نساءُ موسم الأحزان
قادتها قدماها خلفَ النسوة المتشحاتِ بالسواد، المُثقلاتِ الخطى، وهنّ يتنقّلن من بيتٍ إلى بيت، يقتفينَ أثرَ الحزن، فللحزنِ رائحةٌ لا تخطئها القلوب.
كان الحيّ قربَ كورنيش البصرة، تتماوج في أزقتهِ أبخرةُ الطهو ورائحةُ البخور، ويغلفهُ صمتٌ مهيب، كأنّ المدينة بأسرها توقّفت عن الكلام احترامًا لندبةٍ قديمة.
لم تعرف إلى أيّ منزلٍ هنّ ذاهبات، ولم ترغب في معرفة ذلك.
هي لم تأتِ بحثًا عن مجلسٍ مألوف، بل عن غربةٍ مؤقّتة، تنسلُّ فيها روحها وسطَ حشدٍ توارثَ البكاء ككنزٍ ثمين.
أرادت فقط أن تبكي، لا أن تُسأل، ولا أن تُعزّى، ولا أن تُفهم. أن تصرخ من الداخل، دون أن يلتفت أحدٌ لسؤالها: “ما بكِ؟”
ولأنها كنبتـةِ صبّار، صامتة، قاسية في ظاهرها ولينة في لبّها، ظلّت وحيدة.
لا أخٌ تلوذُ به، ولا أختٌ تسكبُ عندها سرَّها، ولا أمٌّ تحتضنُ شتاتها ولا أبٌ تستندُ على كتفه كما يميلُ الجرفُ على النهر.
كانت وحدها، مثل السيّاب حين بكى البصرة ولم تبكِه.
دخلت المجلس. الغرفةُ الأماميةُ واسعة، ذات بابين: أحدهما إلى الداخل، والآخر يفتحُ على
حديقةٍ تنبعثُ منها روائحُ اللحم المسلوق فوق قدورٍ نحاسية.
ألسنةُ البخار تتصاعدُ مع التوسلات، كأنّها ترتفعُ مباشرةً إلى كربلاء.
النسوةُ جئن بأعمارٍ مختلفة وأشكالٍ متقاربة، وجوهٌ غسلتها التجارب، وأكفٌّ خَبِرت النحيب.
خلف بعضهنّ أطفالٌ يتبعونهنّ كما الأفراخُ تسعى وراءَ دجاجةٍ أُمّ.
يتعلقون بأطرافِ العباءات، أو يختبئون تحتها كأنها خيمةُ نجاة. طفلةٌ ترتدي دشداشةً بلون الليل، حول معصمها الأبيض رُبط شريطٌ أخضر، حين رمقتها المرأةُ بنظرة، احمرّ وجهُ الصغيرة، وجذبت عباءةَ أمّها في خجل.
أطفالٌ رُضّعٌ عُصبت رؤوسُهم بخرقٍ خُضْرٍ وسُود، اندمجوا مع أزهارِ التوليب السوداء التي
ملأت زوايا المنزل.
هدأ المجلس عند دخول امرأةٍ مهيبة، يجلّلها السواد ، خلفها فتاتان تحملان حقيبة بداخلها مسجّلة ومكبّر صوت.
وما إن علا صوتُ الندب والمراثي، حتى بدا وكأنّ شطّ العرب نفسه يئنُّ وجعًا.
انبرت “المُلاية” وأخذت تسردُ مصائبَ آلِ بيت النبي: عن الحُسين العطشان، عن زينب واليتامى،فارتفعت أصواتُ النساء بالنواح، واصطففن كطوقٍ من وجع يضربن على صدورهن كأنّهنّ يحاولنَ إعادةَ نبضٍ فُقد هناك، بين الغاضرية ونهر العلقمي.
فجأة، ومن غير أن تُخطّط، وجدت نفسها واقفةً وسطَ الحلقة السوداء، تفكُّ ربطةَ شعرها، فتنْسابُ خصلاتٌ بُنية كالشلال على كتفيها.
لم تبكِ على نفسها فقط، بل على كلّ النساء اللواتي لم يجدنَ كتفًا يُلقينَ عليه آلامَهن، أثقالَهن، أوجاعَهن.
خارج البيت، كان الكورنيشُ ساكنًا، ومراكبُ العشاق في شطّ العرب معطّلةٌ، وكأنّ الحُبَّ نفسه
قد أعلن الحداد في هذه الايام.
وهي، حين خرجت مع سيل النسوة، لم تكن امرأةً منكسرةً كما دخلت. كانت دمعتها أكثر وعيًا، وحزنها أقلّ وحشة.
ومذ ذاك اليوم، لم تعد تبكي لأجل نفسها فقط، بل لأجل مدينةٍ بأكملها، تبحثُ في دموعِ الحُسين عن الخلاص.
لیلی صلیبي
حمدي العطار
التعليقات