قصيدة مبعثرة أنا  ” شافية حجيري ” بين أسر القبيلة وحرية الخيال

صورة الكاتب
بقلم: حميد بركي
التاريخ: 28 مايو 2026 عدد المشاهدات: 2452
قصيدة مبعثرة أنا  ” شافية حجيري ” بين أسر القبيلة وحرية الخيال

قصيدة مبعثرة أنا 
” شافية حجيري ” بين أسر القبيلة وحرية الخيال

 

تبعثر…

قصيدةٌ مبعثرةٌ…أنا
بين ميزاني وميزانَ الظلال..
بين تاريخي وتاريخ القبيلة..
بين لُغتي ولغةَ أقراني..

قصيدةٌ مبعثرةٌ…أنا
حضيرة شوق هامدة
غيمة تكتنز جنوح هذيانها
تؤرشف مواويل القلق..

ذَرُوني يا أسيادَ سُلالتي
أسبح بجدول المعاني
أُميس في حقل الخيال
بلا كاسرات..
أصافح نواعير الشروق
لموعد …
كنقطة بدء

تُبنى على توتر داخلي عميق بين الذات وما يُراد لها أن تكونه، المتكلم لا يقدّم نفسه باعتبارها ذاتًا مستقرة أو مكتملة، وإنما باعتبارها “قصيدة مبعثرة”، أي كيانًا لغويًا ونفسيًا مفتوحًا على التشظي والبحث والالتباس، اختيار كلمة “قصيدة” بدل “إنسان” أو “روح” يكشف منذ البداية أن الهوية كتابة مستمرة، تتكوّن وتتفكك في الآن نفسه. أما “التبعثر” كما يظهر بوصفه ضعفًا، يظهر بوصفه حالة وجودية ناتجة عن تضارب المرجعيات وتنازع الانتماءات، في المقطع الأول تتجلى ثنائية الانقسام بوضوح: “بين ميزاني وميزان الظلال بين تاريخي وتاريخ القبيلة بين لغتي ولغة أقراني”
البنية القائمة على التكرار “بين… وبين…” تمنح النص إيقاعًا مترددًا، كأن الذات معلّقة في منطقة وسطى لا تنتمي كليًا لأي جهة “ميزاني” يحيل إلى معيار الذات، إلى قناعاتها الداخلية، بينما “ميزان الظلال” يوحي بالمقاييس الوهمية أو الأحكام التي تصنعها الصور الاجتماعية والخوف الجمعي، الظل رمز لما هو غير أصيل، لما يعيش على هامش الحقيقة.
أما “تاريخي وتاريخ القبيلة” فتشير إلى صراع الفرد مع الإرث الجمعي، القبيلة لا تُفهم بمعناها البدوي الضيق، وإنما كرمز للسلطة الاجتماعية والهوية المفروضة والتقاليد التي تريد ابتلاع التجربة الفرديةالذات تحاول أن تمتلك سرديتها الخاصة في مواجهة السردية الكبرى التي تحدد كيف يجب أن يكون الإنسان وكيف يفكر ويتكلم ويحلم،
ثم تأتي الثنائية الثالثة: “بين لغتي ولغة أقراني” وهنا يبلغ الاغتراب ذروته، لأن اللغة بيت الوجود كما يقول الفلاسفة، اختلاف اللغة يعني اختلاف الرؤية إلى العالم، المتكلم يشعر أنه حتى داخل دائرته القريبة عاجز عن التطابق، كأن كلماته تنتمي إلى مناخ آخر،
في المقطع الثاني يتحول النص من توصيف الانقسام إلى رسم المشهد النفسي الداخلي: “حضيرة شوق هامدة غيمة تكتنز جنوح هذيانها تؤرشف مواويل القلق”
الصورة كثيفة جدًا، وتعتمد على المجاز المركب. “حضيرة شوق هامدة” تجمع بين عنصرين متناقضين: الشوق بما هو حركة واشتعال، والهُمود بما هو انطفاء وسكون، كأن الرغبة موجودة لكنها عاجزة عن التحقق.. كلمة “حضيرة” توحي أيضًا بالاحتواء المغلق، أي أن الشوق محاصر داخل الذات، لا يجد منفذًا إلى العالم.

ثم تتحول الذات إلى “غيمة” والغيمة في الشعر العربي غالبًا رمز للعطاء والانهمار، غير أنها هنا “تكتنز جنوح هذيانها”، أي تحمل داخلها فائضًا من الانفلات والتشوش، أما الهذيان ليس جنونًا خالصًا، وإنما طاقة داخلية غير مروّضة، الفعل “تكتنز” يضفي على الهذيان قيمة مادية مخبوءة، كأن القلق نفسه أصبح ثروة شعورية ثقيلة،
أما عبارة “تؤرشف مواويل القلق” فتُعد من أجمل صور النص وأكثرها حداثة. الجمع بين “الأرشفة” ذات الطابع البارد الإداري، و”المواويل” ذات الطابع الغنائي الوجداني، يصنع مفارقة لافتة، الذات تحفظه ويصبح جزءًا من ذاكرتها المنظمة. القلق تاريخ داخلي متراكم،
في المقطع الأخير يحدث انعطاف واضح من التأمل إلى الرغبة في التحرر: “ذروني يا أسياد سلالتي”
النداء يحمل احتجاجًا مكتومًا “أسياد سلالتي” تعبير شديد الدلالة، لأنه يكشف أن الانتماء العائلي أو الاجتماعي تحوّل إلى سلطة وصاية. هناك من تريد إدارة حياة الشاعرة باسم الأصل والنسب والامتداد الجمعي. لذلك يأتي فعل “ذروني” محمّلًا بتوق حاد إلى الانعتاق.

بعدها تتدفق الأفعال الحرة: “أسبح بجدول المعاني أميس في حقل الخيال بلا كاسرات”
النص ينتقل من حالة التبعثر السلبي إلى محاولة خلق فضاء ذاتي بديل “جدول المعاني” يوحي بأن المعنى ماء حيّ متجدد، وأن السباحة فيه فعل اكتشاف وتطهر. أما “أميس في حقل الخيال” فتمنح الحركة طابعًا هادئًا وتأمليًا، وكأن الذات أخيرًا تعثر على إيقاعها الخاص بعيدًا عن الإكراه.
عبارة “بلا كاسرات” بالغة الذكاء شعريًا، لأنها تحتمل أكثر من دلالة. قد تُفهم باعتبارها رفضًا للقيود التي تكسر اندفاع الروح، وقد تُحيل موسيقيًا إلى “كاسرات الوزن” وكأن الشاعرة تريد حرية كاملة حتى على مستوى الشكل والإيقاع، الكلمة تفتح النص على أفق تحرري جمالي ووجودي معًا.
ثم تأتي الصورة الأخيرة: “أصافح نواعير الشروق لموعد… كنقطة بدء”
النواعير رمز للدوران والاستمرار واستخراج الماء، أي الحياة. مصافحة نواعير الشروق تعني التصالح مع بداية جديدة، مع زمن يولد بدل الزمن الذي يكرر إرث القبيلة والظلال، الشروق ولادة معنوية.
أما النهاية: “كنقطة بدء” فهي نهاية مفتوحة عمدًا، القصيدة لا تصل إلى يقين، وهذه من سمات النصوص الحديثة التي ترى الهوية مشروعًا لا نتيجة نهائية.

أسلوبيًا، النص يعتمد على لغة شفافة لكنها مشبعة بالإيحاء، ويقوم على اقتصاد لغوي يمنح الصورة قوة أكبر، لا توجد زوائد خطابية أو مباشرة وعظية، والانفلات، بين الجماعة والفرد، بين القلق والحلم.

إيقاع القصيدة داخلي أكثر منه وزنيًا. التكرار، وتوزيع الجمل القصيرة، والوقفات المتقطعة بالنقاط، كلها تصنع موسيقى نفسية تعكس التردد والبحث والانكسار. حتى علامات الحذف في “لموعد…” تؤدي وظيفة شعورية، إذ توحي بأن ما تنتظره الذات لم يتحدد بعد.

النص في جوهره قصيدة هوية واغتراب، لكنه لا يغرق في العدمية، فالتبعثر مرحلة عبور نحو تشكّل أكثر حرية وصدقًا.

عن الکاتب / الکاتبة

حميد بركي
حميد بركي
أديب وناقد/ المغرب

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


قصيدة مبعثرة أنا  ” شافية حجيري ” بين أسر القبيلة وحرية الخيال

بقلم: حميد بركي | التاريخ: 28 مايو 2026

التصنيف: الأدب

قصيدة مبعثرة أنا 
” شافية حجيري ” بين أسر القبيلة وحرية الخيال

 

تبعثر…

قصيدةٌ مبعثرةٌ…أنا
بين ميزاني وميزانَ الظلال..
بين تاريخي وتاريخ القبيلة..
بين لُغتي ولغةَ أقراني..

قصيدةٌ مبعثرةٌ…أنا
حضيرة شوق هامدة
غيمة تكتنز جنوح هذيانها
تؤرشف مواويل القلق..

ذَرُوني يا أسيادَ سُلالتي
أسبح بجدول المعاني
أُميس في حقل الخيال
بلا كاسرات..
أصافح نواعير الشروق
لموعد …
كنقطة بدء

تُبنى على توتر داخلي عميق بين الذات وما يُراد لها أن تكونه، المتكلم لا يقدّم نفسه باعتبارها ذاتًا مستقرة أو مكتملة، وإنما باعتبارها “قصيدة مبعثرة”، أي كيانًا لغويًا ونفسيًا مفتوحًا على التشظي والبحث والالتباس، اختيار كلمة “قصيدة” بدل “إنسان” أو “روح” يكشف منذ البداية أن الهوية كتابة مستمرة، تتكوّن وتتفكك في الآن نفسه. أما “التبعثر” كما يظهر بوصفه ضعفًا، يظهر بوصفه حالة وجودية ناتجة عن تضارب المرجعيات وتنازع الانتماءات، في المقطع الأول تتجلى ثنائية الانقسام بوضوح: “بين ميزاني وميزان الظلال بين تاريخي وتاريخ القبيلة بين لغتي ولغة أقراني”
البنية القائمة على التكرار “بين… وبين…” تمنح النص إيقاعًا مترددًا، كأن الذات معلّقة في منطقة وسطى لا تنتمي كليًا لأي جهة “ميزاني” يحيل إلى معيار الذات، إلى قناعاتها الداخلية، بينما “ميزان الظلال” يوحي بالمقاييس الوهمية أو الأحكام التي تصنعها الصور الاجتماعية والخوف الجمعي، الظل رمز لما هو غير أصيل، لما يعيش على هامش الحقيقة.
أما “تاريخي وتاريخ القبيلة” فتشير إلى صراع الفرد مع الإرث الجمعي، القبيلة لا تُفهم بمعناها البدوي الضيق، وإنما كرمز للسلطة الاجتماعية والهوية المفروضة والتقاليد التي تريد ابتلاع التجربة الفرديةالذات تحاول أن تمتلك سرديتها الخاصة في مواجهة السردية الكبرى التي تحدد كيف يجب أن يكون الإنسان وكيف يفكر ويتكلم ويحلم،
ثم تأتي الثنائية الثالثة: “بين لغتي ولغة أقراني” وهنا يبلغ الاغتراب ذروته، لأن اللغة بيت الوجود كما يقول الفلاسفة، اختلاف اللغة يعني اختلاف الرؤية إلى العالم، المتكلم يشعر أنه حتى داخل دائرته القريبة عاجز عن التطابق، كأن كلماته تنتمي إلى مناخ آخر،
في المقطع الثاني يتحول النص من توصيف الانقسام إلى رسم المشهد النفسي الداخلي: “حضيرة شوق هامدة غيمة تكتنز جنوح هذيانها تؤرشف مواويل القلق”
الصورة كثيفة جدًا، وتعتمد على المجاز المركب. “حضيرة شوق هامدة” تجمع بين عنصرين متناقضين: الشوق بما هو حركة واشتعال، والهُمود بما هو انطفاء وسكون، كأن الرغبة موجودة لكنها عاجزة عن التحقق.. كلمة “حضيرة” توحي أيضًا بالاحتواء المغلق، أي أن الشوق محاصر داخل الذات، لا يجد منفذًا إلى العالم.

ثم تتحول الذات إلى “غيمة” والغيمة في الشعر العربي غالبًا رمز للعطاء والانهمار، غير أنها هنا “تكتنز جنوح هذيانها”، أي تحمل داخلها فائضًا من الانفلات والتشوش، أما الهذيان ليس جنونًا خالصًا، وإنما طاقة داخلية غير مروّضة، الفعل “تكتنز” يضفي على الهذيان قيمة مادية مخبوءة، كأن القلق نفسه أصبح ثروة شعورية ثقيلة،
أما عبارة “تؤرشف مواويل القلق” فتُعد من أجمل صور النص وأكثرها حداثة. الجمع بين “الأرشفة” ذات الطابع البارد الإداري، و”المواويل” ذات الطابع الغنائي الوجداني، يصنع مفارقة لافتة، الذات تحفظه ويصبح جزءًا من ذاكرتها المنظمة. القلق تاريخ داخلي متراكم،
في المقطع الأخير يحدث انعطاف واضح من التأمل إلى الرغبة في التحرر: “ذروني يا أسياد سلالتي”
النداء يحمل احتجاجًا مكتومًا “أسياد سلالتي” تعبير شديد الدلالة، لأنه يكشف أن الانتماء العائلي أو الاجتماعي تحوّل إلى سلطة وصاية. هناك من تريد إدارة حياة الشاعرة باسم الأصل والنسب والامتداد الجمعي. لذلك يأتي فعل “ذروني” محمّلًا بتوق حاد إلى الانعتاق.

بعدها تتدفق الأفعال الحرة: “أسبح بجدول المعاني أميس في حقل الخيال بلا كاسرات”
النص ينتقل من حالة التبعثر السلبي إلى محاولة خلق فضاء ذاتي بديل “جدول المعاني” يوحي بأن المعنى ماء حيّ متجدد، وأن السباحة فيه فعل اكتشاف وتطهر. أما “أميس في حقل الخيال” فتمنح الحركة طابعًا هادئًا وتأمليًا، وكأن الذات أخيرًا تعثر على إيقاعها الخاص بعيدًا عن الإكراه.
عبارة “بلا كاسرات” بالغة الذكاء شعريًا، لأنها تحتمل أكثر من دلالة. قد تُفهم باعتبارها رفضًا للقيود التي تكسر اندفاع الروح، وقد تُحيل موسيقيًا إلى “كاسرات الوزن” وكأن الشاعرة تريد حرية كاملة حتى على مستوى الشكل والإيقاع، الكلمة تفتح النص على أفق تحرري جمالي ووجودي معًا.
ثم تأتي الصورة الأخيرة: “أصافح نواعير الشروق لموعد… كنقطة بدء”
النواعير رمز للدوران والاستمرار واستخراج الماء، أي الحياة. مصافحة نواعير الشروق تعني التصالح مع بداية جديدة، مع زمن يولد بدل الزمن الذي يكرر إرث القبيلة والظلال، الشروق ولادة معنوية.
أما النهاية: “كنقطة بدء” فهي نهاية مفتوحة عمدًا، القصيدة لا تصل إلى يقين، وهذه من سمات النصوص الحديثة التي ترى الهوية مشروعًا لا نتيجة نهائية.

أسلوبيًا، النص يعتمد على لغة شفافة لكنها مشبعة بالإيحاء، ويقوم على اقتصاد لغوي يمنح الصورة قوة أكبر، لا توجد زوائد خطابية أو مباشرة وعظية، والانفلات، بين الجماعة والفرد، بين القلق والحلم.

إيقاع القصيدة داخلي أكثر منه وزنيًا. التكرار، وتوزيع الجمل القصيرة، والوقفات المتقطعة بالنقاط، كلها تصنع موسيقى نفسية تعكس التردد والبحث والانكسار. حتى علامات الحذف في “لموعد…” تؤدي وظيفة شعورية، إذ توحي بأن ما تنتظره الذات لم يتحدد بعد.

النص في جوهره قصيدة هوية واغتراب، لكنه لا يغرق في العدمية، فالتبعثر مرحلة عبور نحو تشكّل أكثر حرية وصدقًا.