ازمة التجديد في مسيرة المقام العراقي

صورة الكاتب
بقلم: حسين مسلم
التاريخ: 19 مايو 2026 عدد المشاهدات: 2911
ازمة التجديد في مسيرة المقام العراقي

“ازمة التجديد في مسيرة المقام العراقي”

 

بقلم : حسين مسلم / العراق

 

يمثل المقام العراقي هوية وطنية تاريخية للعراقيين، وقد ارتبط بحياتهم بشكل مباشر، وأن الحفاظ عليه وعلى ديدموته واجب وطني واخلاقي وحضاري، وقد حاول الكثير من الأساتذة الحفاظ عليه وايصاله لنا، فلولاهم لما عرفنا شيء عن المقام، أنهم كانوا امناء اصلاء في ذلك.

كغيره من الفنون التي مرت بمنعطفات تاريخية، مر المقام العراقي بأزمة لم يسبق لها مثيل، فالمقام العراقي بقي محافظاً على بريقه منذ عقود.
على عكس تاريخ الغناء في العالم، فأن الغناء العراقي بشكل عام (تلقيني) وليس (تدريسي)، لذلك أخذ قراء المقام بحفظ المقام ممن قبلهم عن طريق التلقين واحياناً الحفظ من كثرة الإستماع.
ويذكر الموسيقار الأستاذ منير بشير أنه ضم عازف القانون الراحل (خضير الشبلي) إلى فرقة الإذاعة كونه خبيراً في المقام العراقي وكان ذلك قرابة عام 1949 لأن الشبلي كان قد حفظ المقام عن طريق رواد المقهى التي يعمل بها! وهذه مفارقة عجيبة ، وقد عرف المجتمع البغدادي بحفظه تسلسل شكل غناء المقام من (البدوة) مروراً بـ (الميانات) وصولاً إلى (التسلوم)، حتى أن هنالك مشاكل كثيرة كانت تصل حد العراك بالأيدي بسبب اختلاف أداء المقام، وهذا الكلام يشمل غير المنشغلين بالغناء أيضاً.
على طوال تلك العقود من الغناء بقي المقام يُلقن إلى أن حل عام 1970 وفي نهايته تأسس (معهد الغناء العراقي) والذي تغير اسمه حالياً ليصبح (معهد الدراسات الموسيقية)، إذ كانت الغاية من تأسسيه كما ذكر في قانون المعهد : العناية بتدريس الغناء العراقي على أسس علمية مدروسة لإعداد جيل مثقف ثقافة فنية .
وبذلك كان هذا المعهد الأول من نوعه في الوطن العربي إذ يعنى بتدريس التراث الغنائي للبلد .
ومن هنا وضعت الأسس العلمية لتدريس المقام والغناء العراقي، وقد وضع المختصون مناهج علمية للتدريس مثل الاساتذ شعوبي ابراهيم والاستاذ منير بشير والاستاذ روحي الخماش وغيرهم، وتخريج فنانين يعزفون على آلات البلد التراثية وهي (القانون- السنطور- الجوزة- العود- الناي- الإيقاع) وهذه النوع من الآلات ترافق المقام العراقي فقط لا غير، واحياناً يمكن استبدال الجوزة بآلة الكمان.
ووفقاً لافتتاح المعهد بقي فن المقام محافظاً على بريقه بتخريج الكثير من الفنانين ممن يتقن هذا الفن غزفاً أو غناءً.

وبعد ذلك تأسست الكثير من الفرق الفنية التي تعنى بالتراث العراقي، ومنها فرقة التراث العراقي التي أسسها الموسيقار منير بشير عام 1973 وبيت المقام العراقي الذي تأسس عام 1988 وغيرهم الكثير.

في القرن العشرين كانت إحدى أهم مشاكل فن المقام هي غناء بستات أو أشعار من سبقهم من دون أي تجديد في البستات والأشعار، إلا ما ندر من المطربين على رأسهم المطرب الكبير محمد القبانجي الذي اخذ يغني بستات جديدة بألحان جديدة، وبعد اعتزال القبانجي وتقدم عمر بعض المطربين أخذ الجيل الذي سيطر على النصف الثاني من القرن العشرين بغناء بستات ما قبلهم، وهذه مشكلة كبيرة بسبب أن المستمع مل من سماع نفس المقامات بنفس الأشعار ونفس البستات .

بعد عام 1968 وهو العام الذي بدأ فيه عصر جديد من الغناء العراقي، انصرف الناس بشكل ملحوظ عن سماع المقام، لأنهم سمعوا شيئاً مغايراً جديداً من الموسيقى والغناء، لكن المقام بقي محافظاً على رونقه مصارعاً كل الظروف، وارجح أن سبب الانصراف بسبب التجديد لا التشويه، واقصد تجديد الغناء واساليبه واصواته على عكس عزوف اغلب المنشغلين بالمقام عن التجديد، واعني تجديد الأشعار والبستات، فمثلاً ما الضرر الذي تسببه أغنية (يم داركم) بعد مقام (حجاز ديوان) أو اغنية (ادير العين ماعندي حبايب) بعد مقام (النهاوند أو النوى) أو اغنية (تايبين) بعد مقام (حجاز مدمي) وهكذا .

عندما وصل الزمن إلى القرن الحادي والعشرين تغير كل شيء تقريباً، الناس والحياة والتكنلوجيا والاهتمامات، فدخلنا عصراً جديداً من الغناء العراقي كان ميالاً إلى السذاجة اكثر من الرزانة، وضاع المقام العراقي على رغم جميع المحاولات التي قام بها الأساتذة والقراء، كانت مغريات الشهرة والمال أكثر من الاهتمام بالمقام، وأصبح المقام العراقي قديماً مركوناً في متحف بالنسبة للكثير من الناس، ابتعد أغلب المنشغلون بالغناء العراقي عن المقام وحتى عن الغناء الريفي وغيره من أشكال الغناء العراقي لأسباب وضحتها أعلاه، إذ يخاف أكثر المنشغلين بالمقام من التجديد لأنهم يعتبرونه تشويهاً، وهو في الحقيقة ليس تشويها لأن اسلافهم من المقاميين كانوا قد جددوه، فمن غير المعقول أن مطرب مقام في القرن العشرين يغني نفس الشعر والبسته من القرن السادس عشر، بالتأكيد أنهم جددوا البستات والأشعار واضافوا مقامات جديدة.
مازال بعض الأساتذة يحاولون التجديد لكنه ليس على نطاق عام، وبقيت المخاوف تحاوطهم من كل جانب.

عن الکاتب / الکاتبة

حسين مسلم
حسين مسلم
فنان وكاتب

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


ازمة التجديد في مسيرة المقام العراقي

بقلم: حسين مسلم | التاريخ: 19 مايو 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

“ازمة التجديد في مسيرة المقام العراقي”

 

بقلم : حسين مسلم / العراق

 

يمثل المقام العراقي هوية وطنية تاريخية للعراقيين، وقد ارتبط بحياتهم بشكل مباشر، وأن الحفاظ عليه وعلى ديدموته واجب وطني واخلاقي وحضاري، وقد حاول الكثير من الأساتذة الحفاظ عليه وايصاله لنا، فلولاهم لما عرفنا شيء عن المقام، أنهم كانوا امناء اصلاء في ذلك.

كغيره من الفنون التي مرت بمنعطفات تاريخية، مر المقام العراقي بأزمة لم يسبق لها مثيل، فالمقام العراقي بقي محافظاً على بريقه منذ عقود.
على عكس تاريخ الغناء في العالم، فأن الغناء العراقي بشكل عام (تلقيني) وليس (تدريسي)، لذلك أخذ قراء المقام بحفظ المقام ممن قبلهم عن طريق التلقين واحياناً الحفظ من كثرة الإستماع.
ويذكر الموسيقار الأستاذ منير بشير أنه ضم عازف القانون الراحل (خضير الشبلي) إلى فرقة الإذاعة كونه خبيراً في المقام العراقي وكان ذلك قرابة عام 1949 لأن الشبلي كان قد حفظ المقام عن طريق رواد المقهى التي يعمل بها! وهذه مفارقة عجيبة ، وقد عرف المجتمع البغدادي بحفظه تسلسل شكل غناء المقام من (البدوة) مروراً بـ (الميانات) وصولاً إلى (التسلوم)، حتى أن هنالك مشاكل كثيرة كانت تصل حد العراك بالأيدي بسبب اختلاف أداء المقام، وهذا الكلام يشمل غير المنشغلين بالغناء أيضاً.
على طوال تلك العقود من الغناء بقي المقام يُلقن إلى أن حل عام 1970 وفي نهايته تأسس (معهد الغناء العراقي) والذي تغير اسمه حالياً ليصبح (معهد الدراسات الموسيقية)، إذ كانت الغاية من تأسسيه كما ذكر في قانون المعهد : العناية بتدريس الغناء العراقي على أسس علمية مدروسة لإعداد جيل مثقف ثقافة فنية .
وبذلك كان هذا المعهد الأول من نوعه في الوطن العربي إذ يعنى بتدريس التراث الغنائي للبلد .
ومن هنا وضعت الأسس العلمية لتدريس المقام والغناء العراقي، وقد وضع المختصون مناهج علمية للتدريس مثل الاساتذ شعوبي ابراهيم والاستاذ منير بشير والاستاذ روحي الخماش وغيرهم، وتخريج فنانين يعزفون على آلات البلد التراثية وهي (القانون- السنطور- الجوزة- العود- الناي- الإيقاع) وهذه النوع من الآلات ترافق المقام العراقي فقط لا غير، واحياناً يمكن استبدال الجوزة بآلة الكمان.
ووفقاً لافتتاح المعهد بقي فن المقام محافظاً على بريقه بتخريج الكثير من الفنانين ممن يتقن هذا الفن غزفاً أو غناءً.

وبعد ذلك تأسست الكثير من الفرق الفنية التي تعنى بالتراث العراقي، ومنها فرقة التراث العراقي التي أسسها الموسيقار منير بشير عام 1973 وبيت المقام العراقي الذي تأسس عام 1988 وغيرهم الكثير.

في القرن العشرين كانت إحدى أهم مشاكل فن المقام هي غناء بستات أو أشعار من سبقهم من دون أي تجديد في البستات والأشعار، إلا ما ندر من المطربين على رأسهم المطرب الكبير محمد القبانجي الذي اخذ يغني بستات جديدة بألحان جديدة، وبعد اعتزال القبانجي وتقدم عمر بعض المطربين أخذ الجيل الذي سيطر على النصف الثاني من القرن العشرين بغناء بستات ما قبلهم، وهذه مشكلة كبيرة بسبب أن المستمع مل من سماع نفس المقامات بنفس الأشعار ونفس البستات .

بعد عام 1968 وهو العام الذي بدأ فيه عصر جديد من الغناء العراقي، انصرف الناس بشكل ملحوظ عن سماع المقام، لأنهم سمعوا شيئاً مغايراً جديداً من الموسيقى والغناء، لكن المقام بقي محافظاً على رونقه مصارعاً كل الظروف، وارجح أن سبب الانصراف بسبب التجديد لا التشويه، واقصد تجديد الغناء واساليبه واصواته على عكس عزوف اغلب المنشغلين بالمقام عن التجديد، واعني تجديد الأشعار والبستات، فمثلاً ما الضرر الذي تسببه أغنية (يم داركم) بعد مقام (حجاز ديوان) أو اغنية (ادير العين ماعندي حبايب) بعد مقام (النهاوند أو النوى) أو اغنية (تايبين) بعد مقام (حجاز مدمي) وهكذا .

عندما وصل الزمن إلى القرن الحادي والعشرين تغير كل شيء تقريباً، الناس والحياة والتكنلوجيا والاهتمامات، فدخلنا عصراً جديداً من الغناء العراقي كان ميالاً إلى السذاجة اكثر من الرزانة، وضاع المقام العراقي على رغم جميع المحاولات التي قام بها الأساتذة والقراء، كانت مغريات الشهرة والمال أكثر من الاهتمام بالمقام، وأصبح المقام العراقي قديماً مركوناً في متحف بالنسبة للكثير من الناس، ابتعد أغلب المنشغلون بالغناء العراقي عن المقام وحتى عن الغناء الريفي وغيره من أشكال الغناء العراقي لأسباب وضحتها أعلاه، إذ يخاف أكثر المنشغلين بالمقام من التجديد لأنهم يعتبرونه تشويهاً، وهو في الحقيقة ليس تشويها لأن اسلافهم من المقاميين كانوا قد جددوه، فمن غير المعقول أن مطرب مقام في القرن العشرين يغني نفس الشعر والبسته من القرن السادس عشر، بالتأكيد أنهم جددوا البستات والأشعار واضافوا مقامات جديدة.
مازال بعض الأساتذة يحاولون التجديد لكنه ليس على نطاق عام، وبقيت المخاوف تحاوطهم من كل جانب.