الأثر والنتيجة
سحق ثقافة الاطفال بين فكي الاهمال والبلادة
الأمر لا يتطلب منا وضع التأكيدات والهوامش التعريفية؛ فإهمال قضية مثل برامج الأطفال الثقافية يكشف، بما لا يقبل الدحض، عن خواء وضحالة تفكير لا يمكن تبريرها لمسؤول حكومي يتصدى لقيادة بلد كما يحدث هنا. طالما أن قضية بمثل أهمية ثقافة الأطفال تعد في صدارة مهام ومسؤولية الدولة الحديثة التي تهتم بمستقبلها، فماذا نفعل إذا كانت المؤسسات الثقافية المعنية بالطفولة معطلة ومهملة بسبب غياب التمويل والرعاية؟ بينما تذهب المشاريع التي تُقدم كهبات ومنح إلى تنفيذ برامج غبية وفق مبدأ “هذا صاحبي وهذا قريبي”.
الناس في حكومة الفضائيات مشغولون بالدعوات والموائد والمهرجانات؛ فهنالك “شعر العمالقة” وقصائد المديح والثناء، وهناك مهرجانات لقصص العمالقة ونثرهم، سواء كانوا رجالاً أم نساء. فأينما يممت وجهك، ستجد يافطة عريضة لمهرجان ثقافي تُنفق عليه الملايين بلا “وجع قلب”، بمبرر أن الثقافة ليست مشروعاً ربحياً لكي يُحسب نتاج الحقل والبيدر والسوق. أما كُتّاب الطفل، من قصاصين وشعراء ومسرحيين، فتتلاعب بهم الآمال والمواعيد المؤجلة العاطلة عن العمل.
ما علينا؛ ثمة أسباب عديدة تكشف عن انحطاط الوعي وتفاهة التفكير حين يقفز السؤال: لماذا أدب الأطفال في العراق مهمل ولا ينال الاهتمام الذي يستحقه؟ الأمر ببساطة شديدة ترقى أن تكون سذاجة مقنعة بالمرارة، ترتبط بوجهة نظر قدمها مختص عرف نفسه خبيراً بالري، وهو جانب لا يرتبط بأي علاقة موضوعية ببحثنا، بقدر ما تعنيني مستويات التفكير التي تحكم وعي “السياسي العراقي بالمصادفة”. ففي رد على سؤال قال: “إن السبب العميق غير المعلن لإهمال الدولة للمشاريع الاستراتيجية هو أن المسؤول في الأنظمة غير المستقرة يبحث عن البروباغندا سريعة التأثير؛ فهو يريد منجزاً يراه الجمهور ويصفق له قبل انتهاء دورته الانتخابية”.
هذا الخبير الحصيف قال: “إن تعبيد شارع لا يستغرق سوى شهر، فتسلط عليه أضواء الإعلام باعتباره منجزاً كبيراً، أما بناء السدود فيتطلب سنوات عديدة قد تأتي وتذهب الحكومات قبل أن يُنجز؛ لذا يهدرون المياه العذبة ويتركونها تذهب إلى حال سبيلها، فيتلقاها باحضانه خليج الملح واليباب”. هذا هو السبب العميق لإهمال المشاريع الاستراتيجية؛ وثقافة الطفل هي الأخرى مشروع استراتيجي، فبناء جيل يحتاج لعقد كامل لكي تظهر نتائجه، وهو ما لا يخدم النزعة الإعلامية للمسؤول الذي يريد قطف الثمار فوراً.
عاصرنا حقبة النظام الشمولي الذي انتبه إلى أهمية الطفولة وعمل على إقامة برامج طويلة الأمد لتجنيد ثقافتهم عبر مدهم بأفكار السلطة والمنظمات والإصدارات المصورة، فالفكرة كانت أن النظام قائم ولا يتغير. كانوا يعرفون جيداً أن الأثر المرجو لن يظهر قبل مرور سنوات، فلا مشكلة في انتظار السلطة التي تعرف أنها لن تجني ما بذرته إلا حين ينضج الأطفال وتتجذر المفاهيم في وعيهم. أما الآن، فما علاقة وزير أو مدير بمشروع ثقافي سيسرقه المدير اللاحق ويجيره لنفسه؟!
غياب الرؤية الاستراتيجية نابع من أن المسؤول ليس أكثر من عابر سبيل، يعلم أنه قد يغادر منصبه غداً، فلماذا يرهق نفسه ببناء كيان ثقافي سيجيره من يأتي بعده لحسابه الإعلامي؟ ثمة أمر آخر يتعلق بمرجعية المسؤول المصاب بجهل ثقافي مزمن؛ فهو لم يترعرع في طفولته على مجلة “مجلتي” أو “المزمار”، ولم يشاهد عرضاً مسرحياً للطفل، وبالنتيجة هو يفتقر إلى الخيال، ولا يدرك أن قصة أطفال يمكن أن تمنع ظهور إرهابي أو فاسد بعد عشر سنوات. بالنسبة لهذا المسؤول، تعد ثقافة الطفل ترفاً فائضاً وكماليات لا تحقق له شهرة ولا تدر عليه أموالاً أو أصواتاً انتخابية. المسؤولون لم يترعرعوا على ثقافة الأطفال بسبب الوسط الاجتماعي؛ فآباء وأمهات الطبقات الدنيا كانوا مشغولين بملء البطون أكثر من اهتمامهم باقتناء قصة لأطفالهم، لذا فالجيل الحالي من القادة غير معنيين ولا يبالون، لأنهم لا يدركون أهمية ذلك كما تفعل الأنظمة العاقلة.
راغده شفيق محمود
رجاء فرج
علي اليدري علمي
التعليقات