تصدعات بالشارع العراقي والمجتمع الى اين؟
بين فترةٍ وأخرى، وليست بفتراتٍ متباعدة، تطفو على الساحة العراقية قضيةٌ تشدّ المشهد باتجاهٍ واحد، وتسيطر على انتباه الجميع. وما إن يبدأ الناس باستيعابها أو محاولة فهم آثارها، حتى تظهر قضيةٌ أخرى تضرب المشهد من جديد.
لقد ذكرتُ في مقالاتٍ سابقة تأثير الحروب على المجتمعات، وما تخلّفه من تبعاتٍ ورمادٍ نفسي داخل الأفراد، إضافةً إلى دور الحكومات في معالجة هذه الآثار، ولكن للأسف ما زلنا نعاني من إهمالٍ واضح لكثيرٍ من القضايا الجوهرية، الأمر الذي يفاقم الوضع يوماً بعد آخر.
فنحن، بوصفنا من مجتمعات العالم الثالث، لا نمنح بعض الظواهر الخطيرة الاهتمام الكافي، مما أدى إلى تصاعد العنف، وكثرة النزاعات القبلية، وانتشار المظاهر اللاأخلاقية بمختلف أشكالها، فضلاً عن غياب الرقابة وضعف القوانين وتراخي تطبيقها. ونتيجةً لذلك، نشأ مجتمعٌ متصدّع من الداخل، تهيمن عليه أفكارٌ سوداوية ومفاهيم مغلوطة، بينما تستغل بعض النفوس الضعيفة هذا الواقع لتصطاد في المياه العكرة، فارضةً سيطرتها وهيمنتها، ودافعةً بالأوضاع نحو منحدرٍ يخدم مصالحها بالدرجة الأولى.
وقد لمسنا ذلك بوضوح بعد سقوط النظام عام 2003، خصوصاً في مناطق الوسط والجنوب من العراق، حيث تصاعدت النزاعات العشائرية، وفُرضت عاداتٌ دخيلة على المجتمع لا تمتّ إلى واقعه بصلة، إلى جانب إحياء تقاليد بالية، وانتشار الممنوعات بين فئة الشباب بوصفها تجارةً تدرّ الربح السريع بأقل جهد.
كما شهد المجتمع تزايداً ملحوظاً في حالات الانتحار بين صفوف الشباب، ولا يزال الرقم في تصاعدٍ مستمر، إضافةً إلى كثرة حالات الطلاق والهجر، وعزوف الشباب عن الزواج، وتزايد العنف الأسري، وارتفاع معدلات الجريمة بشكلٍ مخيف. ويُعزى جانبٌ كبير من هذه الأسباب إلى السلاح المنفلت، وغياب الخوف من القانون والدولة.
وفي الوقت نفسه، شهد المجتمع انتشار بيوت الدعارة والانفلات الأخلاقي، والترويج لأمورٍ تهين الإنسان ولا تنفعه على المدى البعيد، فضلاً عن تهميش الفرد، والمرأة على وجه الخصوص، كما يحدث في محاولات سنّ قوانين تشرّع زواج القاصرات.
وفي ظل هذا الواقع المضطرب، يبقى السؤال الأهم: إلى أين يُدفع هذا المجتمع؟
فالأمم لا تنهار دفعةً واحدة، بل تتآكل تدريجياً حين يُهمَّش الوعي، ويُترك القانون ضعيفاً، وتُفتح الأبواب أمام الجهل والتطرف والانفلات. إن معالجة هذه الأزمات لا تكون بالشعارات أو الحلول المؤقتة، بل ببناء إنسانٍ واعٍ، وتعزيز سلطة القانون، وإعادة الاعتبار للتعليم والثقافة، وحماية الفئات الأضعف داخل المجتمع.
فالمجتمع الذي يفقد بوصلته الأخلاقية والفكرية يصبح أكثر هشاشةً أمام كل أزمة، وأكثر قابليةً للانقسام والسقوط. إن أخطر ما قد يصيب أي مجتمع ليس الفقر أو الحروب وحدها، بل اعتياده المستمر على الانهيار حتى يفقد القدرة على الشعور بالخطر، وعندما يصبح الخراب مألوفاً، يبدأ السقوط الحقيقي بصمت.
د. لبنى مرتضى
د.محمد حماد
د.شیماء مجید بهیة
التعليقات