكتفِ بقتل الحاضر، بل قررت الانتقام من الماضي أيضًا.
لقد أثبتت تجربة تدخل منظمة اليونسكو في مراحل سابقة أن حماية التراث ممكنة حين تتوفر الإرادة، إذ اعتبرت آثار أصفهان ملكا للإنسانية جمعاء. غير أن ما يحدث اليوم يعيدنا إلى نقطة الصفر، حيث تترك المدن العريقة لمصيرها تحت القصف.
وإذا كانت إيران قد نجحت يوما في تحصين جزء من ذاكرتها، فإن العراق يقدم المثال الأكثر مرارة، حين تركت آثاره نهبا للسرقة والتدمير بعد الاحتلال، وسط تواطؤ وصمت دولي فج، كأن تاريخ وادي الرافدين لا يستحق الحماية.
*الخاتمة:
حين تقصف أصفهان، لا تسقط جدران فحسب، بل يسقط معها جزء من ذاكرة العالم. وحين يلوذ العالم بالصمت، فإنه لا يخذل مدينة واحدة، بل يعلن إفلاسه الأخلاقي. فالتاريخ الذي لا نحميه اليوم، سنبحث عنه غدا في كتب تروي كيف كنا شهودا على جريمة… ولم نفعل شيئًا.

عن الکاتب / الکاتبة

حمدي العطار
حمدي العطار
کاتب وناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

أصفهان… حيث يتعانق الفن مع الضمير الإنساني

أصفهان… حيث يتعانق الفن مع الضمير الإنساني

أصفهان… حيث يتعانق الفن مع الضمير الإنساني مقدمة: في قلب أصفهان، المدينة التي تلقب بنصف…

صورة الكاتب حمدي العطار
4 أبريل 2026
اقرأ المزيد
حين تقصف الذاكرة: قصر جولستان بين نار الحرب وازدواجية التاريخ

حين تقصف الذاكرة: قصر جولستان بين نار الحرب وازدواجية التاريخ

حين تقصف الذاكرة: قصر جولستان بين نار الحرب وازدواجية التاريخ مقدمة في الحروب لا تسقط…

صورة الكاتب حمدي العطار
1 أبريل 2026
اقرأ المزيد
أدب الرحلات… بين الوثيقة والإبداع اتحاد الأدباء يحتفي بجماليات السرد الرحلي وتقاطعاته مع الاجناس الادبية

أدب الرحلات… بين الوثيقة والإبداع اتحاد الأدباء يحتفي بجماليات السرد الرحلي وتقاطعاته مع الاجناس الادبية

أدب الرحلة في الاتحاد العام للأدباء والكتاب أدب الرحلات… بين الوثيقة والإبداع اتحاد الأدباء يحتفي…

صورة الكاتب حمدي العطار
31 مارس 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


حين تقصف الحضارة: أصفهان تحت نيران الذاكرة المستهدفة

بقلم: حمدي العطار | التاريخ: 29 مارس 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

حين تقصف الحضارة: أصفهان تحت نيران الذاكرة المستهدفة

المقدمة:
ليست الحروب مجرد صراع على الأرض، بل هي – في أكثر صورها وحشية – اعتداء على الذاكرة الإنسانية ومحاولة لاقتلاع الجذور الحضارية من عمق التاريخ. وما يجري اليوم من استهداف للمواقع الأثرية في إيران يكشف أن النار لم تعد تميز بين إنسان وحجر، بل تسعى لطمس المعنى ذاته.
*إصابة قلب التاريخ
في الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، لم تكن الصواريخ تبحث عن أهداف عسكرية فقط، بل امتدت بوحشيتها لتصيب قلب التاريخ. فقد تضرر نحو ثلاثين موقعًا أثريا في طهران، فيما طالت النيران مدينة أصفهان، حيث أصيبت ساحة “نقش جهان” – إحدى أعظم الشواهد المعمارية في العالم – في مشهد يكشف استخفافا صارخا بإرث الإنسانية.
هذا الصمت الدولي المريب لا يقل فداحة عن القصف نفسه، فحين تدمر الحضارات أمام أعين العالم، ولا يسمع سوى بيانات باهتة، فإن الجريمة تتحول إلى فعل شبه مشروع.
أصفهان التي عرفتها ليست مدينة عابرة في الجغرافيا، بل زمن متراكم من الجمال. مدينة صاغتها دول وتعاقبت عليها حضارات، حتى بلغت ذروتها في العهد الصفوي، حين أراد الشاه عباس أن يجعل منها عاصمة تليق بالإمبراطورية، فحولها إلى تحفة مفتوحة.
في ميدان “نقش جهان” – أو “ميدان الإمام” – تتجسد عبقرية المكان؛ مساجد شاهقة، قصور تنطق بالفخامة، وأسواق تضج بالحياة. هناك، لا ترى حجارة صامتة، بل تاريخا يتنفس. قصر “عالي قابو” يقف شاهدا على سلطة كانت تدار من شرفاته، وجامع الإمام يختزن في قبابه وزخارفه ذروة الفن الإسلامي، فيما يتلألأ مسجد الشيخ لطف الله كجوهرة معمارية نادرة.
لكن كل هذا الجمال يبدو اليوم مهددا، وكأن الحروب الحديثة لم تكتفِ بقتل الحاضر، بل قررت الانتقام من الماضي أيضًا.
لقد أثبتت تجربة تدخل منظمة اليونسكو في مراحل سابقة أن حماية التراث ممكنة حين تتوفر الإرادة، إذ اعتبرت آثار أصفهان ملكا للإنسانية جمعاء. غير أن ما يحدث اليوم يعيدنا إلى نقطة الصفر، حيث تترك المدن العريقة لمصيرها تحت القصف.
وإذا كانت إيران قد نجحت يوما في تحصين جزء من ذاكرتها، فإن العراق يقدم المثال الأكثر مرارة، حين تركت آثاره نهبا للسرقة والتدمير بعد الاحتلال، وسط تواطؤ وصمت دولي فج، كأن تاريخ وادي الرافدين لا يستحق الحماية.
*الخاتمة:
حين تقصف أصفهان، لا تسقط جدران فحسب، بل يسقط معها جزء من ذاكرة العالم. وحين يلوذ العالم بالصمت، فإنه لا يخذل مدينة واحدة، بل يعلن إفلاسه الأخلاقي. فالتاريخ الذي لا نحميه اليوم، سنبحث عنه غدا في كتب تروي كيف كنا شهودا على جريمة… ولم نفعل شيئًا.