القصيدة سلطة قول تكنس الخريف السياسي

صورة الكاتب
بقلم: د. عبد القادر بشير
التاريخ: 15 أبريل 2026 عدد المشاهدات: 1545
القصيدة سلطة قول تكنس الخريف السياسي

القصيدة سلطة قول تكنس الخريف السياسي

القصيدة لاتقرأ فقط ؛ هذه العبارة الفضفاضة تختزل مأزق الشعر حين يعامل كزينة لفظية ؛ او ترف لغوي في المناسبات ثم يطوى ؛ القصيدة في جوهرها الاول محكمة ..
حين يكتب الشاعر بيته ؛ فهو لايصف واقعة عابرة ؛ بل يستدعي التأريخ كله ؛ ليجلس في قفص الشهادة ؛ وفي هذه المحكمة لايوجود محامون يراوغون ؛ ولاقضاة يشترون ؛ هناك فقط (( القول الفصل )) يقف شاهدا لايزور ؛ اما الشاهد هنا (( اللغة )) حين تتحرر من أملاءات السلطة ؛ وتصبح أمينة على الحقيقة ..
ان التأريخ الرسمي تكتبه الاقلام المأجورة ؛ وتمحوه الايدي القوية ؛ اما التأريخ الذي تكتبه القصيدة فهو تأريخ الضمير الجمعي ؛ تأريخ الضحايا الذين لم يجدوا سجلا الا صدر شاعر ؛ لهذا بقيت معلقة قيس بن زهير شاهدة على حرب ( داحس والغبراء ) ؛ وبقي المتنبي شاهدا على فساد ( بلاط كافور الاخشبيدي) ؛ وبقي الجواهري شاهدا على خيانات الساسة …
القول في القصيدة لايقبل الرشوة ؛ لانه مولود من وجع صادق ؛ السياسي يصنع الخطب الرنانة ؛ ويلبس الهزيمة ثوب النصر ؛ يصنع من الأوهام واقعا ؛ ومن الفساد انجازا ؛ كما نراه اليوم في تجربة ترامب السياسية ؛ هنا تأتي القصيدة برياحها الهوجاء ؛ هي لاتجادل الزيف بالمنطق البارد ؛ بل تكنسه ؛ كما تكنس الريح أوراق الخريف اليابسة ؛ والتي تمثل وعود الساسة ؛ صفراء ميتة تتساقط مع أول اختبار ؛ القصيدة هي تلك الريح التي لا تستأذن ؛ تهب فجأة ؛ تعري الاغصان ؛ وتكشف هشاشة الجذع ؛ هنا نقف اجلالا امام مظهر النواب حين كتب (( القدس عروس عروبتكم )) سنة 1978 اثناء القمة العربية في بغداد في حينه لم يكن شعرا ؛ بل كان يكنس عقودا من الخطب الخشبية عن الطاولات الزيف السياسي الذي يحتاج الى لغة ناعمة لتستره ؛ اما القصيدة فهي لغة خشنة تفضحه ؛ لذلك تخاف السلطة من بيت شعر ؛ أكثر من خوفها من مقال تحليلي ؛ لان المقال يخاطب العقول ؛ اما القصيدة فتوقظ الضمير ..
القصيدة ليست ترفا ؛ هي ذاكرة الشعوب حين تصاب الأنظمة بالزهايمر الاخلاقي ؛ هي المحكمة التي لاتؤجل جلساتها ؛ والمكنسة التي لاتكل ؛ واذا رأيت الساسة يرتعدون من قصيدة ؛ فأعلم ان فيها قولا وقف شاهدا لايزور ؛ فلنحفظ درس الحسين عليه السلام في قلوبنا ؛ ولنكن الشاهد الذي لايزور في محكمة الضمير… وختامه مسك ..

عن الکاتب / الکاتبة

د. عبد القادر بشير
د. عبد القادر بشير
كاتب وصحافي/ العراق

مقالات أخرى للكاتب

فوضى الاعلام لصناعة المستمع الصامت

فوضى الاعلام لصناعة المستمع الصامت

فوضى الاعلام لصناعة المستمع الصامت   المستمع الصامت هو مصطلح يستخدم لوصف الاشخاص الذين يتابعون…

صورة الكاتب د. عبد القادر بشير
25 مارس 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


القصيدة سلطة قول تكنس الخريف السياسي

بقلم: د. عبد القادر بشير | التاريخ: 15 أبريل 2026

التصنيف: الأدب

القصيدة سلطة قول تكنس الخريف السياسي

القصيدة لاتقرأ فقط ؛ هذه العبارة الفضفاضة تختزل مأزق الشعر حين يعامل كزينة لفظية ؛ او ترف لغوي في المناسبات ثم يطوى ؛ القصيدة في جوهرها الاول محكمة ..
حين يكتب الشاعر بيته ؛ فهو لايصف واقعة عابرة ؛ بل يستدعي التأريخ كله ؛ ليجلس في قفص الشهادة ؛ وفي هذه المحكمة لايوجود محامون يراوغون ؛ ولاقضاة يشترون ؛ هناك فقط (( القول الفصل )) يقف شاهدا لايزور ؛ اما الشاهد هنا (( اللغة )) حين تتحرر من أملاءات السلطة ؛ وتصبح أمينة على الحقيقة ..
ان التأريخ الرسمي تكتبه الاقلام المأجورة ؛ وتمحوه الايدي القوية ؛ اما التأريخ الذي تكتبه القصيدة فهو تأريخ الضمير الجمعي ؛ تأريخ الضحايا الذين لم يجدوا سجلا الا صدر شاعر ؛ لهذا بقيت معلقة قيس بن زهير شاهدة على حرب ( داحس والغبراء ) ؛ وبقي المتنبي شاهدا على فساد ( بلاط كافور الاخشبيدي) ؛ وبقي الجواهري شاهدا على خيانات الساسة …
القول في القصيدة لايقبل الرشوة ؛ لانه مولود من وجع صادق ؛ السياسي يصنع الخطب الرنانة ؛ ويلبس الهزيمة ثوب النصر ؛ يصنع من الأوهام واقعا ؛ ومن الفساد انجازا ؛ كما نراه اليوم في تجربة ترامب السياسية ؛ هنا تأتي القصيدة برياحها الهوجاء ؛ هي لاتجادل الزيف بالمنطق البارد ؛ بل تكنسه ؛ كما تكنس الريح أوراق الخريف اليابسة ؛ والتي تمثل وعود الساسة ؛ صفراء ميتة تتساقط مع أول اختبار ؛ القصيدة هي تلك الريح التي لا تستأذن ؛ تهب فجأة ؛ تعري الاغصان ؛ وتكشف هشاشة الجذع ؛ هنا نقف اجلالا امام مظهر النواب حين كتب (( القدس عروس عروبتكم )) سنة 1978 اثناء القمة العربية في بغداد في حينه لم يكن شعرا ؛ بل كان يكنس عقودا من الخطب الخشبية عن الطاولات الزيف السياسي الذي يحتاج الى لغة ناعمة لتستره ؛ اما القصيدة فهي لغة خشنة تفضحه ؛ لذلك تخاف السلطة من بيت شعر ؛ أكثر من خوفها من مقال تحليلي ؛ لان المقال يخاطب العقول ؛ اما القصيدة فتوقظ الضمير ..
القصيدة ليست ترفا ؛ هي ذاكرة الشعوب حين تصاب الأنظمة بالزهايمر الاخلاقي ؛ هي المحكمة التي لاتؤجل جلساتها ؛ والمكنسة التي لاتكل ؛ واذا رأيت الساسة يرتعدون من قصيدة ؛ فأعلم ان فيها قولا وقف شاهدا لايزور ؛ فلنحفظ درس الحسين عليه السلام في قلوبنا ؛ ولنكن الشاهد الذي لايزور في محكمة الضمير… وختامه مسك ..