فرن شواء

صورة الكاتب
بقلم: ناهض الهندي
التاريخ: 9 مايو 2026 عدد المشاهدات: 14
فرن شواء

فرن شواء

لا توجد جريمة، هو مجرد خطأ بشري، راح إثره ضحيتان، أو ضحية، فواحدة قد انصرفت قبل اليوم. حدث ذلك بسبب إهمالهم، وهذا يحصل في كل دول العالم، فلا جديد استثنائي في الموضوع.
جاء الورثة، ودموعهم تبلل ملابسهم السود بغزارة. وجدوا صعوبة في الوصول إلى البيت، إذ أن آخر مرة جاءوا فيها منذ وقت بعيد، قبل أن يحتفلا ببلوغ سن التقاعد، ليقترضوا منهما دينًا لم يجدوا وقتًا للإيفاء به. ليس سهلًا أن يتذكر المرء جميع الأشياء القديمة، فدماغه ليس دفترًا ولا حاسوبًا. ينبغي أن يعترف الإنسان بضعفه وزحمة الواقع. مع ذلك، وعلى الرغم من مشاغلهم الكثيرة، أقاموا مجلس عزاء ليوم واحد، وعلّقوا يافطة دُوّنت فيها جميع أسماء العائلة ومهنهم، حتى من لم يعودوا موجودين.
للذّكرى مكانٌ في القُلوب، أمّا المظاهر وإِضاعة الأَموال في المراسم فأَمرٌ عقيمٌ في زمن العولمة. القدماء حكماء بحق حينما قالوا: “الحيّ أبقى من الميت”، على الرغم من أن الأموات هم من بنوا البيوت التي يسكن فيها الأحياء. لذا، بعد أربعين يومًا، أصبح البيت معروضًا للبيع، بل هي أقل، فقد أُنقص منها عدد الأبناء الورثة. صعبَ عليهم انتظار الأربعين بأكملها، فقد انتظروا قبلها كثيرًا. حلٌّ عملي حكيم أن تتم تصفية الإرث سريعًا. إكرام الميت في دفنه، وهو أفضل من الدخول في منازعة تنتهي إلى نفس النتيجة. البداية كالنهاية، أوَ ليست نهاية الحرب، السلم الذي كان موجودًا قبلها؟
بسبب طيبتهم المفْرطة، اتَّفقوا على توزيع حلوى التَّمر من ثمن البيت على الجيران. حتى أنهم احتفظوا بحبة تمرٍ لعابر السبيل مع أنهم لم يجدوا له طريقا، لكن لا بأس عليه، إذ إنه، بينما كان الجيران منهمكين في السؤال عن سبب وجوده، والشرطة مشغولة بوضع شريطٍ أصفر مكتوب عليه “شرطة، ممنوع الاقتراب”، جلس يأكل السمك المشوي، وهو يسأل: هل سنصبح جميعًا سمكًا في فرن، ننتظر من يشم رائحتنا؟
سعر بيع البيت أغرى زوجين طموحين، يبتسمان في صورة كبيرة عُلّقت لتغطي بقعة في جدار غرفة الضيوف، عبقت برائحة دهان حديث، فشل في محو سخام المدفأة النفطية عنها. الزوجان الجديدان مشغولان في وضع دعامات زينة على شرفتهما، فهما ينتظران ضيوفًا قريباً لمناسبة قرب إحالتهما على التقاعد.
ناهض الهنديفي صباحٍ، استيقظ على صوت الزهايمر. زوجته الطموحة – مثله حينما قررا الارتباط – والأصغر منه سناً بقليل، تجاوزت سن التقاعد قبله، أصيبت بالزهايمر. إنها تتحدث مع (ابنها الضائع)، طفل وهمي تُكدّر ذكراه ساعات يقظته ومنامه. تناديه بصوت أقسى من تأوهات عظامه، وهي تتأوه احتجاجًا على ما فُرض عليها من دعاماتٍ حديدية. في الحقيقة، إنها هي من تُصدر صريرًا، لا عظامه. ليس مهمًا من يفعل ذلك؛ إنه صريرٌ وكفى. قيل له إنها سوف تساعده على الوقوف، لم يكن موقنًا من ذلك. ما هو واثق منه، أنها تؤكد عجزه. غدا رأسه أصلعًا بالكامل، بفعل عقاقير دخلت جسده؛ قيل له إنها سوف تقتل ورمًا خبيثًا في المستقبل، عليه أن ينتظر. كم بقي من العمر ليُهدر في الانتظار؟ لا يدري! أَوَ مَنْ يضع يديه في صندوقٍ فارغٍ يجد شيئًا؟
كانت تجلس في طرف السرير، تنظر إلى نقطة في الفراغ وتبتسم. لم يعد يعرف إن كانت تراه أم تتذكر وجهًا آخر. لا وقتَ للغيرةِ الآنَ؛ فقد حانَ موعدُ تبديلِ حفاضتِها. علم ذلك من رائحتها. تحمّس لتغييرها، لأنه يحب العطور الطيبة والموسيقى، غير أنه لم يَعُدْ يملك القوة الكافية لفعل ذلك. لكنه يفعل، ويُستثار فزعه حينما يلمس جسدها، إنه بارد مثل العقاقير التي يحتفظ بها في الثلاجة، ومثل المصرف الذي رفض أن يقرضه كلفة علاجه في المستشفى الحديث. لا أحد يزورهما، لا أحد يسأل. كل مشغول بأمره: الأولاد، الجيران، والطاقم الطبي الذي يعالجهما، فالكل لديه مشاغل جَمَّة يجب أن تُؤَدَّى.
حاول الوصول إلى باب البيت الخارجي. ليس للنزهة، بل لديه موعد فحص دوري كل ستة أشهر في المستشفى، مع أنه تأخر أكثر من ذلك بكثير، بسبب كثرة المتقاعدين ودخان البئر النفطية التي تجلب الثراء. لوّح لتاكسي، وآخر. توقّف أحدهم، بعد أن حاول أكثر من محاولات سيزيف في إيصال الصخرة إلى القمة. معضلة أخرى: كيف يُقْنِعُ السائقَ أنّه ليس مُتشردًا أو مُعتوهًا؟ كلماته خرجت متقطعة، تشبه مواء قط. السائق ينظر له بشفقة، يحاول أن يفهم ما يجري. تذكّر المتقاعدُ أيامَهُ في بحرِ القراءة، وأيقنَ أنّه ما زالَ يُجيدُ الكتابة. أخرج ورقة من معطفه، الجو ليس باردًا، هو وحده يشعر بذلك، حتى زوجته لا تفعل، إنها لم تعد تشعر بأشياء كثيرة منذ أن رافقها الزهايمر.
الأمر ليس سيئًا، فقد خفّفت عن نفسها وعنه جولات التسوق المرهقة له. الشعور بالحاجة يتطلب سدّها، وسدّها يتطلب سعيًا ومالًا، ليس من السهل الحصول عليه مع الإعانة الاجتماعية. أَليسَ مِنْ حسن الحظّ أَلَّا تُصابَ بوعي الشّعور؟ خطه ارتعش، أصابعه لم تعد تُسيطر على القلم كما كانت تفعل، منذ آخر جلطة دماغية. الحالة تستدعي بلوغ المستشفى، مع أنها ليست طارئة، هكذا قال السائق لنفسه. مصادفة جميلة أخرى، فلأول مرة منذ حصوله على أول فرصة عمل، يلازمه حسن الحظ اليوم، أدرك أن هناك مستشفى حكوميًا وحيدًا في البلدة. لم يُبنَ غيره، منذ أن أصبح التعليم والصحة يقدمان خدمات رائعة غير مجانية.
قال له الطبيب إن بترًا قادمًا، لا مفرّ منه. الورم، للأسف، يمتدّ لأماكن جديدة، رغم جهود الطاقم الطبي والعلاج الفعّال المستورد من أكثر البلدان ديمقراطية. قال له معاتبًا: “لقد جئت متأخرًا، التشخيص المبكر كان سيجنبك هذه المضاعفات الوخيمة”. أراد أن يقول له إنه لم يحصل على موعد قبل هذا، وأن المستشفى الجديد لا يقبل إجراء الفحوص قبل تسديد الرسوم التي لا يملكها، لكنه تذكّر معضلته مع سائق التاكسي، الذي ذهب دون أن يسمع كلمة شكر منه. اكتفى بالإيماء موافقًا، وفعل ذلك مع السائق أيضًا، غير أنها كانت بمعنى آخر.
عاد إلى البيت، وهو يفكر في ترتيب الطعام في المجمدة، إذ إنهما تركا هواية إعداد الطعام منذ الذي حصل لهما. ترك ذلك للمستقبل، فإذا كان يتسع لشفائه بعد البتر، فلماذا لا يتسع لترتيب أكياس في مجمدة؟ أدخل صينية بها قطع سمك في الفرن، وأشعل المدفأة ليريح عظامه الهشّة. استلقى على الأريكة، سوف يأخذ الفرن وقتًا طويلًا قبل أن يشوي السمك، عليه أولًا أن يُذيب الثلج، وكم هو صعب أن تعيد الدفء في الأشياء الجامدة.
الدفء دفعه لنومٍ غير إرادي. زوجته، كانت تضحك، تذكّرت شيئًا في الطفولة، أو حلمًا. ارتفع صوت تعبه من أنفه، لم تعره انتباهًا، ولم تهتمّ لدخان المدفأة النفطية، الذي تصاعد طرديًّا مع أنفاسه العاصفة، بل ظلّت تُلَوِّح لذكراها أَو أَحلامها، قبل أن تغطّ هي الأخرى في نومة عميقة جداً على كرسيها. الطعام أصبح جاهزًا، إلا أنه لا أحد اهتم للطعام في الفرن إلا عابر سبيل.
بعد ساعات، شمّ رائحة الشواء سكان الحي كله، وهم يرون عابر السبيل من زجاج النوافذ. كان وضعه مريبًا، لعله يسطو على البيت، وهذا ما عليهم أن يحذروا منه جدًا. دخل عليهم الارتياح، واطمأنوا من هوية الرجل المشتبه به، بعد أن دخل رجال الإطفاء أولًا، ثم رجال الشرطة. كانوا نشيطين جدًا في احتواء الموقف، وطمأنوا الحي بأن لا داعي للقلق، فالأمن مستتب، وإجراءات الدفاع المدني سليمة.

لا توجد جريمة، هو مجرد خطأ بشري، راح إثره ضحيتان، أو ضحية، فواحدة قد انصرفت قبل اليوم. حدث ذلك بسبب إهمالهم، وهذا يحصل في كل دول العالم، فلا جديد استثنائي في الموضوع.
جاء الورثة، ودموعهم تبلل ملابسهم السود بغزارة. وجدوا صعوبة في الوصول إلى البيت، إذ أن آخر مرة جاءوا فيها منذ وقت بعيد، قبل أن يحتفلا ببلوغ سن التقاعد، ليقترضوا منهما دينًا لم يجدوا وقتًا للإيفاء به. ليس سهلًا أن يتذكر المرء جميع الأشياء القديمة، فدماغه ليس دفترًا ولا حاسوبًا. ينبغي أن يعترف الإنسان بضعفه وزحمة الواقع. مع ذلك، وعلى الرغم من مشاغلهم الكثيرة، أقاموا مجلس عزاء ليوم واحد، وعلّقوا يافطة دُوّنت فيها جميع أسماء العائلة ومهنهم، حتى من لم يعودوا موجودين.
للذّكرى مكانٌ في القُلوب، أمّا المظاهر وإِضاعة الأَموال في المراسم فأَمرٌ عقيمٌ في زمن العولمة. القدماء حكماء بحق حينما قالوا: “الحيّ أبقى من الميت”، على الرغم من أن الأموات هم من بنوا البيوت التي يسكن فيها الأحياء. لذا، بعد أربعين يومًا، أصبح البيت معروضًا للبيع، بل هي أقل، فقد أُنقص منها عدد الأبناء الورثة. صعبَ عليهم انتظار الأربعين بأكملها، فقد انتظروا قبلها كثيرًا. حلٌّ عملي حكيم أن تتم تصفية الإرث سريعًا. إكرام الميت في دفنه، وهو أفضل من الدخول في منازعة تنتهي إلى نفس النتيجة. البداية كالنهاية، أوَ ليست نهاية الحرب، السلم الذي كان موجودًا قبلها؟
بسبب طيبتهم المفْرطة، اتَّفقوا على توزيع حلوى التَّمر من ثمن البيت على الجيران. حتى أنهم احتفظوا بحبة تمرٍ لعابر السبيل مع أنهم لم يجدوا له طريقا، لكن لا بأس عليه، إذ إنه، بينما كان الجيران منهمكين في السؤال عن سبب وجوده، والشرطة مشغولة بوضع شريطٍ أصفر مكتوب عليه “شرطة، ممنوع الاقتراب”، جلس يأكل السمك المشوي، وهو يسأل: هل سنصبح جميعًا سمكًا في فرن، ننتظر من يشم رائحتنا؟
سعر بيع البيت أغرى زوجين طموحين، يبتسمان في صورة كبيرة عُلّقت لتغطي بقعة في جدار غرفة الضيوف، عبقت برائحة دهان حديث، فشل في محو سخام المدفأة النفطية عنها. الزوجان الجديدان مشغولان في وضع دعامات زينة على شرفتهما، فهما ينتظران ضيوفًا قريباً لمناسبة قرب إحالتهما على التقاعد.

 

عن الکاتب / الکاتبة

ناهض الهندي
ناهض الهندي
روائي وقاص/ العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


فرن شواء

بقلم: ناهض الهندي | التاريخ: 9 مايو 2026

التصنيف: قصة قصيرة

فرن شواء

لا توجد جريمة، هو مجرد خطأ بشري، راح إثره ضحيتان، أو ضحية، فواحدة قد انصرفت قبل اليوم. حدث ذلك بسبب إهمالهم، وهذا يحصل في كل دول العالم، فلا جديد استثنائي في الموضوع.
جاء الورثة، ودموعهم تبلل ملابسهم السود بغزارة. وجدوا صعوبة في الوصول إلى البيت، إذ أن آخر مرة جاءوا فيها منذ وقت بعيد، قبل أن يحتفلا ببلوغ سن التقاعد، ليقترضوا منهما دينًا لم يجدوا وقتًا للإيفاء به. ليس سهلًا أن يتذكر المرء جميع الأشياء القديمة، فدماغه ليس دفترًا ولا حاسوبًا. ينبغي أن يعترف الإنسان بضعفه وزحمة الواقع. مع ذلك، وعلى الرغم من مشاغلهم الكثيرة، أقاموا مجلس عزاء ليوم واحد، وعلّقوا يافطة دُوّنت فيها جميع أسماء العائلة ومهنهم، حتى من لم يعودوا موجودين.
للذّكرى مكانٌ في القُلوب، أمّا المظاهر وإِضاعة الأَموال في المراسم فأَمرٌ عقيمٌ في زمن العولمة. القدماء حكماء بحق حينما قالوا: “الحيّ أبقى من الميت”، على الرغم من أن الأموات هم من بنوا البيوت التي يسكن فيها الأحياء. لذا، بعد أربعين يومًا، أصبح البيت معروضًا للبيع، بل هي أقل، فقد أُنقص منها عدد الأبناء الورثة. صعبَ عليهم انتظار الأربعين بأكملها، فقد انتظروا قبلها كثيرًا. حلٌّ عملي حكيم أن تتم تصفية الإرث سريعًا. إكرام الميت في دفنه، وهو أفضل من الدخول في منازعة تنتهي إلى نفس النتيجة. البداية كالنهاية، أوَ ليست نهاية الحرب، السلم الذي كان موجودًا قبلها؟
بسبب طيبتهم المفْرطة، اتَّفقوا على توزيع حلوى التَّمر من ثمن البيت على الجيران. حتى أنهم احتفظوا بحبة تمرٍ لعابر السبيل مع أنهم لم يجدوا له طريقا، لكن لا بأس عليه، إذ إنه، بينما كان الجيران منهمكين في السؤال عن سبب وجوده، والشرطة مشغولة بوضع شريطٍ أصفر مكتوب عليه “شرطة، ممنوع الاقتراب”، جلس يأكل السمك المشوي، وهو يسأل: هل سنصبح جميعًا سمكًا في فرن، ننتظر من يشم رائحتنا؟
سعر بيع البيت أغرى زوجين طموحين، يبتسمان في صورة كبيرة عُلّقت لتغطي بقعة في جدار غرفة الضيوف، عبقت برائحة دهان حديث، فشل في محو سخام المدفأة النفطية عنها. الزوجان الجديدان مشغولان في وضع دعامات زينة على شرفتهما، فهما ينتظران ضيوفًا قريباً لمناسبة قرب إحالتهما على التقاعد.
ناهض الهنديفي صباحٍ، استيقظ على صوت الزهايمر. زوجته الطموحة – مثله حينما قررا الارتباط – والأصغر منه سناً بقليل، تجاوزت سن التقاعد قبله، أصيبت بالزهايمر. إنها تتحدث مع (ابنها الضائع)، طفل وهمي تُكدّر ذكراه ساعات يقظته ومنامه. تناديه بصوت أقسى من تأوهات عظامه، وهي تتأوه احتجاجًا على ما فُرض عليها من دعاماتٍ حديدية. في الحقيقة، إنها هي من تُصدر صريرًا، لا عظامه. ليس مهمًا من يفعل ذلك؛ إنه صريرٌ وكفى. قيل له إنها سوف تساعده على الوقوف، لم يكن موقنًا من ذلك. ما هو واثق منه، أنها تؤكد عجزه. غدا رأسه أصلعًا بالكامل، بفعل عقاقير دخلت جسده؛ قيل له إنها سوف تقتل ورمًا خبيثًا في المستقبل، عليه أن ينتظر. كم بقي من العمر ليُهدر في الانتظار؟ لا يدري! أَوَ مَنْ يضع يديه في صندوقٍ فارغٍ يجد شيئًا؟
كانت تجلس في طرف السرير، تنظر إلى نقطة في الفراغ وتبتسم. لم يعد يعرف إن كانت تراه أم تتذكر وجهًا آخر. لا وقتَ للغيرةِ الآنَ؛ فقد حانَ موعدُ تبديلِ حفاضتِها. علم ذلك من رائحتها. تحمّس لتغييرها، لأنه يحب العطور الطيبة والموسيقى، غير أنه لم يَعُدْ يملك القوة الكافية لفعل ذلك. لكنه يفعل، ويُستثار فزعه حينما يلمس جسدها، إنه بارد مثل العقاقير التي يحتفظ بها في الثلاجة، ومثل المصرف الذي رفض أن يقرضه كلفة علاجه في المستشفى الحديث. لا أحد يزورهما، لا أحد يسأل. كل مشغول بأمره: الأولاد، الجيران، والطاقم الطبي الذي يعالجهما، فالكل لديه مشاغل جَمَّة يجب أن تُؤَدَّى.
حاول الوصول إلى باب البيت الخارجي. ليس للنزهة، بل لديه موعد فحص دوري كل ستة أشهر في المستشفى، مع أنه تأخر أكثر من ذلك بكثير، بسبب كثرة المتقاعدين ودخان البئر النفطية التي تجلب الثراء. لوّح لتاكسي، وآخر. توقّف أحدهم، بعد أن حاول أكثر من محاولات سيزيف في إيصال الصخرة إلى القمة. معضلة أخرى: كيف يُقْنِعُ السائقَ أنّه ليس مُتشردًا أو مُعتوهًا؟ كلماته خرجت متقطعة، تشبه مواء قط. السائق ينظر له بشفقة، يحاول أن يفهم ما يجري. تذكّر المتقاعدُ أيامَهُ في بحرِ القراءة، وأيقنَ أنّه ما زالَ يُجيدُ الكتابة. أخرج ورقة من معطفه، الجو ليس باردًا، هو وحده يشعر بذلك، حتى زوجته لا تفعل، إنها لم تعد تشعر بأشياء كثيرة منذ أن رافقها الزهايمر.
الأمر ليس سيئًا، فقد خفّفت عن نفسها وعنه جولات التسوق المرهقة له. الشعور بالحاجة يتطلب سدّها، وسدّها يتطلب سعيًا ومالًا، ليس من السهل الحصول عليه مع الإعانة الاجتماعية. أَليسَ مِنْ حسن الحظّ أَلَّا تُصابَ بوعي الشّعور؟ خطه ارتعش، أصابعه لم تعد تُسيطر على القلم كما كانت تفعل، منذ آخر جلطة دماغية. الحالة تستدعي بلوغ المستشفى، مع أنها ليست طارئة، هكذا قال السائق لنفسه. مصادفة جميلة أخرى، فلأول مرة منذ حصوله على أول فرصة عمل، يلازمه حسن الحظ اليوم، أدرك أن هناك مستشفى حكوميًا وحيدًا في البلدة. لم يُبنَ غيره، منذ أن أصبح التعليم والصحة يقدمان خدمات رائعة غير مجانية.
قال له الطبيب إن بترًا قادمًا، لا مفرّ منه. الورم، للأسف، يمتدّ لأماكن جديدة، رغم جهود الطاقم الطبي والعلاج الفعّال المستورد من أكثر البلدان ديمقراطية. قال له معاتبًا: “لقد جئت متأخرًا، التشخيص المبكر كان سيجنبك هذه المضاعفات الوخيمة”. أراد أن يقول له إنه لم يحصل على موعد قبل هذا، وأن المستشفى الجديد لا يقبل إجراء الفحوص قبل تسديد الرسوم التي لا يملكها، لكنه تذكّر معضلته مع سائق التاكسي، الذي ذهب دون أن يسمع كلمة شكر منه. اكتفى بالإيماء موافقًا، وفعل ذلك مع السائق أيضًا، غير أنها كانت بمعنى آخر.
عاد إلى البيت، وهو يفكر في ترتيب الطعام في المجمدة، إذ إنهما تركا هواية إعداد الطعام منذ الذي حصل لهما. ترك ذلك للمستقبل، فإذا كان يتسع لشفائه بعد البتر، فلماذا لا يتسع لترتيب أكياس في مجمدة؟ أدخل صينية بها قطع سمك في الفرن، وأشعل المدفأة ليريح عظامه الهشّة. استلقى على الأريكة، سوف يأخذ الفرن وقتًا طويلًا قبل أن يشوي السمك، عليه أولًا أن يُذيب الثلج، وكم هو صعب أن تعيد الدفء في الأشياء الجامدة.
الدفء دفعه لنومٍ غير إرادي. زوجته، كانت تضحك، تذكّرت شيئًا في الطفولة، أو حلمًا. ارتفع صوت تعبه من أنفه، لم تعره انتباهًا، ولم تهتمّ لدخان المدفأة النفطية، الذي تصاعد طرديًّا مع أنفاسه العاصفة، بل ظلّت تُلَوِّح لذكراها أَو أَحلامها، قبل أن تغطّ هي الأخرى في نومة عميقة جداً على كرسيها. الطعام أصبح جاهزًا، إلا أنه لا أحد اهتم للطعام في الفرن إلا عابر سبيل.
بعد ساعات، شمّ رائحة الشواء سكان الحي كله، وهم يرون عابر السبيل من زجاج النوافذ. كان وضعه مريبًا، لعله يسطو على البيت، وهذا ما عليهم أن يحذروا منه جدًا. دخل عليهم الارتياح، واطمأنوا من هوية الرجل المشتبه به، بعد أن دخل رجال الإطفاء أولًا، ثم رجال الشرطة. كانوا نشيطين جدًا في احتواء الموقف، وطمأنوا الحي بأن لا داعي للقلق، فالأمن مستتب، وإجراءات الدفاع المدني سليمة.

لا توجد جريمة، هو مجرد خطأ بشري، راح إثره ضحيتان، أو ضحية، فواحدة قد انصرفت قبل اليوم. حدث ذلك بسبب إهمالهم، وهذا يحصل في كل دول العالم، فلا جديد استثنائي في الموضوع.
جاء الورثة، ودموعهم تبلل ملابسهم السود بغزارة. وجدوا صعوبة في الوصول إلى البيت، إذ أن آخر مرة جاءوا فيها منذ وقت بعيد، قبل أن يحتفلا ببلوغ سن التقاعد، ليقترضوا منهما دينًا لم يجدوا وقتًا للإيفاء به. ليس سهلًا أن يتذكر المرء جميع الأشياء القديمة، فدماغه ليس دفترًا ولا حاسوبًا. ينبغي أن يعترف الإنسان بضعفه وزحمة الواقع. مع ذلك، وعلى الرغم من مشاغلهم الكثيرة، أقاموا مجلس عزاء ليوم واحد، وعلّقوا يافطة دُوّنت فيها جميع أسماء العائلة ومهنهم، حتى من لم يعودوا موجودين.
للذّكرى مكانٌ في القُلوب، أمّا المظاهر وإِضاعة الأَموال في المراسم فأَمرٌ عقيمٌ في زمن العولمة. القدماء حكماء بحق حينما قالوا: “الحيّ أبقى من الميت”، على الرغم من أن الأموات هم من بنوا البيوت التي يسكن فيها الأحياء. لذا، بعد أربعين يومًا، أصبح البيت معروضًا للبيع، بل هي أقل، فقد أُنقص منها عدد الأبناء الورثة. صعبَ عليهم انتظار الأربعين بأكملها، فقد انتظروا قبلها كثيرًا. حلٌّ عملي حكيم أن تتم تصفية الإرث سريعًا. إكرام الميت في دفنه، وهو أفضل من الدخول في منازعة تنتهي إلى نفس النتيجة. البداية كالنهاية، أوَ ليست نهاية الحرب، السلم الذي كان موجودًا قبلها؟
بسبب طيبتهم المفْرطة، اتَّفقوا على توزيع حلوى التَّمر من ثمن البيت على الجيران. حتى أنهم احتفظوا بحبة تمرٍ لعابر السبيل مع أنهم لم يجدوا له طريقا، لكن لا بأس عليه، إذ إنه، بينما كان الجيران منهمكين في السؤال عن سبب وجوده، والشرطة مشغولة بوضع شريطٍ أصفر مكتوب عليه “شرطة، ممنوع الاقتراب”، جلس يأكل السمك المشوي، وهو يسأل: هل سنصبح جميعًا سمكًا في فرن، ننتظر من يشم رائحتنا؟
سعر بيع البيت أغرى زوجين طموحين، يبتسمان في صورة كبيرة عُلّقت لتغطي بقعة في جدار غرفة الضيوف، عبقت برائحة دهان حديث، فشل في محو سخام المدفأة النفطية عنها. الزوجان الجديدان مشغولان في وضع دعامات زينة على شرفتهما، فهما ينتظران ضيوفًا قريباً لمناسبة قرب إحالتهما على التقاعد.