“إطلالة من نافذة العدل” قراءة نقدية لقصيدة الشاعر باقر طه الموسوي

صورة الكاتب
بقلم: ماجد القيسي
التاريخ: 14 أبريل 2026 عدد المشاهدات: 3451
“إطلالة من نافذة العدل” قراءة نقدية لقصيدة الشاعر باقر طه الموسوي

إلى أعظمِ العظماء علي بن أبي طالب عليه السلام
يا من علمت الدنيا أنَّ العدلَ عبادة، وأنَّ الإنسانَ يُقاسُ بصدقِه لا بقوّتِه، وأنَّ الحقَّ يبقى وإن طالَ به الطريق

إطلالة من نافذة العدل

قالوا:
إنَّ العشقَ نارٌ
تترك في القلبِ أثرَها
كَهَمْسٍ أَبَدِيٍّ بَيْنَ أَوْرِدَةِ الرُّوحِ.
لكنني أبصرتُ عليّاً
يَنْهَضُ مِن صَمْتِ الدُّهُورِ،
مُتَحَلِّيًا بِوَقَارِ الْعَدَالَةِ،
يَحْمِلُ فِي كَفَّيْهِ
قُوتَ الْفُقَرَاءِ،
وَكَأَنَّ ذَا الْفَقَارِ
بَرْقُ إِنْصَافٍ
يَتَلَأْلَأُ بَيْنَ أَصَابِعِ الْحَقِّ
حِينَ تُوصَدُ السُّبُلُ دُونِي،
وَتَكِلُّ خُطَايَ تَحْتَ وِزْرِ العصور
وَيَشْتَدُّ عَلَيَّ لَيْلُ التِّيهِ،
يَنْهَضُ فِي سَرِيرَتِي
كَحِكْمَةٍ عَلَوِيَّةٍ سَامِقَةٍ،
تُفِيضُ فِي الْوِجْدَانِ
سَكِينَةً وَهَيْبَةً وَسَنَاءً.
أَتَّبِعُ صَوْتَهُ
كَمَا يَتَّبِعُ الْفَجْرُ مِيثَاقَ الشَّمْسِ.
يَا عَلِيُّ…
أَيُّ سِرٍّ أَوْدَعَهُ اللَّهُ فِي اسْمِكَ
حَتَّى تَنْتَفِضَ الْقُلُوبُ
كُلَّمَا اهْتَاجَ بِهِ النِّدَاءُ؟
كُلُّ لَيْلٍ أَحَاطَ بِصَمِيمِ كِيَانِي
اسْتَشْرَقَ اسْمُكَ،
رَايَةُ حَقٍّ رَاسِخَةٌ،
لَا تَزَالُ ثَابِتَةً أَمَامَ رِيَاحِ الْفِتَنِ.
اسْمُكَ…
لَيْسَ لَفْظاً عَابِراً،
بَلْ دَرْبُ سِرَاجٍ مَوْصُولٍ،
إِذَا تَاهَتِ الْأَرْوَاحُ
آوَتْ إِلَى مَدَاهُ
فَاغْتَسَلَتْ بِخُلُودِ إِشْرَاقِهِ.
وَفِي قَلْبِي
مِحْرَابٌ وَمَعْبَدٌ،
تَسْجُدُ فِيهِ نَبَضَاتِي
وَتَشْهَدُ
أَنَّكَ وَلِيُّ اللَّهِ الْأَوْحَدُ،
وَتَشْهَدُ بِالْوَلَاءِ
حَتَّى قِيَامِ السَّاعَةِ
لِلَّذِينَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ.

باقر طه الموسوي
“”””””””””””””””””

بين يدي نص للشاعر باقر طه الموسوي، وجدتني لا أقرأ مجرد قصيدة، بل أستمع إلى تنهيدة طويلة تمتد من أوجاع الحاضر لترتمي في أحضان التاريخ، وتحديداً عند تلك القامة التي لم تكن يوماً مجرد حاكم أو محارب، بل كانت “فكرة” بحد ذاتها.

في “إطلالة من نافذة العدل”، يخرج الإمام علي (عليه السلام) من بطون الكتب والخطب ليصبح حالة وجدانية تسكن عروق الشاعر. ما استوقفني حقاً هو هذا الربط العفوي بين “العشق” كحالة احتراق داخلي، وبين “العدالة” كفعل خارجي ملموس. الشاعر هنا لا يتغنى ببطولات أسطورية، بل يرى علياً في “قوت الفقراء” وفي “برق الإنصاف”. هل رأيتم يوماً كيف يمكن لسيف (ذو الفقار) أن يتحول في مخيلة إنسان إلى “أصابع حق” تداوي جراح المتعبيين؟ هذا هو الانتقال الذي نجح الموسوي في تجسيده؛ أن يجعل من الرمز الديني ملاذاً نفسياً.

حين يقول: “تكلُّ خطاي تحت وزر العصور”، شعرتُ بصدق الهزيمة الإنسانية التي نعيشها جميعاً. نحن جيل مثقل بالخيبات، نبحث في عتمة “ليل التيه” عن ضوء لا ينطفئ. والشاعر هنا لا يقدّم حلاً سحرياً، بل يقدّم “حكمة علوية” تنساب في الوجدان. الحقيقة أنني أتساءل أحياناً: لماذا يظل اسم “علي” بالذات قادراً على إثارة هذا الضجيج الجميل في القلوب؟ ربما لأننا في زمن تاهت فيه المعايير، نحتاج إلى “راية حق راسخة” لا تهزها رياح الفتن، تماماً كما وصفها النص.

أعجبني جداً ابتعاد الشاعر عن التقريرية المباشرة؛ فهو يرى في الاسم “درب سراج موصول”، وليس مجرد لفظ ينطق. ثمة مسحة من التصوف العاطفي هنا، تتجلى في تحويل القلب إلى “محراب ومعبد”. هذا الولاء الذي ينتهي بالاستناد إلى آية التصدق بالخاتم، ليس مجرد استحضار لواقعة تاريخية، بل هو إعلان موقف: انحيازي هو للذين يعطون وهم في قمة انكسارهم (الركوع).

الكتابة هنا تشبه المشي في زقاق قديم، تشم فيه رائحة الخبز والعدل، وتسمع فيه صوت وقع أقدام رجل كان يحمل جراحه وجراب خبزه في آن واحد. الموسوي كتب بضمير الإنسان القلق الذي وجد سكينته أخيراً، ولم يكتب بلسان المؤرخ الجاف. إنها تجربة في “العشق الواعي” الذي يرى في المحبوب منهجاً للحياة، لا مجرد ذكرى للعزاء. وبصراحة، في عالم يزداد قسوة يوماً بعد يوم، نحن بأمس الحاجة إلى هذه النافذة، لعلنا نلمح منها ولو طيفاً من ذاك الإنصاف الغائب.

عن الکاتب / الکاتبة

ماجد القيسي
ماجد القيسي
ناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


“إطلالة من نافذة العدل” قراءة نقدية لقصيدة الشاعر باقر طه الموسوي

بقلم: ماجد القيسي | التاريخ: 14 أبريل 2026

التصنيف: الأدب

إلى أعظمِ العظماء علي بن أبي طالب عليه السلام
يا من علمت الدنيا أنَّ العدلَ عبادة، وأنَّ الإنسانَ يُقاسُ بصدقِه لا بقوّتِه، وأنَّ الحقَّ يبقى وإن طالَ به الطريق

إطلالة من نافذة العدل

قالوا:
إنَّ العشقَ نارٌ
تترك في القلبِ أثرَها
كَهَمْسٍ أَبَدِيٍّ بَيْنَ أَوْرِدَةِ الرُّوحِ.
لكنني أبصرتُ عليّاً
يَنْهَضُ مِن صَمْتِ الدُّهُورِ،
مُتَحَلِّيًا بِوَقَارِ الْعَدَالَةِ،
يَحْمِلُ فِي كَفَّيْهِ
قُوتَ الْفُقَرَاءِ،
وَكَأَنَّ ذَا الْفَقَارِ
بَرْقُ إِنْصَافٍ
يَتَلَأْلَأُ بَيْنَ أَصَابِعِ الْحَقِّ
حِينَ تُوصَدُ السُّبُلُ دُونِي،
وَتَكِلُّ خُطَايَ تَحْتَ وِزْرِ العصور
وَيَشْتَدُّ عَلَيَّ لَيْلُ التِّيهِ،
يَنْهَضُ فِي سَرِيرَتِي
كَحِكْمَةٍ عَلَوِيَّةٍ سَامِقَةٍ،
تُفِيضُ فِي الْوِجْدَانِ
سَكِينَةً وَهَيْبَةً وَسَنَاءً.
أَتَّبِعُ صَوْتَهُ
كَمَا يَتَّبِعُ الْفَجْرُ مِيثَاقَ الشَّمْسِ.
يَا عَلِيُّ…
أَيُّ سِرٍّ أَوْدَعَهُ اللَّهُ فِي اسْمِكَ
حَتَّى تَنْتَفِضَ الْقُلُوبُ
كُلَّمَا اهْتَاجَ بِهِ النِّدَاءُ؟
كُلُّ لَيْلٍ أَحَاطَ بِصَمِيمِ كِيَانِي
اسْتَشْرَقَ اسْمُكَ،
رَايَةُ حَقٍّ رَاسِخَةٌ،
لَا تَزَالُ ثَابِتَةً أَمَامَ رِيَاحِ الْفِتَنِ.
اسْمُكَ…
لَيْسَ لَفْظاً عَابِراً،
بَلْ دَرْبُ سِرَاجٍ مَوْصُولٍ،
إِذَا تَاهَتِ الْأَرْوَاحُ
آوَتْ إِلَى مَدَاهُ
فَاغْتَسَلَتْ بِخُلُودِ إِشْرَاقِهِ.
وَفِي قَلْبِي
مِحْرَابٌ وَمَعْبَدٌ،
تَسْجُدُ فِيهِ نَبَضَاتِي
وَتَشْهَدُ
أَنَّكَ وَلِيُّ اللَّهِ الْأَوْحَدُ،
وَتَشْهَدُ بِالْوَلَاءِ
حَتَّى قِيَامِ السَّاعَةِ
لِلَّذِينَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ.

باقر طه الموسوي
“”””””””””””””””””

بين يدي نص للشاعر باقر طه الموسوي، وجدتني لا أقرأ مجرد قصيدة، بل أستمع إلى تنهيدة طويلة تمتد من أوجاع الحاضر لترتمي في أحضان التاريخ، وتحديداً عند تلك القامة التي لم تكن يوماً مجرد حاكم أو محارب، بل كانت “فكرة” بحد ذاتها.

في “إطلالة من نافذة العدل”، يخرج الإمام علي (عليه السلام) من بطون الكتب والخطب ليصبح حالة وجدانية تسكن عروق الشاعر. ما استوقفني حقاً هو هذا الربط العفوي بين “العشق” كحالة احتراق داخلي، وبين “العدالة” كفعل خارجي ملموس. الشاعر هنا لا يتغنى ببطولات أسطورية، بل يرى علياً في “قوت الفقراء” وفي “برق الإنصاف”. هل رأيتم يوماً كيف يمكن لسيف (ذو الفقار) أن يتحول في مخيلة إنسان إلى “أصابع حق” تداوي جراح المتعبيين؟ هذا هو الانتقال الذي نجح الموسوي في تجسيده؛ أن يجعل من الرمز الديني ملاذاً نفسياً.

حين يقول: “تكلُّ خطاي تحت وزر العصور”، شعرتُ بصدق الهزيمة الإنسانية التي نعيشها جميعاً. نحن جيل مثقل بالخيبات، نبحث في عتمة “ليل التيه” عن ضوء لا ينطفئ. والشاعر هنا لا يقدّم حلاً سحرياً، بل يقدّم “حكمة علوية” تنساب في الوجدان. الحقيقة أنني أتساءل أحياناً: لماذا يظل اسم “علي” بالذات قادراً على إثارة هذا الضجيج الجميل في القلوب؟ ربما لأننا في زمن تاهت فيه المعايير، نحتاج إلى “راية حق راسخة” لا تهزها رياح الفتن، تماماً كما وصفها النص.

أعجبني جداً ابتعاد الشاعر عن التقريرية المباشرة؛ فهو يرى في الاسم “درب سراج موصول”، وليس مجرد لفظ ينطق. ثمة مسحة من التصوف العاطفي هنا، تتجلى في تحويل القلب إلى “محراب ومعبد”. هذا الولاء الذي ينتهي بالاستناد إلى آية التصدق بالخاتم، ليس مجرد استحضار لواقعة تاريخية، بل هو إعلان موقف: انحيازي هو للذين يعطون وهم في قمة انكسارهم (الركوع).

الكتابة هنا تشبه المشي في زقاق قديم، تشم فيه رائحة الخبز والعدل، وتسمع فيه صوت وقع أقدام رجل كان يحمل جراحه وجراب خبزه في آن واحد. الموسوي كتب بضمير الإنسان القلق الذي وجد سكينته أخيراً، ولم يكتب بلسان المؤرخ الجاف. إنها تجربة في “العشق الواعي” الذي يرى في المحبوب منهجاً للحياة، لا مجرد ذكرى للعزاء. وبصراحة، في عالم يزداد قسوة يوماً بعد يوم، نحن بأمس الحاجة إلى هذه النافذة، لعلنا نلمح منها ولو طيفاً من ذاك الإنصاف الغائب.