رحلة التفاهة بين الغموض والعبثية
في أيام مضت بدأت بتقليب صفحات “حفلة التفاهة” لـ ميلان كونديرا ترجمة معن عاقل، ولعلّي أجّلت القراءة طويلًا لأن الرواية تنتظر الموعد الذي يختاره لها القدر، وكعادتي في القراءة، أبحث عمّا تضيفه لي من آفاق جديدة، وأساليب مبتكرة لطرح تلك التساؤلات الملحّة التي تلاحق الذهن، وكما توقعت، وجدتها رواية لا تسعى لإيجاد الأجوبة، لتذكيرنا بأن الأجوبة تتوارى خلف التساؤلات نفسها، فلا شك أن لكل منا حقيقة ثابتة، كذلك يظل الأدب قادرًا على التجديد وخلق أساليب مبدعة تفتح لنا أبواب جمال غير مألوف.
هذه الرواية، مع صغر حجمها (110 صفحة من القطع المتوسط)، تترك في ذهنك دهشة فكرية متّسعة، كل فصل فيها هو عبثية مروّجة، حيث تلامس أفكار كونديرا وشخصياته أعماقك، فتغدو معها في رحلة من التأملات التي تنسج لك عوالم لا تنتهي. يجعلك كونديرا تتساءل:
ما الذي يريده؟
هل التفاهة تستحق التأمل حقًّا؟
مواضيع فلسفية:
بدأ الكاتب روايته في حديقة لوغسنبورغ من باريس وأنهى فيها الفصل الأخير بكل مشاهده أيضًا، عرّفنا إلى أبطال روايته الذين التقوا في الصدفة في تلك الحديقة، حيث يتناول الكاتب مواضيع عديدة تغوص في عمق النفس البشرية، تناقش الأفكار الوجودية في محاولات تحليلة:
كذبتان بين دفتي الرواية:
يبدأ الكاتب روايته ملوحًا لنا بكذبة، وبأخرى في النهاية بعبثية مطلقة، فيحاول أن يصف تفاهة الحياة بطرائق متعددة، وبين الفصول يعود ليؤكد لنا أهمية التفاهة، يقول:
” التفاهة هي جوهر الوجود، إنها هنا على الدوام وفي كل مكان، حاضرة حتى في المكان الذي لا يرغب أحد برؤيتها فيه، في الفظائع، في المعارك الدامية، في أسوأ المصائب….، يجب أن نحبها، التفاهة، يجب أن نتعلّم حبّها”
وفي فكرة أخرى يستطلع مزايا التفاهة فيقول: ” فأن يتكلم المرء دون أن يلفت الانتباه، ليس بالأمر الهيّن! أن يكون حاضرًا بكلامه، ويظل مع ذلك غير مسموع، لهو أمر يتطلب براعة!…. لم يفهم شيئًا، ولم يزل حتى اليوم لا يفهم شيئًا عن قيمة التفاهة”
في المشهد السابق كان الكاتب يتحدث عن قيمة التفاهة حين تجلعك تتصرف بحرية بينما الجميع مشغول، ومن هنا تظهر أهمية التفاهة، وتظهر نزعة الاختفاء لدى الكاتب التي تعود إلى طفولته المبكرة، عندما كان يحلم بمرهم يدهن به جسمه فيختفي عن الأنظار ” ألا يكون للمرء وجود علني أمر له محاسنه أيضًا”.
ولعل في طيات السطور بعدًا آخر لكل كاتب عمومًا، فالكاتب يستمر بالكتابة بحضوره بين الأفكار والكلمات والصور بصمت، قد يُرى ويُسمع وقد يبقى مغمورًا، لكنه يستمر بالكتابة بلا ضجيج.
التفاهة جوهر الوجود:
يؤكد كونديرا عبر السرد أن التفاهة هي أساس الحياة، وأنها تحضر حتى في الفظائع والمعارك الدامية، يقول:
“التفاهة هي جوهر الوجود، إنها هنا على الدوام وفي كل مكان، حاضرة حتى في أسوأ المصائب.”
إنه يوجه القارئ إلى أن يتعلم حب التفاهة ويرضى بها واقعًا حتميًا، وكأنها السبيل للتحرر من قيود الحياة الجدية المفرطة، وهنا يبرز كونديرا فكرة أن الوجود قد يتجلى في أبسط أشكاله في هذه التفاهات اليومية، التي تغدو ملاذًا.
رمزية السرة والوجود:
يطرح كونديرا السرة رمزًا فلسفيًا، إذ يرى فيها دليلًا على انقيادنا في دائرة مفرغة من التكاثر والاستمرارية البشرية.
السرة هنا تبرز رمزًا ماديًّا لتواصلنا الأزلي مع البداية، وكأنها ختم الوجود الذي وُهِب لنا من أمّنا حواء، ولكننا نتنكر له عبر السعي للانفصال عن الدائرة المفرغة التي تقودنا بلا خيار.
فلسفة الاعتذار:
يتطرق كونديرا لفلسفة الاعتذار أيضًا بوصفها إحدى صور الصراع الوجودي، حيث يسلط الضوء على الفرق بين الشخصيات التي ترى نفسها مذنبة وتلك التي تنظر لنفسها مجنيًّا عليها. يقول:
” كل واحد منا صادم ومصدوم في آن معًا، مع ذلك ثمة من يعتبرون أنفسهم فورًا وعلى نحو عفوي صادمين أي مذنبين، وثمة آخرون يرون أنفسهم فورًا وعلى نحو عفوي مصدومين، أي بحسب قانونهم، مستعدين لاتهام الآخر وإنزال العقاب به.”
هذا التمايز يُفسر حالة المجتمعات الحديثة -لا سيّما العربية- التي تعتذر بلا وعي؛ إذ يشعر كل شخص فيها بالظلم ويستسلم لدور الضحية بلا مقاومة، ربما هو الوعي الجمعي لدى الفئة الأضعف أو الأقل قوة، ما يعكس أهمية المحيط الذي ينشئ تباعًا من الوالدين إلى الأسرة الكبيرة إلى المجتمع إلى الاقتصاد إلى السياسة.
ستالين بين الفكاهة والاستبداد:
شخصية ستالين هي إحدى الرموز التي يوظفها كونديرا للإشارة إلى خطورة أخذ العالم على محمل الجد، وإلى ندرة روح الدعابة في الزمن الاستبدادي، يروي كونديرا حكاية فكاهية لستالين، يعجز فيها الجنود عن فهمها كمزحة. يقول:
“لأن أيًّا ممن حوله لم يعد يعرف ما هو المزاح، وما هي المزحة، وبذلك كما أرى أعلنت مرحلة عظيمة وجديدة من التاريخ عن ولادتها”
بهذه الفقرة ينتقد الكاتب جمود السلطة وقسوتها، وغياب حس الفكاهة يعد دليلًا على الديكتاتورية التي حولت الأحلام إلى سراب.
الحلم بين التصوّر والإرادة:
كما استطاع ربط هذه الفكرة بنهاية الفترة الستالينية، حيث أسقط تصور شوبنهاور عن العالم على حلم ستالين الممتد.. انتقل في فصله قبل الأخير من تخيل كانط إلى التأكيد أن العالم تصور وإرادة بحسب شوبنهاور، يشرح على لسان ستالين ذلك، يقول:
“هناك من التصورات عن العالم بقدر ما يوجد من أشخاص على الكوكب، وهذا يخلق الفوضى حتمًا؛ فكيف السبيل إلى ترتيب هذه الفوضى؟ الإجابة واضحة: بفرض تصوّر واحد على جميع الناس. ولا يمكن فرضه إلا بإرادة واحدة عظيمة، إرادة فوق جميع الإرادات.”
وفي ذلك يشرح ستالين كيف خلق تصورًا لحلمه في السيادة وخلق إرادة فوق الجميع وحقق حلمه، ثم يحلل الكاتب الحلم الذي هوى حين هوت إرادة ستالين وخبت في فصل رائع سماه سقوط الملائكة حيث هيمنت مشهدية السقوط على كل شخوص الرواية، كل واحد بطريقة مختلفة، بدءًا من الريشة في حفلة التفاهة إلى يد ستالين إلى زجاجة الآرمانياك وأحد الأبطال، في عبثية مطلقة تعكس عبثية الحياة وإيمانه بها، وكيف تسلم الحياة رسن القيادة لأشخاص يملكون الإرادة مع أنهم قد لا يملكون الفكر الإنساني، وأن السيادة لمن يمتلك القوة.
الحاجة الفطرية إلى رحم الأمومة:
كما يصور لنا الكاتب العطش الفطري للأم فإحدى أبطاله لا يعرف عن أمه شيئًا ولا يذكرها إلا أمانيَّ، لكن في نفسه توق لحضورها وللحديث معها مع أن والده قد ملأه تحنانًا إلا أنه لا ينفك عن التفكير بها، هذا بدوره يؤكد الحاجة المُلحّة لوجود الأم، وأن مكانتها تبقى فارغة مهما تناوب عليها المحيطون.
الشخصيات الرئيسة:
تتميّز شخصيات كونديرا بأنها لا تُظهر تطورًا تقليديًا كما هو الحال في الروايات الكلاسيكية، إن بناءها يقوم على تناقضات داخلية وحركات خفية تدور حول فكرة أن الإنسان قد يظل عالقًا في دائرة متكررة من الأسئلة الوجودية بلا أي تقدم أو حل، إن شخصية مثل رامون، على سبيل المثال، تتبنى التفاهة وتتعامل معها بمرونة، بينما شارل وآلان يجسدان محاولة فهم معنى الحياة، حتى في أدق تفاصيلها، هذه التناقضات المتوازنة تضفي على الرواية عمقًا فلسفيًا بلا حاجة لتغيير ملحوظ في الشخصيات، وكأنّ كونديرا يرغب في توصيل فكرة أن الجمود نفسه قد يكون شكلًا من أشكال النمو في عالم عابث.
- آلان:
أستاذ جامعي متقاعد مشغول بموضوع عابر، وهو السرة الأنثوية التي تمثل هوسه الشخصي، هذا الهوس قد يبدو تافهًا، لكنه يكشف عن اهتمامه بالرمزية ومعنى الحياة المتصل بالوجود البشري، وكأنه يحاول اختزال الكون في نقطة واحدة، على مدار الرواية لا يتغير آلان جذريًا، بل يستمر في استكشاف هذا الموضوع العابر وسيلةً للتعامل مع عبثية الحياة، ما يعكس التزام كونديرا بفكرة أن الشخصيات تظل تدور في دائرة التفاهة من غير أن تصل إلى نتائج حاسمة.
- شارل:
عازف الكمان الذي يعاني من أزمة هوية، يمثل الشخصية التي تبحث عن انتماء أو هدف في عالم لا يمنحها ذلك، يتطور شارل من كونه عازف موسيقي يبحث عن معنى في هذه الحياة إلى شخصية تعكس الصراع الداخلي بين الرغبة في الهروب من التفاهة والوقوع في شباكها؛ عبر تفاعلاته المحدودة مع الآخرين، يعكس شارل تأملات عن الفردانية، والعجز عن تحقيق الأمان الداخلي، ما يجعله رمزًا لانعكاسات الذات الإنسانية وتبايناتها.
- رامون:
يمثل الطبيب الجراح المعروف بتحرره الأخلاقي ونزعته العبثية، رامون قلب الرواية النابض بالفلسفة الوجودية، رامون يدرك التفاهة التي تحيط بكل شيء، لكنه يختار أن يعانقها بحرية! كما لو أن قبول العبثية يحرره من قيود الحياة الجدية، تطور رامون يتجسد في فكرة أن الحياة قد تكون فعلاً بلا معنى، لكنه يجد التحرر في هذا الإدراك، ما يفتح أمام القارئ تساؤلات حول معنى الحرية الحقيقية.
- دانيل وكترين:
يمثلان التردد في الحب والبحث المستمر عن شعور أصيل في عالم ضائع، دانيل يقع في حب كترين، لكنه مثل باقي الشخصيات، لا يجد سوى الحيرة في حبه، وكترين، بشخصيتها المعقدة والمتناقضة، لا تمنح الحب بسهولة، هذا يجعل علاقتهما صورة مصغرة لبحث الإنسان الدائم عن الانتماء والدفء، حتى لو كان محاطًا بالتفاهة، هذا التعقيد في شخصيتي دانيل وكترين يظهر كيف تقترب التفاهة من أعمق مشاعرنا وتجعلنا نتساءل عما إذا كان الحب نفسه عبثيًا!
- كاليبان:
خادم عائلة براك، وهو تجسيد للطبقة الدنيا التي تعيش في هوامش المجتمع وتؤدي دورًا خفيًا ومهملًا، لكنه جوهري، بقاء كاليبان على الهامش يعطيه رؤية خاصة حول العالم من بعيد، ويسمح له أن يرى التفاهة بوضوح، كاليبان يمثل الشريحة التي تدرك عبثية الحياة بدرجة حادة، ويبقى راصدًا لتفاصيلها، ما يضيف بعدًا جديدًا لفكرة التفاهة كشعور يتجاوز كل الطبقات الاجتماعية.
يعد بناء الشخصيات في “رحلة التفاهة” مدروسًا بعناية؛ فكل شخصية كائن حي يتحرك في الرواية، يتجسد في تساؤلات فلسفية، وأفكار عن الحياة والتفاهة، حيث تبدو الشخصيات للوهلة الأولى عادية وغير مكتملة النمو، لكنها تعكس في تفاصيلها تعقيدات إنسانية تترك انطباعات متباينة، فتتطور الشخصيات في مشاهد وتفاعلات عابرة تجعل القارئ يرى كيف تلامس كل شخصية هذه الفكرة المحورية… التفاهة.
في حفلة التفاهة يتعذر عليك معرفة الحقيقة من الحلم، تخال نفسك تائهًا؛ أأنت في حلم أم شبكة من خيوط الحياة، تنسرب إليك الأفكار من غير أن تدري من أين بدأت وأين ستنتهي؟!
وتشرع في التفكير في دائرة مفرغة، فتسقط عليها ما علق في روحك وعقلك من تلك الرواية الغامضة، ثم تعود لتجرّك الحياة نحو التفاهة شيئًا فشيئًا، لكنك تقسم ألّا تأخذها على محمل الجد.
أخيرًا، إن التفاهة سمة للشخصيات وإطار فلسفي يعكس تفاعلهم مع الحياة، ويؤكد على رؤية كونديرا للوجود كسلسلة من العبثيات اليومية المتكررة.
ميرفت الخزاعي
لیلی صلیبي
حمدي العطار
التعليقات