في معنى “سرد الحافة” عند القاص مؤید الشاوي

صورة الكاتب
بقلم: د. ماجد القيسي
التاريخ: 26 مايو 2026 عدد المشاهدات: 3001
في معنى “سرد الحافة” عند القاص مؤید الشاوي

في معنى “سرد الحافة” 

حين قرأتُ المانيفستو الصغير الذي وضعه الأستاذ مؤيد الشاوي حول ما أسماه “سرد الحافة”، شعرتُ للحظة أننا لا نتحدث عن تصنيف أدبي جديد بقدر ما نتحدث عن محاولة للنجاة. هل نحتاج فعلاً إلى اسم جديد لما نكتبه؟ ربما. فالصحف المغربية والمصرية التي سارعت للاحتفاء بالمصطلح ووصفته بـ “الابتكار” أو “الإتيكيت الأدبي الجديد”، كانت تلمس في الواقع حاجة جيل كامل فرّت منه الأحداث الكبرى، أو دهسته، فلم يتبقَّ له سوى الهوامش.
بالنسبة لي، وأنا أتأمل هذا الطرح، أجدني ميالاً لتسميته بـ “السرد البرزخي”. البرزخ هنا ليس مجرد مسافة، بل هو ذلك القلق الذي يعيشه المرء وهو واقف على عتبة غرفته، لا هو قادر على الانخراط في ضجيج الشارع، ولا هو قادر على النوم بسلام. إنه نص يرفض التقريرية، ويستعير من القصة شخوصها المنهكة ليقذف بها في أتون تأمل نثري طويل، حيث تصبح التفاصيل الميتة هي البطل الحقيقي.
دعونا نتأمل نص “الذبابة والنملة” المنشور كنموذج لهذا الاتجاه. النص يبدأ بـ “اشتقتُ لكِ”، لكنها ليست بوجع العشاق التقليدي، بل هي إدانة للمكان والزمن. الكاتب هنا، وبضمير متكلم متعب، يعيد صياغة علاقتنا بالأشياء الصامتة. الغرفة تتقدم نحوه خطوة كلما عاد متأخراً. من منا لم يشعر يوماً أن جدران بيته تضيق عليه، لا لأن مساحتها تقلصت هندسياً، بل لأن حجم الخيبات داخلها قد تمدد؟
المثير في هذا النص هو العثور على الدراما في أشد المشاهد مجانية وعفوية. في ظهيرة خانقة، تظهر نملة على الطاولة وتحط ذبابة على حافة الكوب. هنا ينقسم الوعي الإنساني أمام الحافة؛ النملة، ذلك الكائن الصبور الذي يحمل قشة أثقل من ظله، يتفاوض مع الحافة، يتسلق الإصبع وكأنه امتداد للأرض، إنه كائن لا يربط الحركة بالوصول بل بالاستمرار. وعلى النقيض، تأتي الذبابة لتضرب زجاج النافذة برأسها في محاولة يائسة للوصول إلى فكرة الضوء، حتى يسقط جناحها وتموت. ألسنا نشبههما في تقلباتنا؟ ألسنا أحياناً نملة تداري السقوط، وأحياناً ذبابة يقتلها الوضوح؟
ثم يحدث ذلك الانقطاع المفاجئ في إيقاع العزلة. يظهر شق في الجدار، ومن خلاله يتسرب الغبار، والبارود، وتاريخ كامل من الحرب والفقد. في هذه اللحظة بالذات، خرج النص من رتابة المونولوج الداخلي إلى عمق التجربة الإنسانية المشتركة. تذكرتُ وأنا أقرأ هذا المقطع بيوتنا القديمة التي تصدعت جدرانها جراء قذائف بعيدة، وكيف كنا نلعب كأطفال دون أن ندرك أن تلك الشقوق ستصبح يوماً ما شبابيك نطل منها على ماضينا المحترق. الكاتب لم يكتب تقريراً عن الحرب، بل التقط أثرها البطيء في النفوس، التقط تلك المسافة الصادقة والموجعة بينه وبين المرأة التي جلست على المقعد ثم تبخرت، تاركة المكان عاجزاً عن استيعاب غيابها.
لستُ متأكداً إن كان “سرد الحافة” سيصمد طويلاً كتيار أدبي مستقل، فالخوف كل الخوف في مثل هذه الكتابات هو السقوط في فخ التكرار والرتابة، حيث يمكن لأي كاتب أقل موهبة أن يملأ الصفحات بتأملات باردة عن الغبار والساعات المعطلة دون أن يحرك في القارئ ساكناً. لكن في حالة هذا النص، كان الصدق الوجداني هو المنقذ. حين يقرر الراوي في النهاية أن يغلق الباب ويخرج إلى المدينة التي تشيخ وتضحك دون أن تلتفت لغرفته، يترك خلفه الانتظار ليمارس عادته وحيداً. إنه تصالح مرير مع الهزيمة، لكنه تصالح يمنح صاحبه، ولأول مرة، شعوراً بكفاية اللحظة وعفويتها.
أعتقد أن هذه التجربة، بـنَفَسِها الوجداني المتأني، تمثل صوتاً حقيقياً لإنسان هذا العصر، الإنسان المعلق على حافة الترقب، والذي لم يعد يبحث عن حكايات كبرى، بل عن شق في جدار يثبت له أنه ما زال على قيد الحياة.
إذا أردنا الابتعاد عن لفظة “البرزخي” والبحث عن تسمية بديلة تلمس جوهر هذا النوع من الكتابة، أجدني ميالاً لتسميته بـ “سرد العتبة” .
العتبة في الوعي الإنساني ليست مجرد قطعة خشب أو رخام تفصل بين الشارع والبيت، بل هي ذاك الحيز النفسي القلق والمشحون بالتردد؛ المكان الذي تقف فيه حين لا تكون مستعداً تماماً للدخول، ولا تملك الرغبة في الالتفات والعودة. الكاتب في هذا السرد يرفض الاستقرار داخل الغرفة (الاستسلام التام للداخل)، كما يخشى الاندماج الكامل في ضجيج المدينة بالخارج، فيختار العتبة مكاناً دائماً للمراقبة.
وإذا أردنا تسمية ذات نبرة فلسفية أكثر قرباً من الذات، يمكننا تسميته بـ “سرد المكوث”؛ لأنه نص يتخلى عن الركض وراء الحبكة المتصاعدة، ويفضل المكوث الطويل أمام التفاصيل العادية وتأملها حتى تنطق بأسئلتها الوجودية.

……..

قصة:الذبابة والنملة

اشتقتُ لكِ.
لا كجملةٍ تُقال،
بل كحالةٍ بدأت قبل أن ألاحظها،
واستقرّت فيّ
كما تستقرّ الأشياء التي لا نعرف
متى بدأت،
ولا كيف صارت جزءًا من الطريقة
التي ننظر بها إلى الغرف،
والنوافذ،
وما لا يعود.
لم تكن الغرفة تنتظرني حين دخلتُها أول مرة.
كنتُ أنا من جلس طويلًا بما يكفي
حتى تعلّم الانتظار
دون أن ينتبه إلى اللحظة
التي صار فيها الانتظار
صفةً من صفاته الأساسية.
في البداية كانت مجرد مكان:
أربعة جدران،
شباك واحد،
وباب لا يصدر صوتًا،
كأن وجوده مشروط
بعدم استعماله.
لكن الأمكنة، مثل البشر،
تكتسب ملامح من يطيل الإقامة فيها.
ومع الوقت،
صرتُ أشعر أن الغرفة
تتقدّم نحوي خطوة صغيرة
كلما عدتُ متأخرًا،
كأنها تضيق
لا بسبب المساحة،
بل بسبب ما لم يُفصح عنه.
الجدران لا تحفظ الصور،
بل التردّد الذي سبقها:
الجمل التي وصلت إلى الحلق ثم عادت،
والأفكار التي اختارت الصمت
خوفًا من أن تُساء قراءتها.
الشباك كان يتنفّس وحده،
كصدرٍ نسي صاحبه.
لا لأن الهواء يتحرّك،
بل لأن شيئًا في الخارج
يصرّ على الدخول،
وشيئًا في الداخل
يصرّ على الخروج،
ولم أكن أنا الوسيط بينهما،
بل العائق.
في ظهيرة بلا أحداث،
ظهرت نملة سوداء على الطاولة.
لم يكن حضورها مفاجئًا،
بل دقيقًا إلى حدّ مقلق،
كأنها اختارت اللحظة
التي أفرغتُ فيها رأسي تمامًا.
تحمل فتاتًا
أثقل من ظلّها،
فتاتًا لا يصلح للأكل،
لكنه يصلح للاستمرار.
مشيتها لم تكن سريعة ولا مترددة،
بل مشية كائن
لا يربط الحركة بالوصول.
وضعتُ إصبعي في طريقها.
لم أفعل ذلك بدافع القسوة،
بل الفضول:
كيف تتصرّف الكائنات الصغيرة
حين يقرّر العالم
أن يختبرها فجأة؟
لم تتراجع.
لم تغيّر الاتجاه.
تسلّقت إصبعي
كما لو أنه امتداد متأخر للأرض،
ثم واصلت.
في تلك اللحظة
شعرتُ بإهانة غامضة،
ليست شخصية،
بل وجودية:
أن تكون أقل يقينًا
من نملة.
حدثتها عنكِ طويلاً.
ليس لأنني أفتقدكِ،
بل لأن اسمكِ
كان آخر شكلٍ ثابت
لم يتآكل في ذاكرتي.
حدثتها عن الرسائل
التي كُتبت ببطء
ثم تُركت كما هي،
كأبواب لم تُفتح
ولم تُغلق.
عن اليد التي امتدت مرة
ثم تعلّمت التراجع
كردّ فعل دائم.
النملة لم تجب.
لكن عند حافة الطاولة
توقفت فجأة،
لوّحت بقرونها في الفراغ،
كأنها تفحص عمق شيء لا أراه،
ثم اختارت طريقًا أطول،
أقل سقوطًا.
كانت الساعة على الجدار متوقفة.
لم أغيّر البطارية.
بعض الأشياء نتركها معطّلة
لنمتلك دليلًا خارجيًا
على ما يحدث في الداخل.
حين عبرت النملة فوق زجاج الساعة
صار ظلّها عقربًا إضافيًا،
يتحرّك وحده،
خارج نظام القياس،
كأن الزمن نفسه
يحاول أن يتعلّم
كيف يستمر.
بعدها بقليل،
حطّت ذبابة على حافة الكوب.
ضربت سطح الماء بجناحيها،
فتساقط منه قليلًا.
دوائر صغيرة اتّسعت ببطء.
النملة اقتربت من الحافة،
حدّقت في الماء
كأنه هاوية.
وفي تلك اللحظة
حدّثتُ نفسي،
لا النملة:
ربما يمكنني أن أغرق أنا،
أو أنتِ،
ليس في الماء،
بل في هذا التردّد،
في هذه الدائرة التي تتّسع
ولا تبتلع شيئًا
إلا معناها.
اهتزّ وجهي المنعكس.
الذبابة لا تفكّر.
وهذا امتياز
لم يُمنح للبشر.
طنينها لم يكن مزعجًا،
بل دقيقًا،
كأنه يذكّرني
بأن اللحظة
حين تُفكَّر أكثر من اللازم

تفقد قدرتها على العبور.
هربت الذبابة.
بقيت النملة.
وعندها أدركتُ
أن الكائنات لا تُقاس بحجمها،
بل بعلاقتها بالحافة:
النملة تفاوضها،
والذبابة تصطدم.
لاحظتُ شقًا في الجدار.
لم يكن هناك بالأمس.
أو ربما
كنتُ أقل صدقًا مع نفسي
لأراه.
اقتربت.
لم يخرج منه هواء،
بل زمن:
غبار قديم،
بارود،
وشيء يشبه الزهور
حين تُدفن بسرعة.
من خلال الشق
لم أرَ الماضي،
بل ترتيبًا آخر له:
نحن طفلان نركض،
الأرض تهتز تحت أقدامنا،
لكن الضحك كان أعلى من الخوف
في تلك اللحظة القصيرة
التي لم نعرف قيمتها.
ثم جاءت الحرب.
لا كحدث،
بل كحقيقة بطيئة.
دوي انفجارات بعيدة،
قذائف تمزّق الهواء،
ووجوه تتعلّم
كيف تعيش مع الشظايا.
الحديقة المهجورة
كانت تتذكّر كل شيء.
اتّسع الشق
حتى صار نافذة،
تطلّ على كل الحب الذي لم نعيشه
وكل الفقد
الذي لم نفهمه بعد.
طرق الباب.
هذه المرة
لم يكن الصوت داخليًا.
فتحت.
الحديقة أمامي،
صامتة لكنها حيّة،
أشجار متشابكة،
أرض رطبة من مطر قديم،
والريح تمرّ بينها
كما تمرّ الكلمات
في الأماكن المهجورة:
خفيفة،
قابلة للزوال،
مثل الأحلام.
تحت شجرة كبيرة
وقفت امرأة.
تشبهكِ،
ولا تشبهكِ.
كأن الذاكرة
حاولت أن تتجسّد
ولم تتقن الملامح.
جلسنا متباعدين.
المسافة كانت
أكثر الأشياء صدقًا بيننا.
تكلّمنا قليلًا.
عن الوقت،
عن الغياب،
عن أشياء لا تحتاج
إلى أسماء واضحة.
الكلمات هنا
لا تُقال لتُفهم،
بل لتُترك معلّقة.
حين التفتُّ ثانية
لم تكن هناك.
المقعد كان فارغًا،
لكن المكان
بدا كأنه لم يتعلّم بعد
معنى الغياب.
عدتُ إلى الغرفة.
الذبابة تصطدم بالزجاج.
مرة.
ومرة.
ومرة.
لم تكن تحاول الخروج،
بل تحاول الوصول
إلى فكرة الضوء.
تمزّق جناحها.
سقطت.
النملة مرّت بجانبها،
لم تلمسها،
كأنها تعرف
أن بعض الأشياء
ليست غذاءً،
بل ذاكرة فاسدة.
نظرتُ إلى المرآة.
لم أرَ نفسي.
رأيتُ الغرفة
وقد امتلأت بالانتظار.
فتحتُ النافذة.
المدينة كانت هناك:
تتحرّك،
تنفجر،
تضحك،
تشيخ،
دون أي اعتبار لغرفتي.
دخلت ذبابة أخرى،
دارت دورة واحدة،
ثم خرجت.
نهضتُ.
أغلقتُ الباب خلفي،
لا لأحتمي،
بل لأترك الانتظار
يمارس عادته
بدوني.
في الخارج
لم يحدث شيء عظيم.
وهذا،
لأول مرة،
كان كافيًا.

عن الکاتب / الکاتبة

د. ماجد القيسي
د. ماجد القيسي
ناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

قراءة في قصة ” قلب شاغر” للقاص مؤيد الشاوي

قراءة في قصة ” قلب شاغر” للقاص مؤيد الشاوي

  قراءة في قصة ” قلب شاغر” للقاص مؤيد الشاوي   من العتبة الأولى التي…

صورة الكاتب د. ماجد القيسي
21 مايو 2026
اقرأ المزيد
قراءة نقدية لقصة “الأرجوحة التي علّقت الذاكرة” للقاص مؤيد الشاوي

قراءة نقدية لقصة “الأرجوحة التي علّقت الذاكرة” للقاص مؤيد الشاوي

قراءة نقدية لقصة “الأرجوحة التي علّقت الذاكرة” للقاص مؤيد الشاوي تبدأ قصة “الأرجوحة التي علّقت…

صورة الكاتب د. ماجد القيسي
12 مايو 2026
اقرأ المزيد
قراءة لقصة “خطأ لا يُغتفر — أثر لا يُمحى” للكاتبة أسيل عبد الأمير

قراءة لقصة “خطأ لا يُغتفر — أثر لا يُمحى” للكاتبة أسيل عبد الأمير

تعد قصة “خطأ لا يُغتفر — أثر لا يُمحى” للكاتبة أسيل عبد الأمير نصاً سردياً…

صورة الكاتب د. ماجد القيسي
7 مايو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


في معنى “سرد الحافة” عند القاص مؤید الشاوي

بقلم: د. ماجد القيسي | التاريخ: 26 مايو 2026

التصنيف: الأدب

في معنى “سرد الحافة” 

حين قرأتُ المانيفستو الصغير الذي وضعه الأستاذ مؤيد الشاوي حول ما أسماه “سرد الحافة”، شعرتُ للحظة أننا لا نتحدث عن تصنيف أدبي جديد بقدر ما نتحدث عن محاولة للنجاة. هل نحتاج فعلاً إلى اسم جديد لما نكتبه؟ ربما. فالصحف المغربية والمصرية التي سارعت للاحتفاء بالمصطلح ووصفته بـ “الابتكار” أو “الإتيكيت الأدبي الجديد”، كانت تلمس في الواقع حاجة جيل كامل فرّت منه الأحداث الكبرى، أو دهسته، فلم يتبقَّ له سوى الهوامش.
بالنسبة لي، وأنا أتأمل هذا الطرح، أجدني ميالاً لتسميته بـ “السرد البرزخي”. البرزخ هنا ليس مجرد مسافة، بل هو ذلك القلق الذي يعيشه المرء وهو واقف على عتبة غرفته، لا هو قادر على الانخراط في ضجيج الشارع، ولا هو قادر على النوم بسلام. إنه نص يرفض التقريرية، ويستعير من القصة شخوصها المنهكة ليقذف بها في أتون تأمل نثري طويل، حيث تصبح التفاصيل الميتة هي البطل الحقيقي.
دعونا نتأمل نص “الذبابة والنملة” المنشور كنموذج لهذا الاتجاه. النص يبدأ بـ “اشتقتُ لكِ”، لكنها ليست بوجع العشاق التقليدي، بل هي إدانة للمكان والزمن. الكاتب هنا، وبضمير متكلم متعب، يعيد صياغة علاقتنا بالأشياء الصامتة. الغرفة تتقدم نحوه خطوة كلما عاد متأخراً. من منا لم يشعر يوماً أن جدران بيته تضيق عليه، لا لأن مساحتها تقلصت هندسياً، بل لأن حجم الخيبات داخلها قد تمدد؟
المثير في هذا النص هو العثور على الدراما في أشد المشاهد مجانية وعفوية. في ظهيرة خانقة، تظهر نملة على الطاولة وتحط ذبابة على حافة الكوب. هنا ينقسم الوعي الإنساني أمام الحافة؛ النملة، ذلك الكائن الصبور الذي يحمل قشة أثقل من ظله، يتفاوض مع الحافة، يتسلق الإصبع وكأنه امتداد للأرض، إنه كائن لا يربط الحركة بالوصول بل بالاستمرار. وعلى النقيض، تأتي الذبابة لتضرب زجاج النافذة برأسها في محاولة يائسة للوصول إلى فكرة الضوء، حتى يسقط جناحها وتموت. ألسنا نشبههما في تقلباتنا؟ ألسنا أحياناً نملة تداري السقوط، وأحياناً ذبابة يقتلها الوضوح؟
ثم يحدث ذلك الانقطاع المفاجئ في إيقاع العزلة. يظهر شق في الجدار، ومن خلاله يتسرب الغبار، والبارود، وتاريخ كامل من الحرب والفقد. في هذه اللحظة بالذات، خرج النص من رتابة المونولوج الداخلي إلى عمق التجربة الإنسانية المشتركة. تذكرتُ وأنا أقرأ هذا المقطع بيوتنا القديمة التي تصدعت جدرانها جراء قذائف بعيدة، وكيف كنا نلعب كأطفال دون أن ندرك أن تلك الشقوق ستصبح يوماً ما شبابيك نطل منها على ماضينا المحترق. الكاتب لم يكتب تقريراً عن الحرب، بل التقط أثرها البطيء في النفوس، التقط تلك المسافة الصادقة والموجعة بينه وبين المرأة التي جلست على المقعد ثم تبخرت، تاركة المكان عاجزاً عن استيعاب غيابها.
لستُ متأكداً إن كان “سرد الحافة” سيصمد طويلاً كتيار أدبي مستقل، فالخوف كل الخوف في مثل هذه الكتابات هو السقوط في فخ التكرار والرتابة، حيث يمكن لأي كاتب أقل موهبة أن يملأ الصفحات بتأملات باردة عن الغبار والساعات المعطلة دون أن يحرك في القارئ ساكناً. لكن في حالة هذا النص، كان الصدق الوجداني هو المنقذ. حين يقرر الراوي في النهاية أن يغلق الباب ويخرج إلى المدينة التي تشيخ وتضحك دون أن تلتفت لغرفته، يترك خلفه الانتظار ليمارس عادته وحيداً. إنه تصالح مرير مع الهزيمة، لكنه تصالح يمنح صاحبه، ولأول مرة، شعوراً بكفاية اللحظة وعفويتها.
أعتقد أن هذه التجربة، بـنَفَسِها الوجداني المتأني، تمثل صوتاً حقيقياً لإنسان هذا العصر، الإنسان المعلق على حافة الترقب، والذي لم يعد يبحث عن حكايات كبرى، بل عن شق في جدار يثبت له أنه ما زال على قيد الحياة.
إذا أردنا الابتعاد عن لفظة “البرزخي” والبحث عن تسمية بديلة تلمس جوهر هذا النوع من الكتابة، أجدني ميالاً لتسميته بـ “سرد العتبة” .
العتبة في الوعي الإنساني ليست مجرد قطعة خشب أو رخام تفصل بين الشارع والبيت، بل هي ذاك الحيز النفسي القلق والمشحون بالتردد؛ المكان الذي تقف فيه حين لا تكون مستعداً تماماً للدخول، ولا تملك الرغبة في الالتفات والعودة. الكاتب في هذا السرد يرفض الاستقرار داخل الغرفة (الاستسلام التام للداخل)، كما يخشى الاندماج الكامل في ضجيج المدينة بالخارج، فيختار العتبة مكاناً دائماً للمراقبة.
وإذا أردنا تسمية ذات نبرة فلسفية أكثر قرباً من الذات، يمكننا تسميته بـ “سرد المكوث”؛ لأنه نص يتخلى عن الركض وراء الحبكة المتصاعدة، ويفضل المكوث الطويل أمام التفاصيل العادية وتأملها حتى تنطق بأسئلتها الوجودية.

……..

قصة:الذبابة والنملة

اشتقتُ لكِ.
لا كجملةٍ تُقال،
بل كحالةٍ بدأت قبل أن ألاحظها،
واستقرّت فيّ
كما تستقرّ الأشياء التي لا نعرف
متى بدأت،
ولا كيف صارت جزءًا من الطريقة
التي ننظر بها إلى الغرف،
والنوافذ،
وما لا يعود.
لم تكن الغرفة تنتظرني حين دخلتُها أول مرة.
كنتُ أنا من جلس طويلًا بما يكفي
حتى تعلّم الانتظار
دون أن ينتبه إلى اللحظة
التي صار فيها الانتظار
صفةً من صفاته الأساسية.
في البداية كانت مجرد مكان:
أربعة جدران،
شباك واحد،
وباب لا يصدر صوتًا،
كأن وجوده مشروط
بعدم استعماله.
لكن الأمكنة، مثل البشر،
تكتسب ملامح من يطيل الإقامة فيها.
ومع الوقت،
صرتُ أشعر أن الغرفة
تتقدّم نحوي خطوة صغيرة
كلما عدتُ متأخرًا،
كأنها تضيق
لا بسبب المساحة،
بل بسبب ما لم يُفصح عنه.
الجدران لا تحفظ الصور،
بل التردّد الذي سبقها:
الجمل التي وصلت إلى الحلق ثم عادت،
والأفكار التي اختارت الصمت
خوفًا من أن تُساء قراءتها.
الشباك كان يتنفّس وحده،
كصدرٍ نسي صاحبه.
لا لأن الهواء يتحرّك،
بل لأن شيئًا في الخارج
يصرّ على الدخول،
وشيئًا في الداخل
يصرّ على الخروج،
ولم أكن أنا الوسيط بينهما،
بل العائق.
في ظهيرة بلا أحداث،
ظهرت نملة سوداء على الطاولة.
لم يكن حضورها مفاجئًا،
بل دقيقًا إلى حدّ مقلق،
كأنها اختارت اللحظة
التي أفرغتُ فيها رأسي تمامًا.
تحمل فتاتًا
أثقل من ظلّها،
فتاتًا لا يصلح للأكل،
لكنه يصلح للاستمرار.
مشيتها لم تكن سريعة ولا مترددة،
بل مشية كائن
لا يربط الحركة بالوصول.
وضعتُ إصبعي في طريقها.
لم أفعل ذلك بدافع القسوة،
بل الفضول:
كيف تتصرّف الكائنات الصغيرة
حين يقرّر العالم
أن يختبرها فجأة؟
لم تتراجع.
لم تغيّر الاتجاه.
تسلّقت إصبعي
كما لو أنه امتداد متأخر للأرض،
ثم واصلت.
في تلك اللحظة
شعرتُ بإهانة غامضة،
ليست شخصية،
بل وجودية:
أن تكون أقل يقينًا
من نملة.
حدثتها عنكِ طويلاً.
ليس لأنني أفتقدكِ،
بل لأن اسمكِ
كان آخر شكلٍ ثابت
لم يتآكل في ذاكرتي.
حدثتها عن الرسائل
التي كُتبت ببطء
ثم تُركت كما هي،
كأبواب لم تُفتح
ولم تُغلق.
عن اليد التي امتدت مرة
ثم تعلّمت التراجع
كردّ فعل دائم.
النملة لم تجب.
لكن عند حافة الطاولة
توقفت فجأة،
لوّحت بقرونها في الفراغ،
كأنها تفحص عمق شيء لا أراه،
ثم اختارت طريقًا أطول،
أقل سقوطًا.
كانت الساعة على الجدار متوقفة.
لم أغيّر البطارية.
بعض الأشياء نتركها معطّلة
لنمتلك دليلًا خارجيًا
على ما يحدث في الداخل.
حين عبرت النملة فوق زجاج الساعة
صار ظلّها عقربًا إضافيًا،
يتحرّك وحده،
خارج نظام القياس،
كأن الزمن نفسه
يحاول أن يتعلّم
كيف يستمر.
بعدها بقليل،
حطّت ذبابة على حافة الكوب.
ضربت سطح الماء بجناحيها،
فتساقط منه قليلًا.
دوائر صغيرة اتّسعت ببطء.
النملة اقتربت من الحافة،
حدّقت في الماء
كأنه هاوية.
وفي تلك اللحظة
حدّثتُ نفسي،
لا النملة:
ربما يمكنني أن أغرق أنا،
أو أنتِ،
ليس في الماء،
بل في هذا التردّد،
في هذه الدائرة التي تتّسع
ولا تبتلع شيئًا
إلا معناها.
اهتزّ وجهي المنعكس.
الذبابة لا تفكّر.
وهذا امتياز
لم يُمنح للبشر.
طنينها لم يكن مزعجًا،
بل دقيقًا،
كأنه يذكّرني
بأن اللحظة
حين تُفكَّر أكثر من اللازم

تفقد قدرتها على العبور.
هربت الذبابة.
بقيت النملة.
وعندها أدركتُ
أن الكائنات لا تُقاس بحجمها،
بل بعلاقتها بالحافة:
النملة تفاوضها،
والذبابة تصطدم.
لاحظتُ شقًا في الجدار.
لم يكن هناك بالأمس.
أو ربما
كنتُ أقل صدقًا مع نفسي
لأراه.
اقتربت.
لم يخرج منه هواء،
بل زمن:
غبار قديم،
بارود،
وشيء يشبه الزهور
حين تُدفن بسرعة.
من خلال الشق
لم أرَ الماضي،
بل ترتيبًا آخر له:
نحن طفلان نركض،
الأرض تهتز تحت أقدامنا،
لكن الضحك كان أعلى من الخوف
في تلك اللحظة القصيرة
التي لم نعرف قيمتها.
ثم جاءت الحرب.
لا كحدث،
بل كحقيقة بطيئة.
دوي انفجارات بعيدة،
قذائف تمزّق الهواء،
ووجوه تتعلّم
كيف تعيش مع الشظايا.
الحديقة المهجورة
كانت تتذكّر كل شيء.
اتّسع الشق
حتى صار نافذة،
تطلّ على كل الحب الذي لم نعيشه
وكل الفقد
الذي لم نفهمه بعد.
طرق الباب.
هذه المرة
لم يكن الصوت داخليًا.
فتحت.
الحديقة أمامي،
صامتة لكنها حيّة،
أشجار متشابكة،
أرض رطبة من مطر قديم،
والريح تمرّ بينها
كما تمرّ الكلمات
في الأماكن المهجورة:
خفيفة،
قابلة للزوال،
مثل الأحلام.
تحت شجرة كبيرة
وقفت امرأة.
تشبهكِ،
ولا تشبهكِ.
كأن الذاكرة
حاولت أن تتجسّد
ولم تتقن الملامح.
جلسنا متباعدين.
المسافة كانت
أكثر الأشياء صدقًا بيننا.
تكلّمنا قليلًا.
عن الوقت،
عن الغياب،
عن أشياء لا تحتاج
إلى أسماء واضحة.
الكلمات هنا
لا تُقال لتُفهم،
بل لتُترك معلّقة.
حين التفتُّ ثانية
لم تكن هناك.
المقعد كان فارغًا،
لكن المكان
بدا كأنه لم يتعلّم بعد
معنى الغياب.
عدتُ إلى الغرفة.
الذبابة تصطدم بالزجاج.
مرة.
ومرة.
ومرة.
لم تكن تحاول الخروج،
بل تحاول الوصول
إلى فكرة الضوء.
تمزّق جناحها.
سقطت.
النملة مرّت بجانبها،
لم تلمسها،
كأنها تعرف
أن بعض الأشياء
ليست غذاءً،
بل ذاكرة فاسدة.
نظرتُ إلى المرآة.
لم أرَ نفسي.
رأيتُ الغرفة
وقد امتلأت بالانتظار.
فتحتُ النافذة.
المدينة كانت هناك:
تتحرّك،
تنفجر،
تضحك،
تشيخ،
دون أي اعتبار لغرفتي.
دخلت ذبابة أخرى،
دارت دورة واحدة،
ثم خرجت.
نهضتُ.
أغلقتُ الباب خلفي،
لا لأحتمي،
بل لأترك الانتظار
يمارس عادته
بدوني.
في الخارج
لم يحدث شيء عظيم.
وهذا،
لأول مرة،
كان كافيًا.