قراءة نقدية لقصة “الأرجوحة التي علّقت الذاكرة” للقاص مؤيد الشاوي

صورة الكاتب
بقلم: د. ماجد القيسي
التاريخ: 12 مايو 2026 عدد المشاهدات: 2226
قراءة نقدية لقصة “الأرجوحة التي علّقت الذاكرة” للقاص مؤيد الشاوي

قراءة نقدية لقصة “الأرجوحة التي علّقت الذاكرة” للقاص مؤيد الشاوي

تبدأ قصة “الأرجوحة التي علّقت الذاكرة” للأديب مؤيد الشاوي من عتبة عنوانها الذي يشي بمفارقة بصرية وشعورية؛ فالأرجوحة في المتخيل الجمعي رمز للمرح والطفولة، لكنها هنا تقترن بـ “الذاكرة” لتقيدها، وتتحول من أداة للتحليق إلى مشجب للوجع. منذ السطور الأولى، يمتص القارئ حالة من الشجن الشفيف، حيث تبدأ القصة بنبرة هادئة، “صباح يفتح عينيه”، وسرعان ما تتحول هذه الطمأنينة إلى صدمة وجدانية حين يصطدم بطل القصة (الأب) بمشهد الطالبة المنعزلة. هذا التحول من “مهرجان الربيع” الجامعي إلى “طقس العزاء” الفردي هو ما يمنح النص روحه الحزينة التي تغلغلت في وجداني كقارئ، حيث لم تكن القصة مجرد حكاية عن اليتم، بل هي تجسيد للحظة انكسار الزمن في قلب إنسان. ​بالانتقال إلى تشريح الشخصيات، نجد أن “الشرارة” المحركة ليست في فعل الحركة، بل في فعل “التأمل”. البطل هنا هو “الرجل” الذي يمثل عين الحكمة والعاطفة الأبوية، بينما الطالبة هي “المركز” الذي يشع بالألم. إنها لا تريد استعطافاً، بل تريد “استحضاراً” للغياب. أما المكان (الحرم الجامعي)، فقد تم توظيفه ببراعة؛ إذ تحول من فضاء عام يعج بالضجيج والحياة والشباب، إلى زاوية ضيقة تحت “ظل شجرة عظيمة” لتكون معبداً خاصاً للفتاة. المكان هنا ضاق حتى أصبح بحجم “كمامة”، واتسع حتى شمل سماء الذكريات، مما جعل الجغرافيا مجرد خلفية للحالة النفسية المحتقنة. ​تتجلى براعة الشاوي في “هندسة الحذف” وتكثيف اللغة، فالكمامة التي كانت رمزاً للاختناق والوباء في الواقع، تحولت في النص إلى “أرجوحة”، وهي استعارة مدهشة قلبت وظيفة الشيء من الحماية الجسدية إلى الاحتواء الوجداني. لغة النص ليست مجرد وصف، بل هي لغة مشحونة بالرموز؛ فالوردة الحمراء “التي تنزف” والبيضاء “التي تتهيأ للرحيل” اختصرتا تاريخاً من الفقد دون الحاجة لشرح طويل. أما صوت الراوي، فهو راوٍ عليم يمتزج صوته بصوت “علي حسين جابر” (مصدر القصة)، مما يضفي موثوقية عالية على النص، وكأننا أمام شهادة إنسانية حية، لا مجرد خيال أدبي. ​تصل القصة إلى “لحظة التنوير” أو “القفلة” حين تتدخل الطبيعة (النسمة الخفيفة) لتمسح دموع الابنة عبر تمايل الورود. هذه النهاية كانت “ضربة معلم”؛ لأنها لم تغلق الجرح، بل جعلته “يُزهر”. لم تكن القفلة عادية، بل كانت انفجاراً عاطفياً جعل البطل (والقارئ معه) يدرك أن الذاكرة ليست ماضياً ننساه، بل هي كائن حي يتأرجح معنا في كل لحظة. النهاية تركتنا معلقين بين “الغياب والحنين”، مؤكدة أن الفقد لا يُشفى، بل يُعاش. ​ختاماً، إن هذه القصة تتجاوز كونها سرداً لحادثة حزينة، لتطرح قضية إنسانية كبرى: كيف يرمم الإنسان انكساراته بأدوات بسيطة؟ لقد أضافت لي هذه القصة قناعة بأن الجمال قد يولد من رحم الفجيعة، وأن “الأرجوحة” ليست دائماً للعب، بل قد تكون وسيلة للبقاء على قيد التواصل مع من نحب. إنها قراءة في سيكولوجيا الفقد، كُتبت بمداد القلب قبل الحبر، لتبقى عالقة في ذاكرة كل من يمر بشارع الفراهيدي أو يمر بهذا النص. ***************** مثل كلِّ يومِ جمعة، أمضي إلى شارع الفراهيدي؛ شارعِ الثقافةِ والكتب، حيثُ تلتقي الأرواحُ قبل الوجوه، ويتقاطع الأدباءُ والأحبةُ تحت ظلالِ الحرفِ والكلمة. هناك، وبين دفءِ الأحاديثِ ورائحةِ الكتب، استقرَّ بي المطافُ عند الأديبِ والتشكيلي علي حسين جابر، الذي أخذ يحدّثني بصوتٍ يختلطُ فيه التأملُ بالدهشة. روى لي كيف رافقَ ابنته إلى الجامعة، وكيف لفتت انتباههُ طالبةٌ جلست بصمتٍ في زاويةِ المكان، وقد جعلت من كمامتِها أرجوحةً صغيرةً تتأرجحُ بين يديها، كأنها تحاول أن تُخفِّف بها شيئًا من ثقلِ الأيام. كان المشهدُ بسيطًا في ظاهره، لكنهُ عميقٌ إلى حدٍّ جعل قلبه يرتجفُ تأثرًا، وكأن تلك الحركة العابرة تختصرُ حكايةَ جيلٍ كامل. تأثرَ كثيرًا بهذه القصةِ الحقيقية، حتى شعرتُ أن الكلماتِ لم تعد تكفي لاحتواء ما رآه، فقررتُ أن أُسطرها على الورق، وأتركها بين أيديكم حكايةً تنبضُ بالإنسانيةِ والوجعِ والجمال. ***************
الأرجوحة التي علّقت الذاكرة كان الصباح يفتح عينيه على مدينةٍ تتثاءب تحت دفء شمسٍ خجولة. في ذلك اليوم، مضى الرجل بخطواتٍ متردّدة نحو الجامعة، موعده مع ابنته الصغيرة التي تدرس هناك. الطريق إلى البوابة كان مزدانًا بأشجارٍ باسقة، ينساب بينها عطرُ الأرض بعد المطر، كأنَّ الربيع قرّر أن يُقيم مهرجانه في تلك الساعات وحدها. وحين دخل الحرم الجامعي، غمرته حركةُ الحياة. الطلبة يعبرون الممرّات، يضحكون، يتهامسون، يحملون كتبهم كما يحمل العاشق وردةً يخشى عليها من الريح. تتعالى أصواتهم كأنها موسيقى متشابكة، فيها نغماتُ الحلم، وأصداءُ الطفولة، وبقايا قلقٍ من امتحانٍ قريب. كان يراهم في زهوّهم كطيورٍ تجرّب أجنحتها للمرّة الأولى، وفي عينيه فرحٌ خافت؛ فرحُ أبٍ يرى في الشباب ملامح الأمل الذي لم يمت. لكنّ خطواته توقّفت عند ظلّ شجرةٍ عظيمةٍ في آخر الممرّ. هناك، كانت طالبةٌ وحيدةٌ تجلس صامتة، تضع حقيبتها إلى جانبها، وأمامها غصنان نضيران قطعتهما للتوّ من الشجرة. كانت تعمل بصمتٍ يشبه الصلاة، تربط كمّامتها بين الغصنين لتصنع أرجوحةً صغيرة، ثم وضعت في وسطها وردتين: إحداهما حمراء كأنها تنزف، والأخرى بيضاء كأنها روحٌ تتهيّأ للرحيل. ظلّ يراقبها مأخوذًا بمشهدٍ لا يُفسَّر. الطلبة يعبرون حولها، بعضهم يبتسم وبعضهم يتجاهلها، لكنّها لم ترَ أحدًا؛ كانت غارقةً في عالمها، تحدّق في الأرجوحة كما يحدّق طفلٌ في وجه أمّه الراحلة. اقترب أكثر، فسمع همسها المتقطّع: يا يِمّه… يا بويّه… كان صوتها خافتًا، كأنّ الريح هي التي تنطق به، ثم انساب الدمع على وجنتيها، يلمع تحت ضوء الشمس كحبّات لؤلؤٍ تساقطت من قلبٍ مكسور. لم يتمالك نفسه، اقترب منها بخطواتٍ حذرة، وقال بصوتٍ مرتعش: يا ابنتي… ماذا تفعلين؟ لقد مزّقتِ قلبي بهذا المشهد… رفعت رأسها ببطء، وعيناها غارقتان في البكاء، وقالت: هذه الوردة الحمراء أبي، وهذه البيضاء أمي… رحلا معًا في حادث سيرٍ قبل عامين، ومنذها أجيء إلى هنا، لأعلّق بين الغصنين قلبي، أُرجّحه كما كانت أمي تفعل حين كنتُ طفلة، وأهمس لهما كي لا ينسيا صوتي. تجمّد في مكانه، والدموع تتساقط بلا استئذان. شعر أنّ قلبه يتهدّم بهدوءٍ في صدره، وأنّ تلك الأرجوحة الصغيرة قد علّقت فيه كلَّ ما ظنَّه نُسي. أغمض عينيه، فرأى ابنته التي جاء من أجلها، وشعر أنّ العالم بأسره انكمش في مساحةِ وردتين تتأرجحان بين الغياب والحنين. جلس على مقعدٍ قريب، والنسيم يداعب الأرجوحة برفق، فتتمايل الورود كما لو كانت تُجيب على نداءٍ من السماء. وحين وصلت ابنته بعد قليل، رأته يبكي بصمت، وحين سألته عن السبب، أشار نحو الفتاة وقال: هناك، بين الغصنين، علّقت الذاكرة نفسها، وأنا لم أعد أملك قلبًا إلا ليبكي. هبّت نسمةٌ خفيفة، مرّت على الأرجوحة، فتراقصت الوردة الحمراء إلى جوار البيضاء، كأنّ الأب والأم عادا للحظةٍ قصيرةٍ ليمسحا دموع ابنتهما، ثم تركا النسيم يحمل الأرجوحة، ويحمل معها قلب الرجل إلى حيث لا يُشفى الوجع.

عن الکاتب / الکاتبة

د. ماجد القيسي
د. ماجد القيسي
ناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

قراءة لقصة “خطأ لا يُغتفر — أثر لا يُمحى” للكاتبة أسيل عبد الأمير

قراءة لقصة “خطأ لا يُغتفر — أثر لا يُمحى” للكاتبة أسيل عبد الأمير

تعد قصة “خطأ لا يُغتفر — أثر لا يُمحى” للكاتبة أسيل عبد الأمير نصاً سردياً…

صورة الكاتب د. ماجد القيسي
7 مايو 2026
اقرأ المزيد
قراءة لقصيدة “أيقَنْتُ أَنَّنِي شَاعِرٌ مَصْلُوب” للشاعر باقر طه الموسوي

قراءة لقصيدة “أيقَنْتُ أَنَّنِي شَاعِرٌ مَصْلُوب” للشاعر باقر طه الموسوي

“أيقَنْتُ أَنَّنِي شَاعِرٌ مَصْلُوب” أيقَنْتُ أَنَّنِي شَاعِرٌ مَصْلُوبٌ، وَعَاشِقٌ بَصَرِيٌّ كَأُفُقِ الشُّهُبِ، فِي زَمَنٍ هَمَجِيٍّ…

صورة الكاتب د. ماجد القيسي
22 أبريل 2026
اقرأ المزيد
“إطلالة من نافذة العدل” قراءة نقدية لقصيدة الشاعر باقر طه الموسوي

“إطلالة من نافذة العدل” قراءة نقدية لقصيدة الشاعر باقر طه الموسوي

إلى أعظمِ العظماء علي بن أبي طالب عليه السلام يا من علمت الدنيا أنَّ العدلَ…

صورة الكاتب د. ماجد القيسي
14 أبريل 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


قراءة نقدية لقصة “الأرجوحة التي علّقت الذاكرة” للقاص مؤيد الشاوي

بقلم: د. ماجد القيسي | التاريخ: 12 مايو 2026

التصنيف: الأدب

قراءة نقدية لقصة “الأرجوحة التي علّقت الذاكرة” للقاص مؤيد الشاوي

تبدأ قصة “الأرجوحة التي علّقت الذاكرة” للأديب مؤيد الشاوي من عتبة عنوانها الذي يشي بمفارقة بصرية وشعورية؛ فالأرجوحة في المتخيل الجمعي رمز للمرح والطفولة، لكنها هنا تقترن بـ “الذاكرة” لتقيدها، وتتحول من أداة للتحليق إلى مشجب للوجع. منذ السطور الأولى، يمتص القارئ حالة من الشجن الشفيف، حيث تبدأ القصة بنبرة هادئة، “صباح يفتح عينيه”، وسرعان ما تتحول هذه الطمأنينة إلى صدمة وجدانية حين يصطدم بطل القصة (الأب) بمشهد الطالبة المنعزلة. هذا التحول من “مهرجان الربيع” الجامعي إلى “طقس العزاء” الفردي هو ما يمنح النص روحه الحزينة التي تغلغلت في وجداني كقارئ، حيث لم تكن القصة مجرد حكاية عن اليتم، بل هي تجسيد للحظة انكسار الزمن في قلب إنسان. ​بالانتقال إلى تشريح الشخصيات، نجد أن “الشرارة” المحركة ليست في فعل الحركة، بل في فعل “التأمل”. البطل هنا هو “الرجل” الذي يمثل عين الحكمة والعاطفة الأبوية، بينما الطالبة هي “المركز” الذي يشع بالألم. إنها لا تريد استعطافاً، بل تريد “استحضاراً” للغياب. أما المكان (الحرم الجامعي)، فقد تم توظيفه ببراعة؛ إذ تحول من فضاء عام يعج بالضجيج والحياة والشباب، إلى زاوية ضيقة تحت “ظل شجرة عظيمة” لتكون معبداً خاصاً للفتاة. المكان هنا ضاق حتى أصبح بحجم “كمامة”، واتسع حتى شمل سماء الذكريات، مما جعل الجغرافيا مجرد خلفية للحالة النفسية المحتقنة. ​تتجلى براعة الشاوي في “هندسة الحذف” وتكثيف اللغة، فالكمامة التي كانت رمزاً للاختناق والوباء في الواقع، تحولت في النص إلى “أرجوحة”، وهي استعارة مدهشة قلبت وظيفة الشيء من الحماية الجسدية إلى الاحتواء الوجداني. لغة النص ليست مجرد وصف، بل هي لغة مشحونة بالرموز؛ فالوردة الحمراء “التي تنزف” والبيضاء “التي تتهيأ للرحيل” اختصرتا تاريخاً من الفقد دون الحاجة لشرح طويل. أما صوت الراوي، فهو راوٍ عليم يمتزج صوته بصوت “علي حسين جابر” (مصدر القصة)، مما يضفي موثوقية عالية على النص، وكأننا أمام شهادة إنسانية حية، لا مجرد خيال أدبي. ​تصل القصة إلى “لحظة التنوير” أو “القفلة” حين تتدخل الطبيعة (النسمة الخفيفة) لتمسح دموع الابنة عبر تمايل الورود. هذه النهاية كانت “ضربة معلم”؛ لأنها لم تغلق الجرح، بل جعلته “يُزهر”. لم تكن القفلة عادية، بل كانت انفجاراً عاطفياً جعل البطل (والقارئ معه) يدرك أن الذاكرة ليست ماضياً ننساه، بل هي كائن حي يتأرجح معنا في كل لحظة. النهاية تركتنا معلقين بين “الغياب والحنين”، مؤكدة أن الفقد لا يُشفى، بل يُعاش. ​ختاماً، إن هذه القصة تتجاوز كونها سرداً لحادثة حزينة، لتطرح قضية إنسانية كبرى: كيف يرمم الإنسان انكساراته بأدوات بسيطة؟ لقد أضافت لي هذه القصة قناعة بأن الجمال قد يولد من رحم الفجيعة، وأن “الأرجوحة” ليست دائماً للعب، بل قد تكون وسيلة للبقاء على قيد التواصل مع من نحب. إنها قراءة في سيكولوجيا الفقد، كُتبت بمداد القلب قبل الحبر، لتبقى عالقة في ذاكرة كل من يمر بشارع الفراهيدي أو يمر بهذا النص. ***************** مثل كلِّ يومِ جمعة، أمضي إلى شارع الفراهيدي؛ شارعِ الثقافةِ والكتب، حيثُ تلتقي الأرواحُ قبل الوجوه، ويتقاطع الأدباءُ والأحبةُ تحت ظلالِ الحرفِ والكلمة. هناك، وبين دفءِ الأحاديثِ ورائحةِ الكتب، استقرَّ بي المطافُ عند الأديبِ والتشكيلي علي حسين جابر، الذي أخذ يحدّثني بصوتٍ يختلطُ فيه التأملُ بالدهشة. روى لي كيف رافقَ ابنته إلى الجامعة، وكيف لفتت انتباههُ طالبةٌ جلست بصمتٍ في زاويةِ المكان، وقد جعلت من كمامتِها أرجوحةً صغيرةً تتأرجحُ بين يديها، كأنها تحاول أن تُخفِّف بها شيئًا من ثقلِ الأيام. كان المشهدُ بسيطًا في ظاهره، لكنهُ عميقٌ إلى حدٍّ جعل قلبه يرتجفُ تأثرًا، وكأن تلك الحركة العابرة تختصرُ حكايةَ جيلٍ كامل. تأثرَ كثيرًا بهذه القصةِ الحقيقية، حتى شعرتُ أن الكلماتِ لم تعد تكفي لاحتواء ما رآه، فقررتُ أن أُسطرها على الورق، وأتركها بين أيديكم حكايةً تنبضُ بالإنسانيةِ والوجعِ والجمال. ***************
الأرجوحة التي علّقت الذاكرة كان الصباح يفتح عينيه على مدينةٍ تتثاءب تحت دفء شمسٍ خجولة. في ذلك اليوم، مضى الرجل بخطواتٍ متردّدة نحو الجامعة، موعده مع ابنته الصغيرة التي تدرس هناك. الطريق إلى البوابة كان مزدانًا بأشجارٍ باسقة، ينساب بينها عطرُ الأرض بعد المطر، كأنَّ الربيع قرّر أن يُقيم مهرجانه في تلك الساعات وحدها. وحين دخل الحرم الجامعي، غمرته حركةُ الحياة. الطلبة يعبرون الممرّات، يضحكون، يتهامسون، يحملون كتبهم كما يحمل العاشق وردةً يخشى عليها من الريح. تتعالى أصواتهم كأنها موسيقى متشابكة، فيها نغماتُ الحلم، وأصداءُ الطفولة، وبقايا قلقٍ من امتحانٍ قريب. كان يراهم في زهوّهم كطيورٍ تجرّب أجنحتها للمرّة الأولى، وفي عينيه فرحٌ خافت؛ فرحُ أبٍ يرى في الشباب ملامح الأمل الذي لم يمت. لكنّ خطواته توقّفت عند ظلّ شجرةٍ عظيمةٍ في آخر الممرّ. هناك، كانت طالبةٌ وحيدةٌ تجلس صامتة، تضع حقيبتها إلى جانبها، وأمامها غصنان نضيران قطعتهما للتوّ من الشجرة. كانت تعمل بصمتٍ يشبه الصلاة، تربط كمّامتها بين الغصنين لتصنع أرجوحةً صغيرة، ثم وضعت في وسطها وردتين: إحداهما حمراء كأنها تنزف، والأخرى بيضاء كأنها روحٌ تتهيّأ للرحيل. ظلّ يراقبها مأخوذًا بمشهدٍ لا يُفسَّر. الطلبة يعبرون حولها، بعضهم يبتسم وبعضهم يتجاهلها، لكنّها لم ترَ أحدًا؛ كانت غارقةً في عالمها، تحدّق في الأرجوحة كما يحدّق طفلٌ في وجه أمّه الراحلة. اقترب أكثر، فسمع همسها المتقطّع: يا يِمّه… يا بويّه… كان صوتها خافتًا، كأنّ الريح هي التي تنطق به، ثم انساب الدمع على وجنتيها، يلمع تحت ضوء الشمس كحبّات لؤلؤٍ تساقطت من قلبٍ مكسور. لم يتمالك نفسه، اقترب منها بخطواتٍ حذرة، وقال بصوتٍ مرتعش: يا ابنتي… ماذا تفعلين؟ لقد مزّقتِ قلبي بهذا المشهد… رفعت رأسها ببطء، وعيناها غارقتان في البكاء، وقالت: هذه الوردة الحمراء أبي، وهذه البيضاء أمي… رحلا معًا في حادث سيرٍ قبل عامين، ومنذها أجيء إلى هنا، لأعلّق بين الغصنين قلبي، أُرجّحه كما كانت أمي تفعل حين كنتُ طفلة، وأهمس لهما كي لا ينسيا صوتي. تجمّد في مكانه، والدموع تتساقط بلا استئذان. شعر أنّ قلبه يتهدّم بهدوءٍ في صدره، وأنّ تلك الأرجوحة الصغيرة قد علّقت فيه كلَّ ما ظنَّه نُسي. أغمض عينيه، فرأى ابنته التي جاء من أجلها، وشعر أنّ العالم بأسره انكمش في مساحةِ وردتين تتأرجحان بين الغياب والحنين. جلس على مقعدٍ قريب، والنسيم يداعب الأرجوحة برفق، فتتمايل الورود كما لو كانت تُجيب على نداءٍ من السماء. وحين وصلت ابنته بعد قليل، رأته يبكي بصمت، وحين سألته عن السبب، أشار نحو الفتاة وقال: هناك، بين الغصنين، علّقت الذاكرة نفسها، وأنا لم أعد أملك قلبًا إلا ليبكي. هبّت نسمةٌ خفيفة، مرّت على الأرجوحة، فتراقصت الوردة الحمراء إلى جوار البيضاء، كأنّ الأب والأم عادا للحظةٍ قصيرةٍ ليمسحا دموع ابنتهما، ثم تركا النسيم يحمل الأرجوحة، ويحمل معها قلب الرجل إلى حيث لا يُشفى الوجع.