رحلات أوديسيوس
أجمعُ فتاتَ قلبي
أدفنها بعميقِ خلجاتي
أُصارعُ المنفى
أتّقدُ نيرانًا كمصنعِ الكبريت
أحترقُ كفوهةِ بركانٍ
أضيعُ في متاهاتِ الحياةِ العاقرةِ
يدوّي في مسمعي صوتُ أجراسِ الكنائسِ
وتدمعُ عيناي لذكرى الشهيد
مفارقاتُ الزمانِ متقلّبةُ الأراجيحِ
كثرةُ البحثِ عن موانئِ السعادةِ بدلَ التعاسةِ
هلاكٌ عارمٌ يستوطنُ عمقَ صدري
غربةٌ عاريةٌ تتوشّحُ يوميّاتي المكتئبة
أجوبُ العوالمَ كأنّي سائحةٌ ماهرةٌ
لا تملّ بسهولةٍ من كثرةِ التصدّعات
والتعقيداتِ والأسفارِ والمضايقات
أستكشفُ الخبايا في دياجيرِ هذا الزمان
أرمقُ نظراتٍ بعيدةً غريبةً عن هذا الكوكب
أسيرُ بضعَ خطواتٍ
علّي أصلُ لساحلِ البحرِ
أمارسُ طقوسيَ البريئةَ
كما كنتُ صغيرةً بعمرِ الزهرةِ
أستمعُ لرشقاتِ الموجِ البليغةِ
أتصالحُ معهُ وأكونُ رفيقةً ودودةً
أداعبُ المياهَ، أتحسّسُ رطوبتها الباردةَ والمتجمّدةَ
صوتُ تغاريدِ الطيورِ يريحني
يُخرجني من مصرعِ الأيامِ الباهتةِ
من ذكرياتِ حبيبي ورفيقي الأبديّ الراحل أبي
من تضحياتي غيرِ المنتهية
أغامرُ كي أنسى جميعَ شرائطِ أحزاني
كأسطوانةٍ قديمةٍ
تعودُ لعصرِ الملكةِ ڤكتوريا
أو أغنياتِ خوليو إغليسياس
يأخذني إلى حيثُ نورُ الإله
حيثُ الوجودُ حدَّ الغرق
ما بين المكوثِ والاختباءِ قرارٌ
ما بين تنافرٍ وتجاذبٍ تناقضٌ
ما بين تناقضٍ وإجابةٍ حياةٌ
ما بين الكتمانِ والبوحِ ظلمٌ
ما بين الغموضِ
وعدمِ المواجهةِ تردّدٌ
أسترعي انتباهَ الجميعِ
كنوتاتِ بيتهوڤن
كسقوطِ تفاحةِ نيوتن
كمعادلاتِ أرخميدسَ
وأقوالِ الحكمِ للقديسِ أوغسطين
أجمعها كبسولةً لجرعاتِ الاستمرارية
ترياقًا تعيدُ مراسيمَ الفرحِ
بوجوهِ البشرِ
كإعادةِ كركراتِ العابرين
كأجداثِ الراحلين
كبريقِ وقوعِ النيازك
كجمالِ الشفقِ
أعودُ لمغامرتي
أمتطي جوادي الأصيل
وأمرحُ في عمقِ الغاباتِ معه
يصهلُ بملءِ صوتهِ
ليُشعرني بنبلهِ الكبيرِ
أسيرُ بحديقتي المليئةِ بزهرةِ الليلك
أجلسُ على مصطباتٍ في الحقلِ
أُخرجُ مذكّرتي أدوّنُ ما حلَّ بهذا الوطن
ينتفضون شبابُه وينتفضون
ويعودون بأسطولهم البحريّ العريق
أوديسيوس والمقاتلون الشجعان
ليعيدوا السلامَ لبلادهم
كريعانِ أجدادهم المطويّة
كحفلةِ شواءٍ مدميّةٍ
كتجمّعِ عزاءٍ ساكن
كلهفةِ العاشقِ لحرمانهِ
لحبيبتهِ البعيدةِ والمغتربةِ
أجمعهما بفكرٍ واحدٍ
بقلبٍ واحدٍ
ببوتقةٍ واحدةٍ
بينبوعٍ واحدٍ
حتى يعودَ الوجودُ للوجودِ
والقلبُ للقلبِ
والحياةُ للحياةِ
أستكينُ بهدوئي الموحش
أتمايلُ على جحيمِ المعيقاتِ ما مضى
أتسامرُ كاليتيمةِ وأنوحُ نواحًا
أناجي والدي بصلصالِ الليالي
كي يأتيني كرؤيا نبيِّ يوسفَ الموقنةِ
كدهشةِ نبيِّ إبراهيمَ بالبشارةِ لزوجتهِ العاقرِ
كعدمِ تحمّلِ كِبَرِ الشدائدِ
كعدمِ توقّعِ الأمورِ حسب شاكلته
والبقاءِ بهمهماتِ الربِّ العليّ
ليهديني على كلِّ الآهاتِ
على مصيبتي
وكِبَرِ كربتي وكظمِ غيظي
أنادي الجميعَ لاحتوائي
وتجميعِ شتاتي المبعثرة
من شرهِ الفقدِ والحرمانِ
بتُّ أهذي هذيانَ المغيبِ
هذيانَ المنتشي
هذيانَ العجوزِ
لا غرابةَ بالأمرِ
حينما تضربُ المشاعرُ بالمشاعرِ
تنتجُ أعظمَ الأحزانِ
وأعودُ بنفسي للغربةِ
وللوحدةِ في آنٍ واحدٍ
ولرحلاتِ أوديسيوس العظيمة
المليئةِ بالعجائبِ والغرائبِ
الغامضةِ بكثرةِ التفاصيلِ
المعلنةِ بأشدِّ استفساراتهِ
لأخذِ الحياةِ بمحملِ الجدِّ
كي لا نقعَ بفخِّ العالمِ النقيضِ
نستكينُ بوجودِ أرواحنا
ونتوحّدُ كتوحّدِ قلبينا
فيأخذني هذا الوجود
إلى حيثُ النورُ الإلهي
إلى حيثُ الوجودُ
وجودك
حدَّ الغرق….!!!!
يحيى السماوي
محمد حسين جبري
التعليقات