حَواسطوي المسرح …. حَواسم الإبداع؛ كيف يصبح السطو براعة والخلط عرضا فنيا؟

صورة الكاتب
بقلم: د.محمد حماد
التاريخ: 13 يوليو 2026 عدد المشاهدات: 2783
حَواسطوي المسرح …. حَواسم الإبداع؛ كيف يصبح السطو براعة والخلط عرضا فنيا؟

حَواسطوي المسرح …. حَواسم الإبداع؛ كيف يصبح السطو براعة والخلط عرضا فنيا؟

في المشهد المسرحي الراهن، لم يعد الإبداع الخالص هو السيد المطلق للخشبة، إذ تتسلل أحيانا كائنات هجينة، يمكن أن نطلق عليها (الحَواسطويّة)؛ مخلوقات تتغذى على فتات النتاج الإبداعي للآخرين، وتعيد تدويره في قوالب هشّة، فمن (الرگّعوي) الذي يلصق نصوصا قديمة برقع مهترئة، ليقدّمها كأنها الوحي الجمالي، إلى (سماسرة البلاغة) الذين يتصيدون العبارات من هنا وهناك ويعرضونها على أنها أثمان نقدهم المتعالي، مرورا بـ(الخَلطجازي) الذي يخفق مسرحا من مشاهد متنافرة كما يُخفق طباخ مبتدئ قدرا من الفوضى، فيما تبدو النتيجة (كوكتيلا مسرحيا)، و(المُتسوّقچي) الذي يعود من المهرجانات محمّلا بـ(غنائم مستعارة) ليبيعها في السوق المحلي وكأنها إنجازه الممهور بأسمه، وصولا إلى (البراسطوي) الذي يلبس السطو عباءة البراعة، و(الهَجينوي) الذي يتبختر بأعمال نصفها أصيل ونصفها الآخر مصبوغ بالزيف؛ وهكذا تتناسل الألقاب كما تتناسل الظلال المستعارة، ويتحوّل المسرح إلى بازار للتمويه، حيث تُباع (أحلام مُستلفة) على أنها رؤى إبداعية، وتصفّق الجماهير المنخدعة لمنتجات فنية تفتقر إلى الروح الجمالية، غير مدركة الفرق بين الأصلي والمقلّد، وكأنها تُبارك الوهم على الخشبة، ويتوزع المسرح بعد ذلك إلى دكاكين متجاورة في سوق صاخب اسمه (مسرح الحواسم)، ومع ذلك يظل باعثا على البهجة أن نشهد ميلاد كاتب جديد، وخصوصا في فن المسرح؛ حيث تُعد الكتابة خلقا جديدا، وقراءة دقيقة لمفردات الوجود، وإعادة ترتيبها بطريقة مقصودة تفضي إلى أثر جمالي محسوب التأثير، فكلمات الكاتب ليست حروفا جامدة، بل هي (نبضات روح جمالية) تلتقط الأفكار من الشارع وتحوّلها إلى نصوص تتنفس الحياة على خشبة المسرح، فيتفاعل معها الجمهور كما يتفاعل القلب مع نبضه، فالمسرح كتابة لا تُعَدّ مجرد تجميع لحروف يابسة، بل هو ولادة ثانية، وإعادة نسج لمفردات الوجود بخيط دقيق مقصود، ليترنّم الصدى الجمالي في وعي المتلقي، وأن الفارق بين كاتب يخلق عالما من فراغ، وآخر لا يجيد سوى (رص الطوب على هيئة سطور)، هو الفارق بين من يبتكر ومن يتطفّل، بين من يهب النص حياة، ومن يكسوه بطلاء مستعار، هنا تتجلى الظاهرة المزعجة (رص النصوص، وخلط الأعمال، وتقمّص ثياب الإبداع المزيّف)، فبعض الكتّاب، بعدما تجرّدوا من أي حسّ للنقد، رفعوا من المثل الشعبي العراقي (رگّعها وعرّض بيها) راية وشعارا، ليبرّروا به ممارساتهم الفنية المزيّفة، ويعتمروا فوق الخشبة ثوب الإبداع الوهمي؛ فيقتاتون على شذرات غريبة عنهم، ثم ينفخون فيها ليُظهروا بريقا لا يخصّهم، وهناك آخرون ذهبوا أبعد، متسلحين بمثل آخر (أَخذ الحچي وباعه على نفسه)، أي تحويل (بذور الآخرين) إلى سلعة رخيصة في أسواق الادّعاء، وكأنها غلال حصدتها أيديهم، وهكذا يغدو فن المسرح واجهة برّاقة لـ(سطو مُقنّع)، وخلط عشوائي يُسوّق على أنه (إبداع مطعّم بالوهم).
ليس بعض الكتّاب وحدهم من يتزاحمون في هذا الميدان؛ فبعض المخرجين، لاسيما أولئك الذين أنعمت عليهم أقدار الحظ المدسوس بجوازات سفر وجولات مهرجانية، تحوّلوا إلى ما يمكن تسميته (حَواسم الخشبة)؛ يتأرجحون بين (سطو على النصوص) و(خردوات الإخراج)، ويتجوّلون في أسواق العروض يلتقطون من هذا مشهدا، ومن ذاك حوارا، ثم يخلطونها كما يخلط البائع في السوق البضاعة الرديئة بالجيدة، ويعرضونها في النهاية كأنها تحفة من صُنع أيديهم، متباهين بما ليس لهم، ويجتهدون لإقناع الجمهور بمنتج نصفه من معدن أصيل ونصفه الآخر مُطلى بلمعان مستعار، حتى غدت المهرجانات (بازارات للمقتطفات)، حيث تُباع كل لقطة كأنها جوهرة، وتُسوّق كل استلاف كأنه اختراع، ويتحوّل التباهي بالسطو إلى ما يشبه (تقنية فنية مشروعة)، وفي قلب هذه المفارقة المريرة يتجسد العنوان (حَواسم المسرح …. سطو يُغلف بورق الهدايا ويُباع على أنه براعة).
إن أسباب هذه الظاهرة متشابكة كخيوط غامضة في نسيج رثّ؛ تبدأ بغياب التكوين النقدي والثقافي لدى بعض الكتّاب والمخرجين، فيغدو الواحد منهم عاجزا عن التمييز بين (استلهام مشروع) و(سطو فاضح متنكّر بوشاح الجمال)، ثم يزداد الطين بلّة حين يُفتن هؤلاء بما يلمع في العروض الأجنبية والمهرجانات، فيندفعون إلى انتقاء اللؤلوء المتناثر فيها كما يتسوّق الزبون من رفّ البضائع المعلّبة؛ ينسخون الرؤى الجمالية ويقدّمونها كأنها شروق ابتدعه خيالهم، وتكتمل الدائرة الموبوءة بغياب قوانين تحمي الملكية الفكرية في بيئاتنا المسرحية؛ فتُفتح الأبواب مشرعة أمام من يفاخرون بما ليس لهم، وتتحوّل الجرأة على التدليس إلى جواز مرور للظهور في مسرح هجين أشبه بسوق للظلّ والسراب، ولمعالجة هذا الداء الذي ينخر في جسد فن المسرح كما ينخر السوس في الخشب، لابد من وصفة متكاملة؛ تبدأ بتعزيز التربية المسرحية النقدية التي تُميّز بين الاقتباس بوصفه (حوارا مشروعا) وبين السطو حين يتنكّر في ثياب الإبداع، ثم تتواصل بإنشاء لجان فاحصة للنصوص والعروض، تكون واعية وقادرة على كشف الخلط والتدليس قبل أن يُلقى في وجه الجمهور، ويتعزّز ذلك بسنّ قوانين تحمي حقوق المؤلفين وسائر صنّاع الإبداع الفني الجمالي، مع تشجيع النتاجات الإبداعية الأصيلة عبر دعم المبتكر منها ومكافأة أصحابها، وإشعال حوارات نقدية تضيء جوانب الجودة والأثر الإبداعي الجمالي، ويُختم المسار بوعي جماهيري ناقد، يفرّق بين جوهرة الإبداع وفتات التزييف في أسواق المسرح الصاخبة، فلا ينخدع ببريق دكاكين الوهم والبهرجة، ولا بأضواء المهرجانات المزخرفة، لتعود خشبة فن المسرح (ساحة ابتكار حيّة) لا (بازارا للسطو والتقليد).
في النهاية يولد المسرح الحقيقي من خلق جديد، ورؤية فاحصة للحياة، وإعادة نسج مفردات الواقع بخيط مقصود، لا من التفاخر بما نُهب من الآخرين كـ(غنيمة باردة)، فالسطو قد يمنح شعورا عابرا بالنجاح، لكنه لا يخلق إبداعا، ولا يخلّد أثره في الوعي الجمعي، ولا يترك بصمة حيّة في ذاكرة فن المسرح؛ لذلك لا بد من التصدي لـ(حَواسم الإبداع) الذين يحوّلون السطو إلى (براعة مزيّفة)، والخلط إلى (إنجاز مسرحي متوهج بالأوهام)، مع التأكيد على أن تظل خشبة فن المسرح ميدانا للابتكار، لا سوقا للجمال المنهوب، وهنا يظل المثل الشعبي العراقي شاهدا على الحقيقة، (رگعها وعرّض بيها) و(أَخذ الحچي وباعه على نفسه)، كمرآة ساخرة تفضح كل من يظن أن السرقة (براعة)، وتذكّره بأن الإبداع الحق (لا يُباع، ولا يُسرق، بل يُخلق) ليستحق أن يحتفى به.

عن الکاتب / الکاتبة

د.محمد حماد
د.محمد حماد
باحث وناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

الشوباش المسرحي …. حين يتحوّل المسرح إلى قاعة زفاف ويتحول النقد إلى بوق

الشوباش المسرحي …. حين يتحوّل المسرح إلى قاعة زفاف ويتحول النقد إلى بوق

الشوباش المسرحي …. حين يتحوّل المسرح إلى قاعة زفاف ويتحول النقد إلى بوق   في…

صورة الكاتب د.محمد حماد
29 يونيو 2026
اقرأ المزيد
البوقچية الجماليون …. صكوك الطعن في مسرح العمى؛ حين يرتدي الجهل أقنعة الخبراء لتغتال الضوء بمعول الظلام

البوقچية الجماليون …. صكوك الطعن في مسرح العمى؛ حين يرتدي الجهل أقنعة الخبراء لتغتال الضوء بمعول الظلام

البوقچية الجماليون …. صكوك الطعن في مسرح العمى؛ حين يرتدي الجهل أقنعة الخبراء لتغتال الضوء…

صورة الكاتب د.محمد حماد
13 يونيو 2026
اقرأ المزيد
الِعجيباوچي …. ترنيمة التيه في فلك الفضول؛ حين يُؤثّث الجهل في غفلة مسرح الخلود

الِعجيباوچي …. ترنيمة التيه في فلك الفضول؛ حين يُؤثّث الجهل في غفلة مسرح الخلود

الِعجيباوچي …. ترنيمة التيه في فلك الفضول؛ حين يُؤثّث الجهل في غفلة مسرح الخلود في…

صورة الكاتب د.محمد حماد
21 مايو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


حَواسطوي المسرح …. حَواسم الإبداع؛ كيف يصبح السطو براعة والخلط عرضا فنيا؟

بقلم: د.محمد حماد | التاريخ: 13 يوليو 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

حَواسطوي المسرح …. حَواسم الإبداع؛ كيف يصبح السطو براعة والخلط عرضا فنيا؟

في المشهد المسرحي الراهن، لم يعد الإبداع الخالص هو السيد المطلق للخشبة، إذ تتسلل أحيانا كائنات هجينة، يمكن أن نطلق عليها (الحَواسطويّة)؛ مخلوقات تتغذى على فتات النتاج الإبداعي للآخرين، وتعيد تدويره في قوالب هشّة، فمن (الرگّعوي) الذي يلصق نصوصا قديمة برقع مهترئة، ليقدّمها كأنها الوحي الجمالي، إلى (سماسرة البلاغة) الذين يتصيدون العبارات من هنا وهناك ويعرضونها على أنها أثمان نقدهم المتعالي، مرورا بـ(الخَلطجازي) الذي يخفق مسرحا من مشاهد متنافرة كما يُخفق طباخ مبتدئ قدرا من الفوضى، فيما تبدو النتيجة (كوكتيلا مسرحيا)، و(المُتسوّقچي) الذي يعود من المهرجانات محمّلا بـ(غنائم مستعارة) ليبيعها في السوق المحلي وكأنها إنجازه الممهور بأسمه، وصولا إلى (البراسطوي) الذي يلبس السطو عباءة البراعة، و(الهَجينوي) الذي يتبختر بأعمال نصفها أصيل ونصفها الآخر مصبوغ بالزيف؛ وهكذا تتناسل الألقاب كما تتناسل الظلال المستعارة، ويتحوّل المسرح إلى بازار للتمويه، حيث تُباع (أحلام مُستلفة) على أنها رؤى إبداعية، وتصفّق الجماهير المنخدعة لمنتجات فنية تفتقر إلى الروح الجمالية، غير مدركة الفرق بين الأصلي والمقلّد، وكأنها تُبارك الوهم على الخشبة، ويتوزع المسرح بعد ذلك إلى دكاكين متجاورة في سوق صاخب اسمه (مسرح الحواسم)، ومع ذلك يظل باعثا على البهجة أن نشهد ميلاد كاتب جديد، وخصوصا في فن المسرح؛ حيث تُعد الكتابة خلقا جديدا، وقراءة دقيقة لمفردات الوجود، وإعادة ترتيبها بطريقة مقصودة تفضي إلى أثر جمالي محسوب التأثير، فكلمات الكاتب ليست حروفا جامدة، بل هي (نبضات روح جمالية) تلتقط الأفكار من الشارع وتحوّلها إلى نصوص تتنفس الحياة على خشبة المسرح، فيتفاعل معها الجمهور كما يتفاعل القلب مع نبضه، فالمسرح كتابة لا تُعَدّ مجرد تجميع لحروف يابسة، بل هو ولادة ثانية، وإعادة نسج لمفردات الوجود بخيط دقيق مقصود، ليترنّم الصدى الجمالي في وعي المتلقي، وأن الفارق بين كاتب يخلق عالما من فراغ، وآخر لا يجيد سوى (رص الطوب على هيئة سطور)، هو الفارق بين من يبتكر ومن يتطفّل، بين من يهب النص حياة، ومن يكسوه بطلاء مستعار، هنا تتجلى الظاهرة المزعجة (رص النصوص، وخلط الأعمال، وتقمّص ثياب الإبداع المزيّف)، فبعض الكتّاب، بعدما تجرّدوا من أي حسّ للنقد، رفعوا من المثل الشعبي العراقي (رگّعها وعرّض بيها) راية وشعارا، ليبرّروا به ممارساتهم الفنية المزيّفة، ويعتمروا فوق الخشبة ثوب الإبداع الوهمي؛ فيقتاتون على شذرات غريبة عنهم، ثم ينفخون فيها ليُظهروا بريقا لا يخصّهم، وهناك آخرون ذهبوا أبعد، متسلحين بمثل آخر (أَخذ الحچي وباعه على نفسه)، أي تحويل (بذور الآخرين) إلى سلعة رخيصة في أسواق الادّعاء، وكأنها غلال حصدتها أيديهم، وهكذا يغدو فن المسرح واجهة برّاقة لـ(سطو مُقنّع)، وخلط عشوائي يُسوّق على أنه (إبداع مطعّم بالوهم).
ليس بعض الكتّاب وحدهم من يتزاحمون في هذا الميدان؛ فبعض المخرجين، لاسيما أولئك الذين أنعمت عليهم أقدار الحظ المدسوس بجوازات سفر وجولات مهرجانية، تحوّلوا إلى ما يمكن تسميته (حَواسم الخشبة)؛ يتأرجحون بين (سطو على النصوص) و(خردوات الإخراج)، ويتجوّلون في أسواق العروض يلتقطون من هذا مشهدا، ومن ذاك حوارا، ثم يخلطونها كما يخلط البائع في السوق البضاعة الرديئة بالجيدة، ويعرضونها في النهاية كأنها تحفة من صُنع أيديهم، متباهين بما ليس لهم، ويجتهدون لإقناع الجمهور بمنتج نصفه من معدن أصيل ونصفه الآخر مُطلى بلمعان مستعار، حتى غدت المهرجانات (بازارات للمقتطفات)، حيث تُباع كل لقطة كأنها جوهرة، وتُسوّق كل استلاف كأنه اختراع، ويتحوّل التباهي بالسطو إلى ما يشبه (تقنية فنية مشروعة)، وفي قلب هذه المفارقة المريرة يتجسد العنوان (حَواسم المسرح …. سطو يُغلف بورق الهدايا ويُباع على أنه براعة).
إن أسباب هذه الظاهرة متشابكة كخيوط غامضة في نسيج رثّ؛ تبدأ بغياب التكوين النقدي والثقافي لدى بعض الكتّاب والمخرجين، فيغدو الواحد منهم عاجزا عن التمييز بين (استلهام مشروع) و(سطو فاضح متنكّر بوشاح الجمال)، ثم يزداد الطين بلّة حين يُفتن هؤلاء بما يلمع في العروض الأجنبية والمهرجانات، فيندفعون إلى انتقاء اللؤلوء المتناثر فيها كما يتسوّق الزبون من رفّ البضائع المعلّبة؛ ينسخون الرؤى الجمالية ويقدّمونها كأنها شروق ابتدعه خيالهم، وتكتمل الدائرة الموبوءة بغياب قوانين تحمي الملكية الفكرية في بيئاتنا المسرحية؛ فتُفتح الأبواب مشرعة أمام من يفاخرون بما ليس لهم، وتتحوّل الجرأة على التدليس إلى جواز مرور للظهور في مسرح هجين أشبه بسوق للظلّ والسراب، ولمعالجة هذا الداء الذي ينخر في جسد فن المسرح كما ينخر السوس في الخشب، لابد من وصفة متكاملة؛ تبدأ بتعزيز التربية المسرحية النقدية التي تُميّز بين الاقتباس بوصفه (حوارا مشروعا) وبين السطو حين يتنكّر في ثياب الإبداع، ثم تتواصل بإنشاء لجان فاحصة للنصوص والعروض، تكون واعية وقادرة على كشف الخلط والتدليس قبل أن يُلقى في وجه الجمهور، ويتعزّز ذلك بسنّ قوانين تحمي حقوق المؤلفين وسائر صنّاع الإبداع الفني الجمالي، مع تشجيع النتاجات الإبداعية الأصيلة عبر دعم المبتكر منها ومكافأة أصحابها، وإشعال حوارات نقدية تضيء جوانب الجودة والأثر الإبداعي الجمالي، ويُختم المسار بوعي جماهيري ناقد، يفرّق بين جوهرة الإبداع وفتات التزييف في أسواق المسرح الصاخبة، فلا ينخدع ببريق دكاكين الوهم والبهرجة، ولا بأضواء المهرجانات المزخرفة، لتعود خشبة فن المسرح (ساحة ابتكار حيّة) لا (بازارا للسطو والتقليد).
في النهاية يولد المسرح الحقيقي من خلق جديد، ورؤية فاحصة للحياة، وإعادة نسج مفردات الواقع بخيط مقصود، لا من التفاخر بما نُهب من الآخرين كـ(غنيمة باردة)، فالسطو قد يمنح شعورا عابرا بالنجاح، لكنه لا يخلق إبداعا، ولا يخلّد أثره في الوعي الجمعي، ولا يترك بصمة حيّة في ذاكرة فن المسرح؛ لذلك لا بد من التصدي لـ(حَواسم الإبداع) الذين يحوّلون السطو إلى (براعة مزيّفة)، والخلط إلى (إنجاز مسرحي متوهج بالأوهام)، مع التأكيد على أن تظل خشبة فن المسرح ميدانا للابتكار، لا سوقا للجمال المنهوب، وهنا يظل المثل الشعبي العراقي شاهدا على الحقيقة، (رگعها وعرّض بيها) و(أَخذ الحچي وباعه على نفسه)، كمرآة ساخرة تفضح كل من يظن أن السرقة (براعة)، وتذكّره بأن الإبداع الحق (لا يُباع، ولا يُسرق، بل يُخلق) ليستحق أن يحتفى به.