بين رصاصة ونجاة

صورة الكاتب
بقلم: داود سلمان عجاج
التاريخ: 13 مايو 2026 عدد المشاهدات: 1551
بين رصاصة ونجاة

بين رصاصة ونجاة

 

لا يدري لماذا يتسلل إلى داخله شعور ثقيل، كأن المساء الذي لم يأتِ بعد، قد لبس وجهاً رمادياً عابساً، وجه امرأة أنهكها الانتظار حتى صارت تتكئ على الوحدة كما يتكئ الجسد على عكاز متشقق. كان يحدق في الغد كمن يحدق في هاوية بلا قناع، ويسأل نفسه:

– أهذا انغلاق يطبق على الروح أم أن في الأفق شقاً خفياً للنجاة؟

لا جواب…..

غير أن شيئاً ما في داخله كان يميل إلى يقين غامض: أن الثقل قادم، وأنه سيجلس عند حافة انطفائه، يراقب روحه وهي تغادر نحو الغياب النهائي، وأن تلك المرأة التي تسكن أعماقه ستغادر في اللحظة الأخيرة، حاملة معها الأسرار التي لم تقل، وتترك خلفها مشاهد محترقة لا يمكن أن يقف على أطلالها، أو أن تعاد ذكراها.

فجأة…. تكسرت الصور في رأسه كما لو أن عقلاً آخر قرر أن يعبث بترتيب العالم داخله. عملاق مجهول يظهر في أعلى الراقم الذي لا يعرف تفاصيله بعد، نظراً لضيق الوقت، كأنه يقف في نقطة مراقبة بين الحياة والموت، يحاول العملاق أن يسحبه إليه. كان يقاوم، لكن المقاومة نفسها بدأت تفقد شكلها، وتذوب كمن يحاول الإمساك بخيط دخان.

تخرج الكلمات من فمه لا نظام، وربما بلا لغة واضحة المعالم، كأنها صدى للغات كانت ولم يعد لها حضور. يوشك أن يلتفت حوله، لكن ما يراه إلا أشلاء للمعنى ذاته: صور متكسرة المعالم، عيون جاحظة، كأنها بقايا حضور بشري لا يزال يتشبث بالحياة دون أن يعرف لماذا؟

– أيكون هذا حلماً؟ أم أن الواقع فقد حدوده؟

لا أحد حوله، لا صوت، لا يد تمتد، لا عين تلتقط انهياره الصامت. وحده الغضب يخرج كصرخة داخلية لا تجد طريقها إلى الهواء، فيتحول إلى احتراق صامت، كأن الغضب هنا ليس فعلاً بل طريقة أخرى للاختناق.

المسافات بدأت تنكمش، الزمن يبتعد ويعود إلى الماضي القريب، والوجوه تتبدل، كأن الذاكرة نفسها بدأت تتخلص من تراكمات الحاضر لتعود به إلى أيام طفولته الأولى… إلى قريته التي كانت تستلقي على كتف التل القريب من النهر، تعود كما لو أن الزمن انفتح على تلك الطفولة دفعة واحدة: الدروب الترابية، البيوت الطينية، الحقول الربيعية كقصائد كتبت للتو، شباب يلبسون الدشاديش المقلمة، وشابات يسلكن الدرب الترابي نحو النهر وراء الدواب.

وهناك… أمه.

تجلس قرب المغزل، كما كانت دائماً، تهدهد حياة صغيرة إلى جوارها، كأنها تحرس عالمها بذات الحرص. لكنه بدأ يراها تتغير مع تقدم الزمن، وكأنه لم يرحمها، اليدان ترتعشان وهي تدير المغزل، رغم دفء الجو، كأن جسدها صار يسبق خوفها بأكثر من خطوة.

تنظر نحو الدرب. نظرة ليست انتظاراً فقط، بل حذراً أيضاً.. كأن شيئاً غير مرئي يقترب. يحاول أن يناديها، أن يلمس حضورها، لكن صوته يتلاشى قبل أن يصل. لا تجيب. كأنها تنظر عبره، لا إليه، وكأن شيئاً أعمق من الحياة يشدها بعيداً عن كل نداء.

ينظر إلى السماء يجدها زرقاء غريبة الصفاء، زرقاء على نحو لا يشبه أيام القرية، كأنها صافية أكثر مما ينبغي، كأن الصفاء نفسه علامة على شيء غير مطمئن.

ثم يعود الثقل…. حرارة لزجة تسري في جسده، يده ترتجف، فخذه الأيمن يئن تحت ألم مفاجئ. يتذكر أم يتوهم؟ أصوات إطلاق نار قريبة جداً، كأنها خرجت من جوفه لا من الخارج.

– هل كانت البداية؟ أم النهاية؟

كأنه في المنطقة الغامضة بينهما، حيث لا حياة كاملة ولا موت مكتمل، كل شيء يصبح معلقاً: السؤال، الجسد، الزمن، حتى المعنى، كأنه في استراحة قسرية بين احتمالين لا يملك اختبار أيهما. فالموت، إن كان قد حدث، فلن يشعر به حتماً، لكنه سيوجع الأحياء: أمه، في انتظارها، في خوفها الذي لا يفهمه أحد.

تتشظى الأزمنة داخله كما يتشظى الحبر حين يُسكب على ماء مضطرب، فلا يبقى شكل ولا اسم، فقط أثر باهت لما كان يوماً حقيقة.

يفتح عينيه….

سرير أبيض، أجهزة، أصوات خافتة تشبه التنفس الصناعي للعالم، قطرات سائل تتساقط في انبوب أبيض رفيع تصل إلى ذراعه كأنها تعيد ترتيب وجوده. يحدق في سقف لا يعرفه، كأنه خرج للتو من زمن لا اسم له. يرفع يده المرتجفة نحو فخذه الأيمن… يضغط.. الألم يجيب فوراً، حاداً، حقيقياً، كأنه يوقع على شهادة وجوده. يبتسم بصمت لا يشبه الفرح: فهو ليس في منطقة الموت، ولا في الحياة كاملة أيضاً. فقط جسد قد تأجلت نهايته قليلا….

 

عن الکاتب / الکاتبة

داود سلمان عجاج
داود سلمان عجاج
قاص / العراق

مقالات أخرى للكاتب

قراءة تأملية في قصة موت كادح للدكتور رمضان علي عبود

قراءة تأملية في قصة موت كادح للدكتور رمضان علي عبود

بين الغنى والفقر مساحة لا تنتهي حتى ما بعد الموت قراءة تأملية في قصة موت…

صورة الكاتب داود سلمان عجاج
10 مايو 2026
اقرأ المزيد
شبيهُ الروح

شبيهُ الروح

شبيهُ الروح الوقتُ هو مرورُ قطارِ منتصفِ الليل، هذا هو موعدُ اللقاء، موعدُ محادثة طيفه…

صورة الكاتب داود سلمان عجاج
6 مايو 2026
اقرأ المزيد
مكلومٌ يا ولدي

مكلومٌ يا ولدي

مكلومٌ يا ولدي مضتْ ثلاثُ ليالٍ ولم يذقْ طعمَ النوم فيها، منذ السبتُ المجنون، ذلك…

صورة الكاتب داود سلمان عجاج
4 مايو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


بين رصاصة ونجاة

بقلم: داود سلمان عجاج | التاريخ: 13 مايو 2026

التصنيف: قصة قصيرة

بين رصاصة ونجاة

 

لا يدري لماذا يتسلل إلى داخله شعور ثقيل، كأن المساء الذي لم يأتِ بعد، قد لبس وجهاً رمادياً عابساً، وجه امرأة أنهكها الانتظار حتى صارت تتكئ على الوحدة كما يتكئ الجسد على عكاز متشقق. كان يحدق في الغد كمن يحدق في هاوية بلا قناع، ويسأل نفسه:

– أهذا انغلاق يطبق على الروح أم أن في الأفق شقاً خفياً للنجاة؟

لا جواب…..

غير أن شيئاً ما في داخله كان يميل إلى يقين غامض: أن الثقل قادم، وأنه سيجلس عند حافة انطفائه، يراقب روحه وهي تغادر نحو الغياب النهائي، وأن تلك المرأة التي تسكن أعماقه ستغادر في اللحظة الأخيرة، حاملة معها الأسرار التي لم تقل، وتترك خلفها مشاهد محترقة لا يمكن أن يقف على أطلالها، أو أن تعاد ذكراها.

فجأة…. تكسرت الصور في رأسه كما لو أن عقلاً آخر قرر أن يعبث بترتيب العالم داخله. عملاق مجهول يظهر في أعلى الراقم الذي لا يعرف تفاصيله بعد، نظراً لضيق الوقت، كأنه يقف في نقطة مراقبة بين الحياة والموت، يحاول العملاق أن يسحبه إليه. كان يقاوم، لكن المقاومة نفسها بدأت تفقد شكلها، وتذوب كمن يحاول الإمساك بخيط دخان.

تخرج الكلمات من فمه لا نظام، وربما بلا لغة واضحة المعالم، كأنها صدى للغات كانت ولم يعد لها حضور. يوشك أن يلتفت حوله، لكن ما يراه إلا أشلاء للمعنى ذاته: صور متكسرة المعالم، عيون جاحظة، كأنها بقايا حضور بشري لا يزال يتشبث بالحياة دون أن يعرف لماذا؟

– أيكون هذا حلماً؟ أم أن الواقع فقد حدوده؟

لا أحد حوله، لا صوت، لا يد تمتد، لا عين تلتقط انهياره الصامت. وحده الغضب يخرج كصرخة داخلية لا تجد طريقها إلى الهواء، فيتحول إلى احتراق صامت، كأن الغضب هنا ليس فعلاً بل طريقة أخرى للاختناق.

المسافات بدأت تنكمش، الزمن يبتعد ويعود إلى الماضي القريب، والوجوه تتبدل، كأن الذاكرة نفسها بدأت تتخلص من تراكمات الحاضر لتعود به إلى أيام طفولته الأولى… إلى قريته التي كانت تستلقي على كتف التل القريب من النهر، تعود كما لو أن الزمن انفتح على تلك الطفولة دفعة واحدة: الدروب الترابية، البيوت الطينية، الحقول الربيعية كقصائد كتبت للتو، شباب يلبسون الدشاديش المقلمة، وشابات يسلكن الدرب الترابي نحو النهر وراء الدواب.

وهناك… أمه.

تجلس قرب المغزل، كما كانت دائماً، تهدهد حياة صغيرة إلى جوارها، كأنها تحرس عالمها بذات الحرص. لكنه بدأ يراها تتغير مع تقدم الزمن، وكأنه لم يرحمها، اليدان ترتعشان وهي تدير المغزل، رغم دفء الجو، كأن جسدها صار يسبق خوفها بأكثر من خطوة.

تنظر نحو الدرب. نظرة ليست انتظاراً فقط، بل حذراً أيضاً.. كأن شيئاً غير مرئي يقترب. يحاول أن يناديها، أن يلمس حضورها، لكن صوته يتلاشى قبل أن يصل. لا تجيب. كأنها تنظر عبره، لا إليه، وكأن شيئاً أعمق من الحياة يشدها بعيداً عن كل نداء.

ينظر إلى السماء يجدها زرقاء غريبة الصفاء، زرقاء على نحو لا يشبه أيام القرية، كأنها صافية أكثر مما ينبغي، كأن الصفاء نفسه علامة على شيء غير مطمئن.

ثم يعود الثقل…. حرارة لزجة تسري في جسده، يده ترتجف، فخذه الأيمن يئن تحت ألم مفاجئ. يتذكر أم يتوهم؟ أصوات إطلاق نار قريبة جداً، كأنها خرجت من جوفه لا من الخارج.

– هل كانت البداية؟ أم النهاية؟

كأنه في المنطقة الغامضة بينهما، حيث لا حياة كاملة ولا موت مكتمل، كل شيء يصبح معلقاً: السؤال، الجسد، الزمن، حتى المعنى، كأنه في استراحة قسرية بين احتمالين لا يملك اختبار أيهما. فالموت، إن كان قد حدث، فلن يشعر به حتماً، لكنه سيوجع الأحياء: أمه، في انتظارها، في خوفها الذي لا يفهمه أحد.

تتشظى الأزمنة داخله كما يتشظى الحبر حين يُسكب على ماء مضطرب، فلا يبقى شكل ولا اسم، فقط أثر باهت لما كان يوماً حقيقة.

يفتح عينيه….

سرير أبيض، أجهزة، أصوات خافتة تشبه التنفس الصناعي للعالم، قطرات سائل تتساقط في انبوب أبيض رفيع تصل إلى ذراعه كأنها تعيد ترتيب وجوده. يحدق في سقف لا يعرفه، كأنه خرج للتو من زمن لا اسم له. يرفع يده المرتجفة نحو فخذه الأيمن… يضغط.. الألم يجيب فوراً، حاداً، حقيقياً، كأنه يوقع على شهادة وجوده. يبتسم بصمت لا يشبه الفرح: فهو ليس في منطقة الموت، ولا في الحياة كاملة أيضاً. فقط جسد قد تأجلت نهايته قليلا….