لا يذكرون في مجاز… قراءة في رواية هدى حمد
منذ مدة طويلة لم أصادف رواية تجمع بين الجاذبية والقدرة على أسر القارئ. فهذه الرواية، بفرط سلاسة لغتها، تنساب كالماء الصافي، حتى يكاد القارئ يشعر بأن عينيه تلاحقان الضوء سريعاً لالتقاط الكلمة التالية.
نجحت هدى حمد في مزج ثلاثة عوالم سردية داخل بناء متناسق ومتماسك، حيث تنتقل بين هذه العوالم بانسيابية لافتة، دون أن يختل إيقاع النص أو يتصدع انسجامه. بأسلوب مشوق ورشيق، ترسم الكاتبة ملامح أبطالها الممتدين من أزمنة موغلة في القدم، تعود إلى عصور الأساطير والحكايات، وصولاً إلى الزمن الحاضر، ضمن سلسلة سردية متصلة تمنح الرواية عمقاً زمنياً ودلالياً واضحاً.
تستدعي الرواية إلى الذهن تجربة هاروكي موراكامي في روايته 1Q84، حيث تتداخل العوالم وتتقاطع الأزمنة داخل بناء سردي قادر على الانتقال بينها بسلاسة آسرة. إلا أن رواية هدى حمد تتجاوز حدود الاستلهام، إذ تنجح في تشييد عالمها الخاص، متخطية المألوف واليومي، لتقود القارئ إلى حبكة تستند إلى الأسطورة وتعيد صياغتها داخل فضاء تخييلي يمتلك فرادته واستقلاله.
يتشكل العالم السردي في الرواية من طبقات متعددة؛ يبدأ بعالم واقعي لشخصيات عادية تمارس تفاصيل حياتها اليومية الرتيبة، قبل أن ينفتح تدريجياً على فضاء ميتافيزيقي خارق للطبيعة، يجد القارئ نفسه داخله على نحو مفاجئ، دون أن يشعر بلحظة انتقال فاصلة بين الواقعي والمتخيل. هذه القدرة على التسلل الهادئ بين المستويات السردية تمنح النص طاقة إدهاش نادرة، وتخلق لذة قرائية يصعب العثور عليها في كثير من الأعمال الروائية.
لا تكتفي الرواية بتقديم حبكة مشوقة، بل تحمل سلسلة من الرموز والمعاني التي تتكشف تدريجياً. تبدأ هذه الرمزية من شخصية البطلة التي تعيش حياة هادئة مع زوجها دون أطفال، قبل أن تجد نفسها مندفعة إلى مغامرة تتأرجح بين الواقع والخيال. عودتها إلى منزل جدتها المنبوذة بسبب ما نُسب إليها من خرافات، تفتح باباً لتأمل العلاقة المعقدة بين الماضي والحاضر، إذ يبدو أن خرافات الماضي تتحول إلى عبء يثقل وعي الإنسان حين يتحول إلى إرث جامد يعيق تطور المجتمعات. وتلمح الرواية، من خلال هذا المسار، إلى أن المجتمعات التي تبقى أسيرة ماضيها تتحول إلى كيانات تتغذى على ذاكرة متحللة، في حين أن الوعي بالماضي ينبغي أن يكون وسيلة للفهم والتجاوز لا للجمود والاستنزاف.
في عالم سردي آخر، تقدم الرواية حبكة موازية من خلال قرية تحكمها مجموعة من الأشخاص الذين يسيطرون على سكانها عبر الحكايات والخوف، لتعيش القرية في عزلة عن العالم. ومن خلال هذا التصوير، تطرح الرواية سؤالاً عميقاً حول السلطة والسرد التاريخي: من يكتب التاريخ؟ وهل يتحكم الحكماء أو أصحاب السلطة في مصائر الآخرين عبر احتكار الحكاية؟ تبدو أصوات المنسيّين في هذا السياق عاجزة عن كتابة قصصها، فلا تملك سوى إطلاقها في فضاء الوجود، انتظاراً لمن يعيد صياغتها أو يمنحها حضوراً في الذاكرة الإنسانية.
تبلغ الرواية ذروتها حين تتهاوى أسوار الوهم التي تحيط بالعالم المتخيل، في انعكاس رمزي لرغبة الإنسان الدائمة في تحطيم القيود التي تصنعها الخرافة والخوف. ويأتي استيقاظ البطلة من غيبوبتها بعد إدراكها لقوة المشاعر الصادقة بوصفه إشارة إلى قدرة الإنسان على استعادة وعيه عبر التجربة الإنسانية الصافية. في المقابل، تترك الرواية مصائر المنسيين مفتوحة، في إشارة إلى أن التاريخ غالباً ما يحتفظ بسير الملوك وأصحاب السلطة، بينما يظل صانعو التحولات الحقيقية مجرد ظلال عابرة في سجل الذاكرة الجماعية.
تكشف لا يذكرون في مجاز عن تجربة سردية ثرية تراهن على قوة الخيال بوصفه أداة لإعادة قراءة الواقع وكشف طبقاته الخفية. كما تطرح تصوراً يؤكد أن الابتكار السردي لا يرتبط دائماً بوفرة الصراعات التاريخية، بل قد ينشأ أيضاً من القدرة على تخيل عوالم بديلة واختراق المألوف. وهنا تبدو هدى حمد وقد نجحت في تقديم عمل روائي يجمع بين الجاذبية الحكائية والعمق الرمزي، ويترك أثراً يتجاوز لحظة القراءة إلى مساحة أوسع من التأمل والتساؤل.
حسن الموسوي
عبدالکریم السعید
حمدي العطار
التعليقات