الفزعة المسرحية …. تراتيل المقهورين بين حقول الإبداع وصناديق التمويل

صورة الكاتب
بقلم: د.محمد حماد
التاريخ: 16 مايو 2026 عدد المشاهدات: 2994
الفزعة المسرحية …. تراتيل المقهورين بين حقول الإبداع وصناديق التمويل

الفزعة المسرحية …. تراتيل المقهورين بين حقول الإبداع وصناديق التمويل

 

في سهول العراق الذهبية، حيث تُعلن الأرض عن قدوم الربيع بصيحات الفلاحين، تُرفع صرخة (الفزعة) فتتحول القرية بأكملها إلى جسد واحد، أياد تعمل بلا حساب، وأجساد تنحني كأغصان الصفصاف على موائد الغراس والحصاد، لا وثيقة توقّع، ولا مبلغ يُنتظر، فقط عرف مقدس يقول (اليوم لي وغدا لك). الفزعة هنا ليست عملا، بل هي قصيدة شكر تُهدى للأرض التي علمتنا أن اليد التي لا تُعطي تذبل، كما يَذبُل الغصن إذا حُرم من الماء.

  • لكن ماذا لو نُقِلت هذه القصيدة من حقول القمح إلى خشبات المسارح؟

في عالم المسرح، حيث يُفترض أن تُروى الحكايات بمداد الحرية وعبق الجمال، نجد أن بعض المبدعين يحملون أحلامهم كصحائف مبللة بماء الفقر، فينادون (فزعة!) فيهرع إليهم الأصدقاء كفرقة إنقاذ أخيرة؛ ممثلون يبيعون قوت يومهم مقابل لحظة على الخشبة، مصممون يخيطون الأزياء من بقايا أقمشتهم القديمة، وفنيون يُضيئون المشاهد بمصابيح الذاكرة! تحمل في وهجها الباهت دفء موائدهم الصغيرة، ورائحة جدرانهم المتهالكة، وحنين البيوت التي أُطفئت فيها الأحلام مبكرا، في زمن المسرح الجديد، لم يَعُد الفقر وحده يطارد المبدعين، بل حتى الضوء صار موظّفا ينتظر توقيعا رسميا كي يتنفّس ويضيء؛ النور الذي كان يمنح الخشبة روحها، غدا يتلعثم على الخشبة، يُستدعى بقرار ويُطفأ بقرار، كأن الإبداع نفسه وضع في أصفاد البيروقراطية، إن الفزعة المسرحية هنا ليست خيارا، بل هي صرخة احتجاج ضد منهج فنيّ يوزّع موارد الإنتاج كالملكيات الإقطاعية (فمن يُمنح المال يصنع فنا، ومن يُحرم منه يصنع معجزة من لا شيء!) وفي المقابل، هناك في أبراج (المسرح المحظوظ)، حيث تُوزع صناديق التمويل كبطاقات دعوة لحفل مغلق، يقف (المدللون) بوجوه مدهونة بطلاء الامتياز، تُفتح لهم الأبواب كالسحر، وتُغلق بوجوه الآخرين كالعادة، ومعايير الاختيار؟ أسئلة تُحال إلى (اللجان العليا) التي تعمل بمنطق الوحي القدسي! فإذا سألت: –

  • لماذا هذا بالذات؟

جاءك الجواب جاهزا : –

  • لأنه يستحق!

وكأن الاستحقاقَ وليمة يُدعى إليها المقرّبون وأصحاب الحظوة والحظوظ.

يا للعفوية! لوحة سريالية تُرسم ملامحها في الواقع الفني؛ بينما يُبنى مسرح بعرق الجبين ودموع اليأس، يُصنع مسرح آخر بشيكات مضمونة وعلاقات مبرمجة، الأول يعلن عن نفسه كسنبلة برّية تشق التراب وتقاوم العطش حتى تُورق وتُزهر، والثاني يسجل حضوره كالنبتة المصطنعة في البيوت المحمية، تُغدق عليها المياه والأسمدة، لكنها تسقط عند أول نسمة ريح! فأين المنطق أيها الجماليون؟ أين هي عدالة القسمة التي تقول إن الفنّ كالماء يجب أن يصل إلى كل العطشى؟

لقد تحوّلت الفزعة المسرحية من فعل تضامن نبيل في أرياف الخير إلى شهادة وفاة للعدالة الجمالية على خشبة المسرح، حيث يُباع الضحك بالثمن للبعض ويُوزع الحزن بالمجان للبعض الآخر، ويصنع الجنون عروضه بين ستائر الحرية الممزقة، لتبقى الفزعة المسرحية جرح نازف يصرخ:

  • كيف أصبح الفن سلعة، تزنها الشيكات وتُسطّرها المراسلات؟
  • كيف صار الفن ورقة تُقايض، بدل أن يكون روحا تحلّق؟
  • كيف تُقايض الأحلام بالمال، وتُستأجر المشاعر على رصيف الانتظار؟
  • كيف يُرفع المتملق على الأعناق، ويُسجن المبدع في الظلال؟
  • كيف يُقرب من القلوب من يذلّها، ويُبعد من يحييها؟
  • كيف يُرفع الجاهل ويُهمل العالم؟
  • كيف يُقرّب المطيع ويُبعد المبدع؟

على هذه الخشبة تمضي العدالة الجمالية إلى نومها العميق، تودّع الجمهور بصمت مطبق، بينما يُرفع ستار الامتياز على وجوه المحرومين، ويصفّق المحظوظون للظلم المحتفي بنفسه، في ذات الوقت الذي ينحت آخرون تماثيلهم من ذهب الميزانيات، والسؤال الذي يُطاردنا كشبح:

  • إلى متى سيظل الإبداع يُقاس بمعايير الصوامع المقدسة؟ وإلى متى سنظل نرى عروضا مكلّفة تخلو من الروح، بينما تُقتل عروض عظيمة في مهدها لأنها ولدت من رحم (الفزعة)؟

ربما نحتاج إلى (فزعة) من نوع آخر، ثورة هادئة تقول إن الفنّ ليس ملكا لفئة تدور في فلك الحظوة والحظ، بل هو حق لجميع المبدعين، فلنزرع اليوم بذرة الحب في أرض الفن، كي نحصد غدا مسرحا حرا لا يعرف إلا لغة الجمال دون غيرها.

عن الکاتب / الکاتبة

د.محمد حماد
د.محمد حماد
باحث وناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الفزعة المسرحية …. تراتيل المقهورين بين حقول الإبداع وصناديق التمويل

بقلم: د.محمد حماد | التاريخ: 16 مايو 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

الفزعة المسرحية …. تراتيل المقهورين بين حقول الإبداع وصناديق التمويل

 

في سهول العراق الذهبية، حيث تُعلن الأرض عن قدوم الربيع بصيحات الفلاحين، تُرفع صرخة (الفزعة) فتتحول القرية بأكملها إلى جسد واحد، أياد تعمل بلا حساب، وأجساد تنحني كأغصان الصفصاف على موائد الغراس والحصاد، لا وثيقة توقّع، ولا مبلغ يُنتظر، فقط عرف مقدس يقول (اليوم لي وغدا لك). الفزعة هنا ليست عملا، بل هي قصيدة شكر تُهدى للأرض التي علمتنا أن اليد التي لا تُعطي تذبل، كما يَذبُل الغصن إذا حُرم من الماء.

  • لكن ماذا لو نُقِلت هذه القصيدة من حقول القمح إلى خشبات المسارح؟

في عالم المسرح، حيث يُفترض أن تُروى الحكايات بمداد الحرية وعبق الجمال، نجد أن بعض المبدعين يحملون أحلامهم كصحائف مبللة بماء الفقر، فينادون (فزعة!) فيهرع إليهم الأصدقاء كفرقة إنقاذ أخيرة؛ ممثلون يبيعون قوت يومهم مقابل لحظة على الخشبة، مصممون يخيطون الأزياء من بقايا أقمشتهم القديمة، وفنيون يُضيئون المشاهد بمصابيح الذاكرة! تحمل في وهجها الباهت دفء موائدهم الصغيرة، ورائحة جدرانهم المتهالكة، وحنين البيوت التي أُطفئت فيها الأحلام مبكرا، في زمن المسرح الجديد، لم يَعُد الفقر وحده يطارد المبدعين، بل حتى الضوء صار موظّفا ينتظر توقيعا رسميا كي يتنفّس ويضيء؛ النور الذي كان يمنح الخشبة روحها، غدا يتلعثم على الخشبة، يُستدعى بقرار ويُطفأ بقرار، كأن الإبداع نفسه وضع في أصفاد البيروقراطية، إن الفزعة المسرحية هنا ليست خيارا، بل هي صرخة احتجاج ضد منهج فنيّ يوزّع موارد الإنتاج كالملكيات الإقطاعية (فمن يُمنح المال يصنع فنا، ومن يُحرم منه يصنع معجزة من لا شيء!) وفي المقابل، هناك في أبراج (المسرح المحظوظ)، حيث تُوزع صناديق التمويل كبطاقات دعوة لحفل مغلق، يقف (المدللون) بوجوه مدهونة بطلاء الامتياز، تُفتح لهم الأبواب كالسحر، وتُغلق بوجوه الآخرين كالعادة، ومعايير الاختيار؟ أسئلة تُحال إلى (اللجان العليا) التي تعمل بمنطق الوحي القدسي! فإذا سألت: –

  • لماذا هذا بالذات؟

جاءك الجواب جاهزا : –

  • لأنه يستحق!

وكأن الاستحقاقَ وليمة يُدعى إليها المقرّبون وأصحاب الحظوة والحظوظ.

يا للعفوية! لوحة سريالية تُرسم ملامحها في الواقع الفني؛ بينما يُبنى مسرح بعرق الجبين ودموع اليأس، يُصنع مسرح آخر بشيكات مضمونة وعلاقات مبرمجة، الأول يعلن عن نفسه كسنبلة برّية تشق التراب وتقاوم العطش حتى تُورق وتُزهر، والثاني يسجل حضوره كالنبتة المصطنعة في البيوت المحمية، تُغدق عليها المياه والأسمدة، لكنها تسقط عند أول نسمة ريح! فأين المنطق أيها الجماليون؟ أين هي عدالة القسمة التي تقول إن الفنّ كالماء يجب أن يصل إلى كل العطشى؟

لقد تحوّلت الفزعة المسرحية من فعل تضامن نبيل في أرياف الخير إلى شهادة وفاة للعدالة الجمالية على خشبة المسرح، حيث يُباع الضحك بالثمن للبعض ويُوزع الحزن بالمجان للبعض الآخر، ويصنع الجنون عروضه بين ستائر الحرية الممزقة، لتبقى الفزعة المسرحية جرح نازف يصرخ:

  • كيف أصبح الفن سلعة، تزنها الشيكات وتُسطّرها المراسلات؟
  • كيف صار الفن ورقة تُقايض، بدل أن يكون روحا تحلّق؟
  • كيف تُقايض الأحلام بالمال، وتُستأجر المشاعر على رصيف الانتظار؟
  • كيف يُرفع المتملق على الأعناق، ويُسجن المبدع في الظلال؟
  • كيف يُقرب من القلوب من يذلّها، ويُبعد من يحييها؟
  • كيف يُرفع الجاهل ويُهمل العالم؟
  • كيف يُقرّب المطيع ويُبعد المبدع؟

على هذه الخشبة تمضي العدالة الجمالية إلى نومها العميق، تودّع الجمهور بصمت مطبق، بينما يُرفع ستار الامتياز على وجوه المحرومين، ويصفّق المحظوظون للظلم المحتفي بنفسه، في ذات الوقت الذي ينحت آخرون تماثيلهم من ذهب الميزانيات، والسؤال الذي يُطاردنا كشبح:

  • إلى متى سيظل الإبداع يُقاس بمعايير الصوامع المقدسة؟ وإلى متى سنظل نرى عروضا مكلّفة تخلو من الروح، بينما تُقتل عروض عظيمة في مهدها لأنها ولدت من رحم (الفزعة)؟

ربما نحتاج إلى (فزعة) من نوع آخر، ثورة هادئة تقول إن الفنّ ليس ملكا لفئة تدور في فلك الحظوة والحظ، بل هو حق لجميع المبدعين، فلنزرع اليوم بذرة الحب في أرض الفن، كي نحصد غدا مسرحا حرا لا يعرف إلا لغة الجمال دون غيرها.