يحيى السماوي وحكاية ممتدة في الشعر والأرق
يعدّ الشاعر يحيى السماوي من الشعراء الكبار عمرًا ومكانةً، فهو من جيل استطاع بشاعريته ومعرفته وخبرته ومراسه للشعر والقافية، وتجرّعه لما في الأرض من أفانين اللوعة والغربة والفكر، أن يشكّل ظاهرة ممتدة في الشعر العربي تتعلّق بالحرمان والنضال والبوح بالشعر والأدب دون أن يكون مُوَجَّهًا وجهة واحدة، ودون أن يكون مؤطّرًا في إطار أيديولجي مُصْمَت.
ملامح التجربة الإبداعية بين الأصالة والتجديد:
في شعر يحيى السماوي نجد ذلك الفيض الشعري الذي يأخذ من أصالة الشعر ويعطي للشعر رونقًا مختلفًا، وهذه النوعية من الشعراء قليلة، قلّ أن نجد أولئك الشعراء الذين ثقفوا وفهموا وخبروا القصيدة والقافية والبحر، فركبوا البحر دون أن يشبهوا البحور السابقة، وانطلق من الموروث ليقدّم شعرًا حاضرًا يصوّر المأساة ويصوّر الفرح، يصوّر الانتكاسات ويصوّر النجاحات كذلك.
رحلة النخلة المسافرة من السماوة إلى المنافي:
ومن سوء الطالع أن عددًا كبيرًا من الشعراء العرب في النصف الثاني من القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، كانوا مشتتين في أصقاع الأرض، لذلك نجد نتاجاتهم ملونة ومفرقة موزعة، ومن هؤلاء يحيى السماوي الذي خرج من السماوة في العراق ملونًا بالمأساة والحزن والألم، حاملًا نخلته التي أشبعها فكرًا حديثًا ليطوف بها البلدان..
القصيدة عند السماوي ثوبٌ يشبه لابسه:
في شعر يحيى السماوي نجد شاعرًا مختلفًا، شاعرًا يكتب القصيدة العربية بشطريها ولكنها ليست تقليدًا وليست ترسّمًا، وإنما هي قصيدة على نهج أصيل بثياب تشبه لابسها، ويكتب كذلك القصيدة الحديثة ليعود بها ويغمسها بحبر الشعر العربي الأصيل.
فلسفة المبدأ:
يحيى السماوي شاعر أصيل ومُكثر، عمّد حرفه بالشعر حتى أصبح شاعرًا في كلامه كله، إضافة إلى ما ملكه من رهافة الحس والشعور وما استطاع أن يبنبه من علاقة مع الأدباء تقوم على كثير من الاحترام والودّ والتقدير، فيحيى السماوي عندما تقابله وهو يستمع إلى شاعر يشدو، مهما كان عمره، تسمع منه كلمة “أحسنت”.
تلون بألوان الفكر والحياة فعرف المنافي والاعتقال، اليمين واليسار، ولكنه كان متوازنًا في حياته وهيئته، ليس الإيمان تحولًا، بل هو مبدأ يحيا عليه، وليس اليسار مرحلة بل هو نهج فكري يؤمن به ولا ينساق وراءه.
البكاء على كتف الوطن:
ليس المجال هنا لدراسة يحيى السماوي فهو قامة شعرية كبيرة ورحلة إنسانية ثرّة وغنيّة، وليس لدراسة شعره بشكل عام فذاك يحتاج إلى وقفات طويلة، ولكنني وأنا أقرأ في شعره في ديوان لفتني عنوانه “البكاء على كتف الوطن” الصادر في دمشق عام 2008م عن دار التكوين، وقفت أمام قصيدة تحمل عنوانًا لافتًا أيضًا “القتلى لا يُحييهم الاعتذار”
فأي قتلم هم؟!
ومن الذي يتوجه بالاعتذار لهؤلاء القتلى؟!
قصيدة ليست مقطوعة تتناول موضوعًا إنسانيًا بين متحابين..
الموضوع هو موضوع أزلي ويبقى، لا أقول موضوع قديم، فالمشاعر لا تتصف بالقدم وإنما بالأزليه، فعلى المدى ومنذ البدء وحتى الخاتمة هناك مشاعر مرهفة يمكن أن تتكرر بصورة أو بأخرى، ولكن كيف يكون الموضوع في خصوصية الحدث وفي خصوصية الطرح والتعامل بين متحابين؟
يضاف إلى ذلك القضية الأخرى وهي اللغة التي يعرض فيها الشاعر، وبعد ذلك ما فائدة الموروث الذي تناوله الشاعر في قصيدته؟ ولا بد من الوقوف أيضًا عند الثوب الذي اختاره الشاعر للتعبير عن لحظة دقيقة في حياة إنسانين مرهفين، أحدهما يرى نفسه قتيلًا والآخر يرى نفسه قتيلًا وكيف السبيل إلى الاعتذار؟ وهل يُحيي الاعتذار ما تعرّض للقتل؟
القافية العينية والألم:
بقافية عينية مطلقة اختار السماوي أن يعبّر عن لحظة فيها كثير من الألم، والقافية العينية معروفة في شعرنا بأنها تعطي المزيد من الألم والتوجّع..
فيمَ اعتذارك ما أبقيت لي متَعا
تغوي العيون بنجم ضاحكٍ سطعا
ثم ننظر إلى هذه القصيدة بعدد من أبياتها، اختار الشاعر أن تكون قصيدته قصة، حكاية..
فيمَ اعتذارُك؟ ما أبقيتِ لي متَعا
تغوي العيونَ بنجمٍ ضاحكٍ سطعَا
فهل يُعيد لمذبوحٍ صدى أسفٍ
نبضًا ويُعشِب صخرًا مائجٌ خدعا
أتيتُ حقلكِ أستجدي خمائله
بعضًا من الظلّ لا الأعنابِ فامتنعَا
ونراه يروي الحكاية وكأنها قصة، ليكمل:
كبَت على شفتي مذبوحةً لغتي
وأجهشت ضحكةٌ تستعطف الهلعا
هدمتِ كعبة أحلامي ولا سببٌ
إلّا لأنّ فؤادي عندها خشعا
تركتِ لي في دروب العشق
أغنيةً شهيدةً وهزاري بعد ما يفعا
سلي ثراكِ أمثلي نازقٌ مطرًا
وناهديكِ أمثلي مبسمٌ رضعا
ومقلتيكِ أكحلٌ زان هدبَهما
كما فمي وكصدري كان منتجعا
ليختم:
وما أسفٌ على نزفي ووأدِ غدي
ولا على كبريائي المَطمَح افترعا
خَدعتِني؟ لا وربي خادعي حلمٌ
مضببٌ لامسته الشمس فانقشعا
ضحيةٌ أنتِ إلّا أنّ قاتلها
غرورها وأخو الدنيا بما طُبعا
فجهّزي للهوى غُسلًا ومرثيةً
أمّا أنا فضياعي جهّز الجزعا
الطريف بأن الشاعر هنا لم يحمّل المحبوبة وزر انتهاء هذا الحب الجميل، ولم يخرج من إطار المظلومية أيضًا، وفي سياق القصيدة التي اخترت منها، وهي لا بأس بها في الطول يستعرض أعلام الشعر من قيس بن المُلوّح إلى توبة بن الحُمَيّر، لكنه يأبى أن يكون إنسانًا يُمثّل المظلومية، وذاك توضّح في “خدعتني” ولا ينتظر طويلًا ليراوغ القارئ والمُحبّ مباشرة “لا وربي خادعي حلمٌ مضببٌ لامسته الشمس فانقشعا” ويقرّ للمحبوب “ضحيةٌ أنتِ” لكنه يحدد القاتل “غرورها وأخو الدنيا بما طُبعا”
ثم تأتي الكلمات لترسم صورة مختلفة:
تركتني في دروب العشق أغنية
شهيدة وهزاري بعد ما يفعا
مخضب بالأسى ما إن يضاحكه
حقل المسرة حتى يصطلي وجعا
ما بين اللحظة الأولى للاعتذار وهي لحظة الخاتمة واللحظة الأخيرة وهي الرد على الاعتذار، بدأ بقوله:
“فيمَ اعتذارك؟” وختم “فجهزي للهوى غسلا ومرثية” ما بينهما كان المونولوج والعودة إلى كل اللحظات الجميلة وكأنه بذلك يسرد حكايته كلها ليضعها بين يدي من يحب تعويذة حكاية شهادة،
أجل سعيت إلى حتفي ولا عجب
فابن الملوح قبلي والطريد سعى
لثمت من شغفي جرحي لأبديه
من ورد كفك دفئًا في دمي ضوعا
فالحالة المتكررة عند الناس جميعًا عند كل محبوبين تنتهي بهذه الطريقة غالبًا، كثيرون لا يجيدون التعبير أو لا يعبرون، ويتركون للأدب والشعر أن يعبّر، وقليل من الشعراء هم من عبّر عن هذه لحالات، ونادرون هم الذين يستطيعون الخروج من نرجسيتهم في تصوير مثل هذه الحالة.
يحيى السماوي شاعراً وإنساناً:
في هذه القصيدة تظهر حقيقة نفس الشاعر يحيى السماوي الذي يشعر الألم، لكنه لا يردّه إلى الآخر، وإنما يصمم في غور النفس الإنسانية ليحدد الظالم الحقيقي والمظلوم الحقيقي، فالمحبوبة التي صلّى أمام كعبتها وحصل ما حصل، يُسائلها ويجيب لأنها هي بريئة، لكن براءتها ليست تامّة، فهي وقعت ضحية للدنيا وغرورها، وهو مخدوع، لكن الذي خدعه تصوّره للحياة من خلال الحلم، من هنا يأتي في الخاتمة لا ليطلب عودة ولا ليشتم مخادعًا، وإنما يقوم بتجهيز هذا الحلم الجميل الهوى “جهّزي للهوى غسلًا ومرثية” من الناحية المادية تشييع الهوى، ومن الناحية المعنوية مرثية لبكائه، أما الخاتمة التي يراها الشاعر فهي الضياع “فضياعي جهّز الجزعا” فالضياع هو الخاتمة الحقيقية لمن جهّز الغسل للهوى وجهّز الرثاء، بغض النظر عن الجاني والمجني عليه، هذه القصيدة تعطي نموذجًا متعددًا عن يحيى السماوي الإنسان والشاعر:
هو شاعر أصيل متمكن ابن للقصيدة العربية في تاريخها الطويل.
شاعر يخرج الشعر من روحه لا من شفتيه، لذلك خرج بقافيته العينية المتوجّعة ليعبّر عن مدى هذا الألم.
الحكاية والتراث الوجود لديه، جعله يسرد قصة للهوى غير محدودة بزمان أو مكان في لقطة حكائية ماهرة من لقاء يرفض الاعتذار إلى خاتمة تطلب تجهيز الكفن للحب والهوى.
القصيدة محكمة في جزالتها، فهي قوية اىمعاني لكنها قريبة المأخذ بألقاظها.
الصورة المتفوقة عند الشاعر ليس الشعر كلامًا يرصف، وإنما صور تترى.
“القتلى لا يحييهم الاعتذار” قصيدة نموذج وربما اخترتها لأنها لحظة وجدانية تعيدنا إلى الذات في لحظات تتحرك الدنيا في أطر محيطة بالذات، لكنها لا تصل إلى العمق كما تصل قصيدة الوجدان.
حقيق بالشعر أن يكون مهذِّبا ومهذَّبا أن يكون قارئًا ومقروءًا أن يكون نشارًا للوعي ومنشورًا بترقية الروح.
وتحية لإبداع يحيى السماوي وهو يسند كتفه إلى رأس الوطن ليبدأ رحلة البكاء.
د.بشیر سوادي
اسماعيل آلرجب
عبدالحسین الشیخ علي
التعليقات