أسئلة التاريخ والحياة قراءة في رواية ” عين الهراتي”

صورة الكاتب
بقلم: مآب عامر
التاريخ: 23 مايو 2026 عدد المشاهدات: 2775
أسئلة التاريخ والحياة  قراءة في رواية ” عين الهراتي”

 

أسئلة التاريخ والحياة

قراءة في رواية ” عين الهراتي”

 

تُعيد رواية “عين الهراتي” لخضير فليح الزيدي الأسئلة بمحاولة جادة وذكيّة لإحياء فترة زمنية تنفتح بها مساحات حوارية لتثير جدلا عميقًا، وكي تُناقش أفكارًا حول ماهيّة مدوّنات التأريخ والرغبة العارمة في مسائلة الحياة اليومية والهوية والفوضى وشرعية السلطة ورواية التاريخ: “كان جلُنا مقتنعاً بأن السلطة تنفذ بنا الإعدام في أية لحظة قادمة، للتخلص منّا قبل بلوغ نهاية نظامهم” وهي إذ تستكشف فكرة تكرار الماضي وطبيعة السلطة.  فرواية ” عين الهراتي” هي تلك الأسئلة العالقة التي تتركها الرواية لدى القارئ، أسئلة عن التاريخ المنسي أو المضمر أو المهمل.

ففي الرواية التي تقع في 193 صفحة والصادرة من دار صفصافة 2026 يحوّل الزيدي بوصلة القراءة إلى ذكر حادثة “سفينة دجلة القصبية” في عام 1977 وما جرى لها، إذ نرى العالم من خلال عيون طالب دكتوراه يُدعى “أحمد عدنان”، حيث تطرح الرواية تلك البيئة المنسية بين أساطيرها والخرافات الفاعلة في تلك البيئة الجنوبية، مع محاكات باطنية إلى تاريخ الوقائع: “لم أعثر بعد على مصادر بحثيّة تدعم رؤيتي العلمية ضمن الفضاء التاريخي العام المتداخل آنذاك في قرى مدينة القرنة، أيام بناء سفينة دجلة الأسطورية، مما دعاني، ووفق وصيّة الدكتور المشرف، للاعتماد على استنطاق الشهود الأحياء والولوج الميداني من باب الاستنتاج المدروس، وأيقنت تمام اليقين، بأننا شعوب معاصرة لا تدوّن، بل لا تهتم بتاريخها الشفاهي”. إذ يقدم الراوي تفسيراً يتجاوز فيه زمن الروي نفسه، بأفق يمتد تقنيًّا إلى ما يسمّى ما بعد الحداثة، والتي تعنى بتفكيك وحدة الزمن المنطقية، وعبر إثارة أسئلة ﺎﻟﺘﺤﻮﻻت اﻟﻔﻠﺴﻔﻴﺔ والاجتماعية واﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ: “أما سرحان الماركسي فكان يناشد أرواح من سبقه كفهد وسلام عادل ليناصروه في تلك اللحظة العصبية وهو ينتظر لحظة إعدامه. لقد قبض على سرحان في فندق من فنادق البتاوين ببغداد، كانت تهمته تلك الرسالة التي في جيبه، وصلته من زوجة صديقه الشيوعي الهارب يحثّه على الهرب، لكن الدليل أطاح به مخبراً الجهات الأمنية عنه، تبين أنه عميل مزدوج، أخبر السلطات وأفشل خطة الهرب”.

من خلال أحداث الرواية وتفاصيلها يظهر العالم كمصدر لتحدٍ اجتماعي لتلك العلاقة السياسية والأيديولوجية بالحاضر “لم نصل بعد إلى غايتنا، إذ كانت مركبة الإعدام تسير متأرجحة على الطريق، هذا ما أذكره، ولكني لا أنسى تلك اللحظة كيف أنطلق صوت أحد المحكومين بما يشبه الغناء المرّ، هو ليس غناء بالمعنى الشائع، كان أشبه بنواح أنين أمٍ لوداع جنازة الابن المقتول”.

كما وتصور الحالة الإنسانية وكأنها بلا معنى أو معالجات لمعاناة، وهذا الواقع وجودي ومقلق تميل عبره شخصيات الرواية إلى مواجهته من خلال تفاصيل عابرة ومصادر وهمية غاية في الأمان النفسي والعاطفي “وهكذا تدرب على تعلم الحياة الجديدة من دون لازمة الخوف ولا الكوابيس كناجٍ من حبل المشنقة، كان يستذكر ما حصل عن حلم مفزع في زاويته من المحجر، أحاول أن أفسر كلماته غير المترابطة وأحفظها في ذاكرتي”. وغذ أبدع الكاتب الزيدي في جعل بطل الرواية” عبد الغني” شخصية غامضة ليست له القدرة على النطق، ويستعين بصديقه القاص سمير لتوصيل أفكاره إلى طالب الدكتوراه.

جمعت رواية “عين الهراتي” بين العناصر الخيالية والحقائق أو الواقع، كما نقرأ “أعتقد أن سفينة القصب هي غير السفينة التي غرقت في عرض البحر احتجاجًا على منعها من مواصلة الإبحار، كما أخبره خاله سبهان، فهو يتحدث عن سفينة حربية، قيل إنها عثمانية أو ربما إنجليزية، وما زالت آثارها باقية للعيان في قضاء القرنة: “يحلف خالي سبهان أنها سفينة بريد، لقد توهمت البعثة اليابانية في السبعينيات كونها سفينة الآثار المقصودة. بحثوا في نهر دجلة مدة ثلاثة أشهر بين منطقتي القرنة والشافي باستخدام الأجهزة المتوفرة وقتها، ولم يعثروا على دليل سوى حادثة المدفع الذي لم يره أحد”. هذا التشكيك المقصود بواقعة سفينة دجلة القصبية يثير القارئ ويجعله في حيرة من أمره بين مصدّق التاريخ أو وقائع الرواية، لكن روايات الحكي الشفاهي تضخّمت كثيراً، وتضخم معها حجم المدفع الذي فاق حجم الفيل أو الديناصور، هكذا هي وقائع التاريخ تتضخم كلّما مر عليها الدهر، فالزيف والبهتان يلف معظم الوقائع المنسية، ولا من ضابط لتنقيتها مما علق بها من شوائب وترسبات”.

تتعمّق الأحداث وتطرح تساؤلات حول الحياة والموت، وتمزج بين التلميحات الأدبية والإشارات التاريخية والتأملات الفلسفية. كما تتناول الرواية أسئلة وجودية حول معنى الحياة تحت ظل الظلم المستديم، وعشوائية الوجود الإنساني وعبثه: “حُشرنا داخل القفص الحديدي على أمل أن نصل الحافة النهائية بأمان تام، كان اليأس من الحياة غالباً ما يجعل الفرد يفكر ببلوغ خط النهاية بأقصر الطرق، ومن كوّة التنفس القصيرة ينقل لنا أحد النزلاء مواقع الأمكنة في الطريق بانتظار بلوغ المقصلة”.

يناقش الزيدي كيف تؤثر أحداث التاريخ فينا، وكيف نستخدمها، وكيف نتوقع أن يتوافق عالمنا المعاصر مع السرد، ومدى حاجتنا كقراء إلى امتلاك نقاط مرجعية ذهنية منطقية لمتابعة التفاصيل “تركت كل الآراء وتمسكت برواية غير منطقية” ولكن هناك في حياتنا وفي كل مكان وكل زمان ما يبرر عبث وفوضى الحياة. الزيدي لعب بمرجعيّات وثقافات القارئ من خلال رواية ” عين الهراتي”.

 

 

عن الکاتب / الکاتبة

مآب عامر
مآب عامر
قاصة .صحفية/ العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


أسئلة التاريخ والحياة قراءة في رواية ” عين الهراتي”

بقلم: مآب عامر | التاريخ: 23 مايو 2026

التصنيف: الأدب

 

أسئلة التاريخ والحياة

قراءة في رواية ” عين الهراتي”

 

تُعيد رواية “عين الهراتي” لخضير فليح الزيدي الأسئلة بمحاولة جادة وذكيّة لإحياء فترة زمنية تنفتح بها مساحات حوارية لتثير جدلا عميقًا، وكي تُناقش أفكارًا حول ماهيّة مدوّنات التأريخ والرغبة العارمة في مسائلة الحياة اليومية والهوية والفوضى وشرعية السلطة ورواية التاريخ: “كان جلُنا مقتنعاً بأن السلطة تنفذ بنا الإعدام في أية لحظة قادمة، للتخلص منّا قبل بلوغ نهاية نظامهم” وهي إذ تستكشف فكرة تكرار الماضي وطبيعة السلطة.  فرواية ” عين الهراتي” هي تلك الأسئلة العالقة التي تتركها الرواية لدى القارئ، أسئلة عن التاريخ المنسي أو المضمر أو المهمل.

ففي الرواية التي تقع في 193 صفحة والصادرة من دار صفصافة 2026 يحوّل الزيدي بوصلة القراءة إلى ذكر حادثة “سفينة دجلة القصبية” في عام 1977 وما جرى لها، إذ نرى العالم من خلال عيون طالب دكتوراه يُدعى “أحمد عدنان”، حيث تطرح الرواية تلك البيئة المنسية بين أساطيرها والخرافات الفاعلة في تلك البيئة الجنوبية، مع محاكات باطنية إلى تاريخ الوقائع: “لم أعثر بعد على مصادر بحثيّة تدعم رؤيتي العلمية ضمن الفضاء التاريخي العام المتداخل آنذاك في قرى مدينة القرنة، أيام بناء سفينة دجلة الأسطورية، مما دعاني، ووفق وصيّة الدكتور المشرف، للاعتماد على استنطاق الشهود الأحياء والولوج الميداني من باب الاستنتاج المدروس، وأيقنت تمام اليقين، بأننا شعوب معاصرة لا تدوّن، بل لا تهتم بتاريخها الشفاهي”. إذ يقدم الراوي تفسيراً يتجاوز فيه زمن الروي نفسه، بأفق يمتد تقنيًّا إلى ما يسمّى ما بعد الحداثة، والتي تعنى بتفكيك وحدة الزمن المنطقية، وعبر إثارة أسئلة ﺎﻟﺘﺤﻮﻻت اﻟﻔﻠﺴﻔﻴﺔ والاجتماعية واﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ: “أما سرحان الماركسي فكان يناشد أرواح من سبقه كفهد وسلام عادل ليناصروه في تلك اللحظة العصبية وهو ينتظر لحظة إعدامه. لقد قبض على سرحان في فندق من فنادق البتاوين ببغداد، كانت تهمته تلك الرسالة التي في جيبه، وصلته من زوجة صديقه الشيوعي الهارب يحثّه على الهرب، لكن الدليل أطاح به مخبراً الجهات الأمنية عنه، تبين أنه عميل مزدوج، أخبر السلطات وأفشل خطة الهرب”.

من خلال أحداث الرواية وتفاصيلها يظهر العالم كمصدر لتحدٍ اجتماعي لتلك العلاقة السياسية والأيديولوجية بالحاضر “لم نصل بعد إلى غايتنا، إذ كانت مركبة الإعدام تسير متأرجحة على الطريق، هذا ما أذكره، ولكني لا أنسى تلك اللحظة كيف أنطلق صوت أحد المحكومين بما يشبه الغناء المرّ، هو ليس غناء بالمعنى الشائع، كان أشبه بنواح أنين أمٍ لوداع جنازة الابن المقتول”.

كما وتصور الحالة الإنسانية وكأنها بلا معنى أو معالجات لمعاناة، وهذا الواقع وجودي ومقلق تميل عبره شخصيات الرواية إلى مواجهته من خلال تفاصيل عابرة ومصادر وهمية غاية في الأمان النفسي والعاطفي “وهكذا تدرب على تعلم الحياة الجديدة من دون لازمة الخوف ولا الكوابيس كناجٍ من حبل المشنقة، كان يستذكر ما حصل عن حلم مفزع في زاويته من المحجر، أحاول أن أفسر كلماته غير المترابطة وأحفظها في ذاكرتي”. وغذ أبدع الكاتب الزيدي في جعل بطل الرواية” عبد الغني” شخصية غامضة ليست له القدرة على النطق، ويستعين بصديقه القاص سمير لتوصيل أفكاره إلى طالب الدكتوراه.

جمعت رواية “عين الهراتي” بين العناصر الخيالية والحقائق أو الواقع، كما نقرأ “أعتقد أن سفينة القصب هي غير السفينة التي غرقت في عرض البحر احتجاجًا على منعها من مواصلة الإبحار، كما أخبره خاله سبهان، فهو يتحدث عن سفينة حربية، قيل إنها عثمانية أو ربما إنجليزية، وما زالت آثارها باقية للعيان في قضاء القرنة: “يحلف خالي سبهان أنها سفينة بريد، لقد توهمت البعثة اليابانية في السبعينيات كونها سفينة الآثار المقصودة. بحثوا في نهر دجلة مدة ثلاثة أشهر بين منطقتي القرنة والشافي باستخدام الأجهزة المتوفرة وقتها، ولم يعثروا على دليل سوى حادثة المدفع الذي لم يره أحد”. هذا التشكيك المقصود بواقعة سفينة دجلة القصبية يثير القارئ ويجعله في حيرة من أمره بين مصدّق التاريخ أو وقائع الرواية، لكن روايات الحكي الشفاهي تضخّمت كثيراً، وتضخم معها حجم المدفع الذي فاق حجم الفيل أو الديناصور، هكذا هي وقائع التاريخ تتضخم كلّما مر عليها الدهر، فالزيف والبهتان يلف معظم الوقائع المنسية، ولا من ضابط لتنقيتها مما علق بها من شوائب وترسبات”.

تتعمّق الأحداث وتطرح تساؤلات حول الحياة والموت، وتمزج بين التلميحات الأدبية والإشارات التاريخية والتأملات الفلسفية. كما تتناول الرواية أسئلة وجودية حول معنى الحياة تحت ظل الظلم المستديم، وعشوائية الوجود الإنساني وعبثه: “حُشرنا داخل القفص الحديدي على أمل أن نصل الحافة النهائية بأمان تام، كان اليأس من الحياة غالباً ما يجعل الفرد يفكر ببلوغ خط النهاية بأقصر الطرق، ومن كوّة التنفس القصيرة ينقل لنا أحد النزلاء مواقع الأمكنة في الطريق بانتظار بلوغ المقصلة”.

يناقش الزيدي كيف تؤثر أحداث التاريخ فينا، وكيف نستخدمها، وكيف نتوقع أن يتوافق عالمنا المعاصر مع السرد، ومدى حاجتنا كقراء إلى امتلاك نقاط مرجعية ذهنية منطقية لمتابعة التفاصيل “تركت كل الآراء وتمسكت برواية غير منطقية” ولكن هناك في حياتنا وفي كل مكان وكل زمان ما يبرر عبث وفوضى الحياة. الزيدي لعب بمرجعيّات وثقافات القارئ من خلال رواية ” عين الهراتي”.