رواية “الحسم” للروائي فاضل خضير. حين يصبح الحب ملاذا لضحايا الحروب

صورة الكاتب
بقلم: حمدي العطار
التاريخ: 18 يونيو 2026 عدد المشاهدات: 2462
رواية “الحسم” للروائي فاضل خضير. حين يصبح الحب ملاذا لضحايا الحروب

رواية “الحسم” للروائي فاضل خضير. حين يصبح الحب ملاذا لضحايا الحروب

مقدمة
تعد رواية “الحسم” للروائي فاضل خضير واحدة من الأعمال السردية التي تنشغل برصد آثار الحروب العراقية على الإنسان والمجتمع ليس من خلال الوقائع السياسية أو العسكرية المباشرة بل عبر انعكاساتها النفسية والاجتماعية على الأفراد الذين وجدوا أنفسهم يحملون ندوبها في أجسادهم وأرواحهم معا. ومن خلال حكاية بسيطة في ظاهرها، تنجح الرواية في طرح أسئلة عميقة تتعلق بالحب والوحدة والإعاقة والخسارة والبحث عن الخلاص.
*بين العمى والعرج والوحدة
صدرت رواية “الحسم” عن دار سطور للنشر والتوزيع سنة 2026، وتقع في 202 صفحة من القطع المتوسط، وتتوزع أحداثها على أربعة فصول. وتندرج ضمن مشروع الكاتب السردي الذي يهتم بتوثيق تحولات المجتمع العراقي واستكشاف مصائر الإنسان في ظل الظروف الاستثنائية التي عاشها العراق خلال العقود الأخيرة.
تبدأ الرواية بلقاء عابر على كورنيش شط العرب، حيث يلتقي عادل، وهو كاتب ومؤلف قصص وروايات، بالشابة علياء التي كانت تقرأ إحدى قصصه. وسرعان ما يكتشف أن هذه الفتاة الجميلة تحمل جراحا عميقة خلف ملامحها الهادئة؛ فقد كانت ضحية مباشرة للحرب التي اجتاحت العراق إذ فقدت والدها وإخوتها إثر سقوط صاروخ على منزل العائلة، كما فقدت ساقها اليسرى وأصيبت بإعاقة دائمة.
من هذا اللقاء العابر تتشكل نواة الحكاية حيث تنشأ علاقة إنسانية معقدة بين عادل وعلياء، تتأرجح بين التعاطف والرغبة والأمل والخذلان. غير أن تردد عادل وعدم استجابته لمحاولات علياء للتواصل يدفعها إلى التفكير في خيار آخر يتمثل في قبول خطبة صابر، أستاذ الفلسفة المتقاعد الذي فقد بصره بعد إصابته بجلطة دماغية.
تتطور الأحداث عبر حوارات ورسائل متبادلة بين علياء وصابر فتتحول العلاقة تدريجيا إلى مساحة للتأمل في الحب والحياة والوحدة الإنسانية. وبينما تحاول والدة علياء رفض هذه العلاقة بحجة حاجتها إلى رجل قادر على إعالة الأسرة وخدمتها، تدافع علياء عن حقها في اختيار من يمنحها الشعور بالاحتواء والتقدير، قائلة إن هذا الرجل قد يكون الأقرب إلى فهم معاناتها وإدراك هشاشتها الإنسانية.
*الشخصيات والمحاور
تقوم الرواية على ثلاثة محاور شخصية رئيسية:
-عادل
يمثل المثقف العراقي المتردد القادر على التعاطف مع الآخرين لكنه يعجز عن اتخاذ القرار الحاسم. وهو شخصية تجسد جانبا من أزمة المثقف الذي يراقب المأساة أكثر مما يشارك في تغيير مسارها.
-علياء
تمثل الضحية الإنسانية للحروب لكنها في الوقت نفسه شخصية تمتلك إرادة الحياة والبحث عن الحب رغم الإعاقة والوحدة والخسارات المتراكمة. وتعد الشخصية الأكثر حيوية وتأثيرا في الرواية.
*صابر
الرجل الكفيف وأستاذ الفلسفة المتقاعد، الذي يحمل رؤية خاصة للحياة والحب. ومن خلاله تطرح الرواية أسئلة فلسفية بسيطة وعميقة في آن واحد حول معنى الحب والخسارة والعلاقة بين الجسد والروح.
*الحب بوصفه خلاصًا مؤقتًا
لا تتعامل الرواية مع الحب بوصفه قصة رومانسية تقليدية، بل بوصفه محاولة للنجاة من العزلة والخوف. فالشخصيات جميعها تعاني من نقص ما:علياء تعاني الإعاقة والوحدة، وصابر يعاني العمى وفقدان الماضي، وعادل يعيش ارتباكا وجوديا وعاطفيا. لذلك يصبح الحب في الرواية بحثا عن الاعتراف بالذات أكثر من كونه بحثا عن شريك.
ومن أجمل الحوارات التي تعكس هذا التوجه قول صابر لعلياء عندما سألته عن الحب:
“الحب جميل جدًا، لكنه قلق… يشبه محاولة الإمساك بالهواء، فيه إغراء ولهفة، وفيه أيضا ضياع.”
وهو وصف يكشف البعد الفلسفي الذي يتسلل إلى الرواية دون تكلف أو استعراض فكري.
*أثر الحروب في الرواية
من أبرز نجاحات الرواية أنها تجعل الحرب حاضرة في مصائر الشخصيات حتى وإن غابت عن المشهد المباشر. فالإعاقة التي تعاني منها علياء، وفقدان أفراد عائلتها، والخراب النفسي الذي يحيط بالشخصيات، كلها نتائج مباشرة للحروب التي عصفت بالعراق. وهكذا تتحول الرواية إلى شهادة إنسانية على الآثار الممتدة للعنف، والتي تستمر في تشكيل حياة الأفراد حتى بعد توقف المعارك.
*خاتمة
تقدم رواية “الحسم” قراءة إنسانية مؤثرة لعالم تتقاطع فيه آثار الحرب مع الحاجة إلى الحب والانتماء. ومن خلال شخصياتها الثلاث، ترسم صورة للهشاشة البشرية حين تواجه الخسارة والوحدة والخوف من المستقبل. وهي رواية تعتمد السرد الهادئ والحوار المكثف لتكشف أن الإنسان قد يقبل خيارات لم يكن يتخيلها يوما، ليس ضعفا بالضرورة، بل لأن الخوف من الوحدة قد يكون أقسى من كل المصائد الأخرى.
لقد نجح فاضل خضير في تقديم عمل يزاوج بين البعد الاجتماعي والنفسي، ويجعل من الحب والحرب وجهين متقابلين لصراع الإنسان الدائم من أجل البقاء والمعنى.

 

عن الکاتب / الکاتبة

حمدي العطار
حمدي العطار
ناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


رواية “الحسم” للروائي فاضل خضير. حين يصبح الحب ملاذا لضحايا الحروب

بقلم: حمدي العطار | التاريخ: 18 يونيو 2026

التصنيف: الأدب

رواية “الحسم” للروائي فاضل خضير. حين يصبح الحب ملاذا لضحايا الحروب

مقدمة
تعد رواية “الحسم” للروائي فاضل خضير واحدة من الأعمال السردية التي تنشغل برصد آثار الحروب العراقية على الإنسان والمجتمع ليس من خلال الوقائع السياسية أو العسكرية المباشرة بل عبر انعكاساتها النفسية والاجتماعية على الأفراد الذين وجدوا أنفسهم يحملون ندوبها في أجسادهم وأرواحهم معا. ومن خلال حكاية بسيطة في ظاهرها، تنجح الرواية في طرح أسئلة عميقة تتعلق بالحب والوحدة والإعاقة والخسارة والبحث عن الخلاص.
*بين العمى والعرج والوحدة
صدرت رواية “الحسم” عن دار سطور للنشر والتوزيع سنة 2026، وتقع في 202 صفحة من القطع المتوسط، وتتوزع أحداثها على أربعة فصول. وتندرج ضمن مشروع الكاتب السردي الذي يهتم بتوثيق تحولات المجتمع العراقي واستكشاف مصائر الإنسان في ظل الظروف الاستثنائية التي عاشها العراق خلال العقود الأخيرة.
تبدأ الرواية بلقاء عابر على كورنيش شط العرب، حيث يلتقي عادل، وهو كاتب ومؤلف قصص وروايات، بالشابة علياء التي كانت تقرأ إحدى قصصه. وسرعان ما يكتشف أن هذه الفتاة الجميلة تحمل جراحا عميقة خلف ملامحها الهادئة؛ فقد كانت ضحية مباشرة للحرب التي اجتاحت العراق إذ فقدت والدها وإخوتها إثر سقوط صاروخ على منزل العائلة، كما فقدت ساقها اليسرى وأصيبت بإعاقة دائمة.
من هذا اللقاء العابر تتشكل نواة الحكاية حيث تنشأ علاقة إنسانية معقدة بين عادل وعلياء، تتأرجح بين التعاطف والرغبة والأمل والخذلان. غير أن تردد عادل وعدم استجابته لمحاولات علياء للتواصل يدفعها إلى التفكير في خيار آخر يتمثل في قبول خطبة صابر، أستاذ الفلسفة المتقاعد الذي فقد بصره بعد إصابته بجلطة دماغية.
تتطور الأحداث عبر حوارات ورسائل متبادلة بين علياء وصابر فتتحول العلاقة تدريجيا إلى مساحة للتأمل في الحب والحياة والوحدة الإنسانية. وبينما تحاول والدة علياء رفض هذه العلاقة بحجة حاجتها إلى رجل قادر على إعالة الأسرة وخدمتها، تدافع علياء عن حقها في اختيار من يمنحها الشعور بالاحتواء والتقدير، قائلة إن هذا الرجل قد يكون الأقرب إلى فهم معاناتها وإدراك هشاشتها الإنسانية.
*الشخصيات والمحاور
تقوم الرواية على ثلاثة محاور شخصية رئيسية:
-عادل
يمثل المثقف العراقي المتردد القادر على التعاطف مع الآخرين لكنه يعجز عن اتخاذ القرار الحاسم. وهو شخصية تجسد جانبا من أزمة المثقف الذي يراقب المأساة أكثر مما يشارك في تغيير مسارها.
-علياء
تمثل الضحية الإنسانية للحروب لكنها في الوقت نفسه شخصية تمتلك إرادة الحياة والبحث عن الحب رغم الإعاقة والوحدة والخسارات المتراكمة. وتعد الشخصية الأكثر حيوية وتأثيرا في الرواية.
*صابر
الرجل الكفيف وأستاذ الفلسفة المتقاعد، الذي يحمل رؤية خاصة للحياة والحب. ومن خلاله تطرح الرواية أسئلة فلسفية بسيطة وعميقة في آن واحد حول معنى الحب والخسارة والعلاقة بين الجسد والروح.
*الحب بوصفه خلاصًا مؤقتًا
لا تتعامل الرواية مع الحب بوصفه قصة رومانسية تقليدية، بل بوصفه محاولة للنجاة من العزلة والخوف. فالشخصيات جميعها تعاني من نقص ما:علياء تعاني الإعاقة والوحدة، وصابر يعاني العمى وفقدان الماضي، وعادل يعيش ارتباكا وجوديا وعاطفيا. لذلك يصبح الحب في الرواية بحثا عن الاعتراف بالذات أكثر من كونه بحثا عن شريك.
ومن أجمل الحوارات التي تعكس هذا التوجه قول صابر لعلياء عندما سألته عن الحب:
“الحب جميل جدًا، لكنه قلق… يشبه محاولة الإمساك بالهواء، فيه إغراء ولهفة، وفيه أيضا ضياع.”
وهو وصف يكشف البعد الفلسفي الذي يتسلل إلى الرواية دون تكلف أو استعراض فكري.
*أثر الحروب في الرواية
من أبرز نجاحات الرواية أنها تجعل الحرب حاضرة في مصائر الشخصيات حتى وإن غابت عن المشهد المباشر. فالإعاقة التي تعاني منها علياء، وفقدان أفراد عائلتها، والخراب النفسي الذي يحيط بالشخصيات، كلها نتائج مباشرة للحروب التي عصفت بالعراق. وهكذا تتحول الرواية إلى شهادة إنسانية على الآثار الممتدة للعنف، والتي تستمر في تشكيل حياة الأفراد حتى بعد توقف المعارك.
*خاتمة
تقدم رواية “الحسم” قراءة إنسانية مؤثرة لعالم تتقاطع فيه آثار الحرب مع الحاجة إلى الحب والانتماء. ومن خلال شخصياتها الثلاث، ترسم صورة للهشاشة البشرية حين تواجه الخسارة والوحدة والخوف من المستقبل. وهي رواية تعتمد السرد الهادئ والحوار المكثف لتكشف أن الإنسان قد يقبل خيارات لم يكن يتخيلها يوما، ليس ضعفا بالضرورة، بل لأن الخوف من الوحدة قد يكون أقسى من كل المصائد الأخرى.
لقد نجح فاضل خضير في تقديم عمل يزاوج بين البعد الاجتماعي والنفسي، ويجعل من الحب والحرب وجهين متقابلين لصراع الإنسان الدائم من أجل البقاء والمعنى.