الحرب من خلف السواتر الرملية: حين تروي النساء ذاكرة العراق

صورة الكاتب
بقلم: نور الهدى كناوي
التاريخ: 13 سبتمبر 2026 عدد المشاهدات: 3545
الحرب من خلف السواتر الرملية: حين تروي النساء ذاكرة العراق

 

ليست الحرب في الأدب العراقي مجرد معارك وأصوات انفجارات وجبهات قتال، بل هي حياة كاملة تتشظى تحت وطأتها، وتستمر آثارها في البيوت والذاكرة والعلاقات الإنسانية حتى بعد أن يخفت صوت السلاح. ومن هذا المنظور تأتي المجموعة القصصية «خلف السواتر الرملية» لتقدم صورة إنسانية مؤلمة عن العراق، بما عاشه من حروب وحصار وعنف وفقدان وتفكك اجتماعي. خلال السنوات الماضية، قرأتُ عدداً كبيراً من القصص والروايات التي تناولت الحرب العراقية. وكان حضور الحرب فيها غالباً مرتبطاً بتجربة المقاتل أو الرجل الذي عاش الجبهة، أو بمن بقي خارجها وهو ينتظر أباً أو أخاً أو قريباً ذهب إلى الحرب. لكن ما يلفت النظر في «خلف السواتر الرملية» هو اختيار زاوية أخرى للرؤية؛ زاوية النساء اللواتي عشن الحرب في البيوت والشوارع والمستشفيات، وحملن نتائجها في حياتهن اليومية وذاكرتهن ومستقبل أسرهن.

المرأة في هذه المجموعة ليست شخصية هامشية تقف على أطراف الحدث، وإنما تتحول إلى شاهدة وضحية ومقاومة في الوقت نفسه. ومن خلال عدد من القصص، تنكشف الحرب بوصفها قوة لا تكتفي بإزهاق الأرواح، بل تمتد إلى تشكيل العلاقات، وإعادة إنتاج القمع، وفرض الفقر، وزرع الخوف، وتحويل تفاصيل الحياة العادية إلى معارك أخرى. وتتميز المجموعة، في عدد من قصصها، بلغة واضحة ومباشرة وسلسة، من دون أن تفقد بعدها الإنساني والنقدي. وقد توقفت عند أربع قصص تركت أثراً واضحاً في قراءتي: «زينب»، «سهيلة»، «نضال»، و«إذا سألت سمر»، لما تطرحه من أسئلة تتجاوز الحدث القصصي إلى الواقع الاجتماعي والنفسي الذي أنتجته الحروب. في قصة «زينب»، لا تأتي السلطة الأبوية من الرجل وحده، بل تنتقل إلى المرأة نفسها. فالأم التي نشأت في بيئة فرضت على المرأة حدوداً صارمة، تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج القواعد التي قُيّدت بها هي ذاتها. وهنا تقدم القصة نموذجاً لما يمكن تسميته إعادة إنتاج القمع الذكوري عبر القمع الأمومي. تظهر هذه السلطة في موقف الأم من تعليم ابنتها، ومن الحب، ومن اختيار الشريك. فهي لا تتعامل مع ابنتها باعتبارها فرداً يملك حق اختيار حياته، بل باعتبارها امتداداً لمنظومة اجتماعية يجب ألا تتجاوز حدودها. والمفارقة الأكثر إيلاماً أن المرأة التي عانت من القمع تصبح، من حيث لا تشعر، طرفاً في ممارسته على امرأة أخرى. تمر زينب بسلسلة من الخسارات تبدأ بحرمانها من التعليم، ثم تزويجها قسراً من رجل مطلق لا ينجب، وصولاً إلى رفض ارتباطها الثاني بحبيبها سعد. ومع تكرار الخسارات، تنتقل من محاولة مقاومة المصير إلى محاولة التكيف معه، لا لأنها اقتنعت بأن أحلامها خاطئة، بل لأنها لم تعد قادرة على دفع ثمن مقاومتها. وتستدعي القصة، بصورة لافتة، صورة زوجة الأب الشريرة في حكاية «سندريلا»، لكن المفارقة أن مصدر القسوة هنا ليس زوجة أب، وإنما الأم البيولوجية نفسها. وهذا ما يمنح الصراع بعداً نفسياً أكثر تعقيداً، لأن زينب لا تواجه عدواً واضحاً يمكنها رفضه، بل تواجه شخصاً يفترض أن يكون مصدر الأمان.

وفي قصة «سهيلة» تنتقل المجموعة إلى وجه آخر من وجوه المأساة العراقية: التفجيرات والخطف وتفكك الأسر، لكن الكاتب لا يتوقف عند لحظة الانفجار، بل يتابع ما يأتي بعدها. الجثث والمستشفيات والمخطوفون والبحث عن المفقودين تتحول إلى خلفية لحياة يومية اعتاد الناس فيها انتظار المصيبة التالية. غير أن أكثر ما يلفت في القصة هو اقتران العنف بالبيروقراطية. فمعاملة تقاعد الزوج وتسيير العلاج وتصحيح الأوراق والمراجعات المتكررة تصبح نوعاً آخر من الحرب. الإنسان الذي خرج مثقلاً بفقدان أحد أفراد أسرته أو مرض أحدهم، يجد نفسه أمام مؤسسات تزيد من إنهاكه بدلاً من أن تكون ملجأً له.

وتصل المأساة إلى الاقتصاد اليومي للأسرة؛ إذ تضطر الأم وابنها إلى العمل في أعمال شاقة، بينما يتراجع التعليم أمام الضرورات الأساسية: الطعام والعلاج وتأمين الحياة. وهكذا تجد الأسرة نفسها محاصرة بين جبهتين: جبهة الموت المفاجئ، وجبهة الحياة اليومية التي تحولت هي الأخرى إلى معركة.

أما قصة «نضال»، فإن أهميتها تبدأ من المفارقة التي يصنعها الاسم نفسه. فالنضال هنا ليس شعاراً سياسياً ولا بطولة معلنة، وإنما فعل يومي تمارسه فتاة صغيرة وجدت نفسها أمام مسؤوليات أكبر من عمرها. تتحمل نضال مسؤولية إخوتها بسبب النزاع المستمر بين والديها وغياب الأم فترات طويلة، فتؤدي دور الأم قبل أوانها، وترعى الصغار وتحاول تخفيف قسوة الواقع عنهم بالقصص والمرح والحنان. لكنها لا تحول معاناتها إلى وسيلة لاستدرار الشفقة؛ بل تواجهها بالصمت والأنفة والكبرياء. وهنا يصبح الصمت شكلاً من أشكال المقاومة. فهي لا تملك تغيير حياتها، لكنها تملك الطريقة التي تواجه بها هذه الحياة. ويصبح نضالها الحقيقي في قدرتها على حماية إخوتها في الوقت الذي كانت هي نفسها بحاجة إلى من يحميها. ثم تأخذ القصة منحى أكثر مأساوية حين تستعيد حادثة مضى عليها عشرون عاماً؛ امرأة تدافع عن زوجها وتحاول حمايته من الاختطاف، فتدفع حياتها ثمناً لذلك. ولا تبلغ المأساة ذروتها في لحظة الموت وحدها، وإنما في انشغال المرأة، حتى في لحظاتها الأخيرة، بمصير عائلتها. وبينما تتطاير الأموال حولها، لا يكون سؤالها الأهم عن الموت، بل عن الكيفية التي سيتدبر بها أهلها أمورهم من دون راتبها. بهذا المعنى يصبح عنوان «نضال» أكثر من مجرد اسم لشخصية؛ إنه تعريف للنضال الإنساني في صورته اليومية: صبر يستر العوز، ومسؤولية تخفي الألم، وتضحية قد تنتهي بالدم.

وفي قصة «إذا سألت سمر» يبرز الفقد بوصفه تجربة فردية وجماعية في آن واحد. فمشهد الجارة التي تحتضن الجثة وتنفض الدماء عن جديلتها لا يبقى مجرد لحظة تخص أسرة الضحية، وإنما يتحول إلى صورة عن مجتمع بأكمله وجد نفسه يعيش الموت بوصفه احتمالاً يومياً. تكتسب التفاصيل البصرية في هذا المشهد قوة خاصة؛ الدم والعباءة والجسد والجديلة، عناصر قليلة لكنها كافية لنقل القارئ إلى قلب الفاجعة. ولا تحتاج هذه الصورة إلى كثير من الشرح، لأن المشهد نفسه يحمل صدمته. كما تكشف القصة عن عقدة الذنب التي تلاحق الإنسان بعد وقوع الكارثة. تتكرر أسئلة «ماذا لو؟»: ماذا لو حدث شيء مختلف؟ ماذا لو اتُخذ قرار آخر؟ ماذا لو كان بالإمكان إنقاذ الضحية؟ إنها أسئلة لا تستطيع تغيير الماضي، لكنها تكشف كيف يبقى الماضي حياً داخل الإنسان، حتى بعد مرور سنوات. ومن الفقد الفردي تنتقل القصة إلى الرعب الجماعي؛ الوجوه الواجمة، الصباح الثقيل، انتظار التفتيش، والخوف من الاعتقال أو الموت. وهنا لا تعود الحرب حدثاً يقع بعيداً عن الناس، بل تصبح جزءاً من تفاصيل يومهم، من الشارع إلى البيت، ومن الصباح إلى لحظة انتظار المجهول. إن ما يجمع هذه القصص، على اختلاف أحداثها، هو أنها لا تنظر إلى الحرب باعتبارها حدثاً عسكرياً فقط. الحرب هنا تمتد إلى داخل الأسرة، وإلى علاقة الأم بابنتها، وإلى طفولة فتاة تتحول إلى أم، وإلى امرأة تفكر في مستقبل عائلتها وهي تواجه الموت، وإلى جارة تحتضن جثة في لحظة لا تعرف فيها كيف تواسي الآخرين. وهذا، في تقديري، هو أحد أبرز ما تمنحه «خلف السواتر الرملية» من خصوصية؛ فهي تقدم الحرب من مساحة غالباً ما تكون أقل حضوراً في السرد الحربي: مساحة المرأة. فالنساء في هذه القصص لا يقفن خارج الحرب، وإنما يعشن نتائجها في أكثر الأماكن التصاقاً بالحياة: داخل البيت، في المستشفى، في الشارع، وفي تفاصيل الأسرة. يحملن أبناء فقدوا آباءهم، ويواجهن الفقر والخوف والخطف والموت والقيود الاجتماعية، ثم يواصلن الحياة رغم كل شيء. الحرب، وفق ما تقترحه هذه المجموعة، لا تنتهي عندما يتوقف إطلاق النار. إنها تستمر في الذاكرة، وفي العلاقات الأسرية، وفي الفقر، وفي الخوف، وفي الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى مستقبله. ولعل السؤال الذي تتركه «خلف السواتر الرملية» خلفها هو: ماذا يبقى من الإنسان بعد أن تنتهي الحرب؟ ربما تبقى الأشياء التي عجزت الحرب عن قتلها: الذاكرة، والحب، والتضحية، والرغبة في النجاة، والأمل في أن يكون المستقبل أقل قسوة من الماضي.

عن الکاتب / الکاتبة

نور الهدى كناوي
نور الهدى كناوي
شاعرة وروائیة/ العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا يذكرون في مجاز… قراءة في رواية هدى حمد

لا يذكرون في مجاز… قراءة في رواية هدى حمد

لا يذكرون في مجاز… قراءة في رواية هدى حمد   منذ مدة طويلة لم أصادف…

صورة الكاتب نور الهدى كناوي
5 مايو 2026
اقرأ المزيد
قراءة لرواية “ريم” للقاص عباس الحداد

قراءة لرواية “ريم” للقاص عباس الحداد

  قبل الولوج إلى قراءة الرواية بوصفها نصًا أدبيًا، لا بد من التوقف عند السياق…

صورة الكاتب نور الهدى كناوي
9 فبراير 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الحرب من خلف السواتر الرملية: حين تروي النساء ذاكرة العراق

بقلم: نور الهدى كناوي | التاريخ: 13 سبتمبر 2026

التصنيف: النقد الأدبي

 

ليست الحرب في الأدب العراقي مجرد معارك وأصوات انفجارات وجبهات قتال، بل هي حياة كاملة تتشظى تحت وطأتها، وتستمر آثارها في البيوت والذاكرة والعلاقات الإنسانية حتى بعد أن يخفت صوت السلاح. ومن هذا المنظور تأتي المجموعة القصصية «خلف السواتر الرملية» لتقدم صورة إنسانية مؤلمة عن العراق، بما عاشه من حروب وحصار وعنف وفقدان وتفكك اجتماعي. خلال السنوات الماضية، قرأتُ عدداً كبيراً من القصص والروايات التي تناولت الحرب العراقية. وكان حضور الحرب فيها غالباً مرتبطاً بتجربة المقاتل أو الرجل الذي عاش الجبهة، أو بمن بقي خارجها وهو ينتظر أباً أو أخاً أو قريباً ذهب إلى الحرب. لكن ما يلفت النظر في «خلف السواتر الرملية» هو اختيار زاوية أخرى للرؤية؛ زاوية النساء اللواتي عشن الحرب في البيوت والشوارع والمستشفيات، وحملن نتائجها في حياتهن اليومية وذاكرتهن ومستقبل أسرهن.

المرأة في هذه المجموعة ليست شخصية هامشية تقف على أطراف الحدث، وإنما تتحول إلى شاهدة وضحية ومقاومة في الوقت نفسه. ومن خلال عدد من القصص، تنكشف الحرب بوصفها قوة لا تكتفي بإزهاق الأرواح، بل تمتد إلى تشكيل العلاقات، وإعادة إنتاج القمع، وفرض الفقر، وزرع الخوف، وتحويل تفاصيل الحياة العادية إلى معارك أخرى. وتتميز المجموعة، في عدد من قصصها، بلغة واضحة ومباشرة وسلسة، من دون أن تفقد بعدها الإنساني والنقدي. وقد توقفت عند أربع قصص تركت أثراً واضحاً في قراءتي: «زينب»، «سهيلة»، «نضال»، و«إذا سألت سمر»، لما تطرحه من أسئلة تتجاوز الحدث القصصي إلى الواقع الاجتماعي والنفسي الذي أنتجته الحروب. في قصة «زينب»، لا تأتي السلطة الأبوية من الرجل وحده، بل تنتقل إلى المرأة نفسها. فالأم التي نشأت في بيئة فرضت على المرأة حدوداً صارمة، تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج القواعد التي قُيّدت بها هي ذاتها. وهنا تقدم القصة نموذجاً لما يمكن تسميته إعادة إنتاج القمع الذكوري عبر القمع الأمومي. تظهر هذه السلطة في موقف الأم من تعليم ابنتها، ومن الحب، ومن اختيار الشريك. فهي لا تتعامل مع ابنتها باعتبارها فرداً يملك حق اختيار حياته، بل باعتبارها امتداداً لمنظومة اجتماعية يجب ألا تتجاوز حدودها. والمفارقة الأكثر إيلاماً أن المرأة التي عانت من القمع تصبح، من حيث لا تشعر، طرفاً في ممارسته على امرأة أخرى. تمر زينب بسلسلة من الخسارات تبدأ بحرمانها من التعليم، ثم تزويجها قسراً من رجل مطلق لا ينجب، وصولاً إلى رفض ارتباطها الثاني بحبيبها سعد. ومع تكرار الخسارات، تنتقل من محاولة مقاومة المصير إلى محاولة التكيف معه، لا لأنها اقتنعت بأن أحلامها خاطئة، بل لأنها لم تعد قادرة على دفع ثمن مقاومتها. وتستدعي القصة، بصورة لافتة، صورة زوجة الأب الشريرة في حكاية «سندريلا»، لكن المفارقة أن مصدر القسوة هنا ليس زوجة أب، وإنما الأم البيولوجية نفسها. وهذا ما يمنح الصراع بعداً نفسياً أكثر تعقيداً، لأن زينب لا تواجه عدواً واضحاً يمكنها رفضه، بل تواجه شخصاً يفترض أن يكون مصدر الأمان.

وفي قصة «سهيلة» تنتقل المجموعة إلى وجه آخر من وجوه المأساة العراقية: التفجيرات والخطف وتفكك الأسر، لكن الكاتب لا يتوقف عند لحظة الانفجار، بل يتابع ما يأتي بعدها. الجثث والمستشفيات والمخطوفون والبحث عن المفقودين تتحول إلى خلفية لحياة يومية اعتاد الناس فيها انتظار المصيبة التالية. غير أن أكثر ما يلفت في القصة هو اقتران العنف بالبيروقراطية. فمعاملة تقاعد الزوج وتسيير العلاج وتصحيح الأوراق والمراجعات المتكررة تصبح نوعاً آخر من الحرب. الإنسان الذي خرج مثقلاً بفقدان أحد أفراد أسرته أو مرض أحدهم، يجد نفسه أمام مؤسسات تزيد من إنهاكه بدلاً من أن تكون ملجأً له.

وتصل المأساة إلى الاقتصاد اليومي للأسرة؛ إذ تضطر الأم وابنها إلى العمل في أعمال شاقة، بينما يتراجع التعليم أمام الضرورات الأساسية: الطعام والعلاج وتأمين الحياة. وهكذا تجد الأسرة نفسها محاصرة بين جبهتين: جبهة الموت المفاجئ، وجبهة الحياة اليومية التي تحولت هي الأخرى إلى معركة.

أما قصة «نضال»، فإن أهميتها تبدأ من المفارقة التي يصنعها الاسم نفسه. فالنضال هنا ليس شعاراً سياسياً ولا بطولة معلنة، وإنما فعل يومي تمارسه فتاة صغيرة وجدت نفسها أمام مسؤوليات أكبر من عمرها. تتحمل نضال مسؤولية إخوتها بسبب النزاع المستمر بين والديها وغياب الأم فترات طويلة، فتؤدي دور الأم قبل أوانها، وترعى الصغار وتحاول تخفيف قسوة الواقع عنهم بالقصص والمرح والحنان. لكنها لا تحول معاناتها إلى وسيلة لاستدرار الشفقة؛ بل تواجهها بالصمت والأنفة والكبرياء. وهنا يصبح الصمت شكلاً من أشكال المقاومة. فهي لا تملك تغيير حياتها، لكنها تملك الطريقة التي تواجه بها هذه الحياة. ويصبح نضالها الحقيقي في قدرتها على حماية إخوتها في الوقت الذي كانت هي نفسها بحاجة إلى من يحميها. ثم تأخذ القصة منحى أكثر مأساوية حين تستعيد حادثة مضى عليها عشرون عاماً؛ امرأة تدافع عن زوجها وتحاول حمايته من الاختطاف، فتدفع حياتها ثمناً لذلك. ولا تبلغ المأساة ذروتها في لحظة الموت وحدها، وإنما في انشغال المرأة، حتى في لحظاتها الأخيرة، بمصير عائلتها. وبينما تتطاير الأموال حولها، لا يكون سؤالها الأهم عن الموت، بل عن الكيفية التي سيتدبر بها أهلها أمورهم من دون راتبها. بهذا المعنى يصبح عنوان «نضال» أكثر من مجرد اسم لشخصية؛ إنه تعريف للنضال الإنساني في صورته اليومية: صبر يستر العوز، ومسؤولية تخفي الألم، وتضحية قد تنتهي بالدم.

وفي قصة «إذا سألت سمر» يبرز الفقد بوصفه تجربة فردية وجماعية في آن واحد. فمشهد الجارة التي تحتضن الجثة وتنفض الدماء عن جديلتها لا يبقى مجرد لحظة تخص أسرة الضحية، وإنما يتحول إلى صورة عن مجتمع بأكمله وجد نفسه يعيش الموت بوصفه احتمالاً يومياً. تكتسب التفاصيل البصرية في هذا المشهد قوة خاصة؛ الدم والعباءة والجسد والجديلة، عناصر قليلة لكنها كافية لنقل القارئ إلى قلب الفاجعة. ولا تحتاج هذه الصورة إلى كثير من الشرح، لأن المشهد نفسه يحمل صدمته. كما تكشف القصة عن عقدة الذنب التي تلاحق الإنسان بعد وقوع الكارثة. تتكرر أسئلة «ماذا لو؟»: ماذا لو حدث شيء مختلف؟ ماذا لو اتُخذ قرار آخر؟ ماذا لو كان بالإمكان إنقاذ الضحية؟ إنها أسئلة لا تستطيع تغيير الماضي، لكنها تكشف كيف يبقى الماضي حياً داخل الإنسان، حتى بعد مرور سنوات. ومن الفقد الفردي تنتقل القصة إلى الرعب الجماعي؛ الوجوه الواجمة، الصباح الثقيل، انتظار التفتيش، والخوف من الاعتقال أو الموت. وهنا لا تعود الحرب حدثاً يقع بعيداً عن الناس، بل تصبح جزءاً من تفاصيل يومهم، من الشارع إلى البيت، ومن الصباح إلى لحظة انتظار المجهول. إن ما يجمع هذه القصص، على اختلاف أحداثها، هو أنها لا تنظر إلى الحرب باعتبارها حدثاً عسكرياً فقط. الحرب هنا تمتد إلى داخل الأسرة، وإلى علاقة الأم بابنتها، وإلى طفولة فتاة تتحول إلى أم، وإلى امرأة تفكر في مستقبل عائلتها وهي تواجه الموت، وإلى جارة تحتضن جثة في لحظة لا تعرف فيها كيف تواسي الآخرين. وهذا، في تقديري، هو أحد أبرز ما تمنحه «خلف السواتر الرملية» من خصوصية؛ فهي تقدم الحرب من مساحة غالباً ما تكون أقل حضوراً في السرد الحربي: مساحة المرأة. فالنساء في هذه القصص لا يقفن خارج الحرب، وإنما يعشن نتائجها في أكثر الأماكن التصاقاً بالحياة: داخل البيت، في المستشفى، في الشارع، وفي تفاصيل الأسرة. يحملن أبناء فقدوا آباءهم، ويواجهن الفقر والخوف والخطف والموت والقيود الاجتماعية، ثم يواصلن الحياة رغم كل شيء. الحرب، وفق ما تقترحه هذه المجموعة، لا تنتهي عندما يتوقف إطلاق النار. إنها تستمر في الذاكرة، وفي العلاقات الأسرية، وفي الفقر، وفي الخوف، وفي الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى مستقبله. ولعل السؤال الذي تتركه «خلف السواتر الرملية» خلفها هو: ماذا يبقى من الإنسان بعد أن تنتهي الحرب؟ ربما تبقى الأشياء التي عجزت الحرب عن قتلها: الذاكرة، والحب، والتضحية، والرغبة في النجاة، والأمل في أن يكون المستقبل أقل قسوة من الماضي.