شبيهُ الروح
الوقتُ هو مرورُ قطارِ منتصفِ الليل، هذا هو موعدُ اللقاء، موعدُ محادثة طيفه حين تهجعُ النفوس، يمرُ بضجيجهِ الذي يصدعُ الرأسَ بعجلاته حينما تصطدمُ بفواصلِ السكةِ الحديدية، تجدُ في حركته كأنه يقارعُ الصعاب، ويلبي رحلته اليومية بكلِّ عنفوان، كانت مشاعرُها تتزاحمُ كتزاحمِ الضجيجِ في وسطِ ذلك السكون، من هذا الزائرِ الغريبِ الذي طرقَ أبوابَ قلبها البريء لأولِ مرة، وزادَ نبضاته، لا تعرفُ مكنوناته سوى قلبٍ ينبضُ حينما تراه يسارعُ الخطى تجاه بستانِهم المجاور لدارِ سكناهم، إذ بدأت بابتسامة بعد نظرةٍ من بعيد، كأنها ولدتْ للتو من رحمِ الغيمِ الذي يحملُ بين ذراته إكسير لحياةٍ جديدة.
– ما الذي حدث؟
تغازلُ روحه، تتمتم بكلماتٍ مرتعشة، تداعبُ ضفائرها بمشطٍ خشبي تظهر في المساحة الوسط صورة لشابةٍ مبتسمة، دون أن تنثالَ بين الخصلاتِ الذهبية، ترسمُ في مخيلتها ملامسة أنامله لنهايةِ ضفائرها، تتأملُ أناملَ يديها وقدميها، كأنها بدأتْ تتفاعل مع ما تتخيله، يداهمها الرعبُ فجأة حينما وجدت نفسها ترتاح لذكره، وتتهللُ سرائرها، لتعلنَ في دواخلها حبسَ ذلك الزائرِ بين ثنايا القلب، تتخيلُ كلَّ مزحةٍ أو كلامٍ عابرٍ هي المقصودة فيه.
عالمٌ غريبٌ معقدٌ لا تستطيعُ فك ألغازه، تحاولُ أن تعيدَ نفسها إلى شاطئ البداية، إلى بدايةِ نبضِ القلبِ خفية، ولا تعرفُ كذلك لمَ تنتابها موجة من الرغبةِ في البكاءِ حينما يمرُ القطارُ الليلي، أفكارٌ وهميةٌ، أحلامٌ تتلاشى لكنها أقرب إلى الحقيقة، تحاولُ أن لا تكونَ فريسةً لهذا الوهم، إلا أنها تشعر وكأنه ملازم لها.
أفزعها أزيزُ الرصاصِ الذي يخترقُ الآفاقَ بعدما كانت تغطُ في نومٍ عميق، ليحملها عنوة إلى عالمِ اليقظةِ المخيف، لا تعرفُ ما الذي يجري في باحةِ الحوش، وهذا الكمُ الهائلُ من الرصاص، فأخيها الوحيد سيتزوج.
– ألف مبارك.
– ومبارك لكِ أيضا.
– وما شأني؟
– ستكونين بديلة شغار.
دفنتْ وجهها في راحةِ كفيها, وأخذتْ تصرخُ ونارُ الحزنِ يزدادُ سعيراً بين خلجاتِ صدرها, تحاولُ أن تصدَ القهقهاتِ المتعالية, قهقهةُ التقاليد, أن تختزلَ مسافةَ الصوتِ بين اللسانِ والقلب, لتصرخَ صراخٌ أشبه ما يكون بالنحيب, أو نعي القلب وهو يستهل بواسق الصبا وبهجة الربيع, حينما يصافح وجهها الطفولي الناصع البياض.
– لا, لن اقبلَ بهذا.
ينتابها إحساسٌ بمزيجِ من العزلةِ وفقدانِ الأمل، فيه تجدُ نفسها عاريةٌ بلا إرادة وتضاعفتْ غشاوةُ تفكيرها، تغرقُ في بقايا دموعها التي شتّت تقاسيم ملامحها الجميلة، تتصورُ كيف ستكون رهناً لروحٍ لا تشبهها، تحاولُ أن تثور، إلا أنها تجدُ نفسها قد اختزل ذلك البوح وهربت حروفه متقافزة إلى جهاتٍ مجهولة، ونيرانُ الشكوى قد كمدت وهي سيدة الحكايات الرفيفة ، فيزيدُ من كبتْ أنفاسها الذي يخزها بإبر اليأس، يداهم ذاكرتها على وقعِ أغنية.
“تدري مرات الغياب, إيصير شامتْ وظلْ احسبْ, أظل احسب”
تلتقطُ بدماغها المتعب صوراً مشوهةً لحروفٍ باهتةٍ رسمتها تلك العزلةُ التي اختارتها هي لنفسها، لوقعِ خطواتٍ تبدو واثقةٌ لرجلٍ يطاردها حتى في الأحلامِ المليئةِ بجنونها، وهي تقاوم برضابِ الوفاء، تتمرآى بصوره التي تناشد قوافي الهيام به، إلا أنها تفزعُ على صوتٍ أجش، ينوي ملاحقة حروفها حتى في شتاتها، وعليها مخاطبة الصمت بلغةِ الخرسان، ومطاردةُ السراب، تتخيلُ نفسها جثةٌ مسجى على قارعةِ الطريق، والناسُ تترحمُ على روحها كضحيةِ عشقٍ فطري.
– آه من أحلامٍ وئدتْ منذ الولادة.
ترى أقدامها تسير, تتعثر, ثم تسابقُ المكان, تبحثُ عن ذلك القلبِ الذي اودعتْ روحها هنالك في شغافه, تحاول أن تنتزعَ نفسها من دوامةِ القلقِ التي حاصرتْ تفكيرها, عسى أن تجده لا زالَ ينبض, أن يتماسكَ ويتركَ تخبطُ الكلماتِ بصمته المخيف منذ شهور.
– يا ولدي, كيف حاله اليوم؟
تنظرُ عيناها إلى تقاطيع ولدها الجامدة، تعبيرٌ خالٍ من وجودِ أمل، لذا كساها الاصفرار، والقلبُ ينبضُ والصدرُ يضيق، ودموعٌ بصوتٍ خافتٍ أقرب إلى الاستسلام، لذا أيقنت بأن رحلتها في هذا العالمِ باهتة المعالم، رحلةٌ نحو حتفها، ستسقط قريبا، وللمرة الأخيرة في طريق اللاعودة.
أبو الحسنين الدعساوي
حمد حسون القيسي
التعليقات