عصر الاستنساخ
لم أكن مهتماً بالبناء المعماري، وليس لدي فضول لمعرفة التطورات العمرانية الحديثة. لكن في العراق، وتحديداً في البصرة والزبير بعد عام 2003، بدأت العديد من البيوت والعمارات القديمة تتحول إلى مدارس وسوبرماركتات ومطاعم. وتتشابه جميع هذه البنايات إلى حد كبير في الواجهات، وتقسيم المحلات، واختيار الألوان والإضاءة، الأمر الذي يدل على أن خرائط البناء كأنها مستنسخة، تُنقل من مخطط إلى آخر دون قدرة على الإبداع في تشكيل الفراغ، أو تجاوز الفهم المادي الآلي.
فالأبواب، والشبابيك، والأبراج، والطابوق، والزجاج، ينبغي أن تتخذ حركة تستفز الإدراك بين المادي واللامادي.
وقد تتبعت حياة العديد من البنايات التي انتهت نهايةً عدمية كئيبة، لأن صاحب رأس المال كان يهدف فقط إلى نمط الإنتاج، فإذا انهار هذا النمط سقطت العمارة في العدمية، لأنها تخلت عن كل شكل من أشكال الفكر والفن.
وتبقى شاهقة في مكانها، مهملة، وكل شيء فيها ينادي برغبة التدمير والتغيير، لكن منطق رأس المال يقف في وجهها، ويجمدها لغاية لا يُعرف سرها، لأنه يرفض الاعتراف بأنها أصبحت بلا قيمة.
وهذا النمط من العمارة المستنسخة مشروط بالمكان الجغرافي والفضاء الثقافي، كما أنه يُقابل بنوع من اليأس والتذمر من قبل المستخدمين، إذ لم يعد الأمر يدعو إلى البهجة، بل إلى اليأس والإحباط.
لأن المعماري أصبح يبحث عن أدوات تسرّع من مهمته، مهما بلغت بساطتها، وكأنه يملك مجموعة من المكعبات الجاهزة، لا يحتاج إلى كثير من الوقت لربطها بعضها ببعض. لذا نلاحظ السرعة التي تُنجز بها البنايات والبيوت.
سرعة تستدعي التأمل، حتى ليبدو البناء القديم كأنه لم يكن موجوداً يوماً ما، وكأنه اختفى وتبخر من الوجود، لأنه لم ينتقل من شكل إلى آخر، بل اختفى، إذ أصبحت الناس مهتمة بالنتائج فقط، وأهملت الأسباب.
والحجة التي يتمسك بها أصحاب رأس المال هي الرفاهية، وتلبية احتياجات المواطنين، وتحقيق أكبر قدر من السعادة. لكن مع تكرار هذه الحجج يُنسى أن الإنسان، بحد ذاته، ليس له قيمة في الخارج.
لأن السؤال المهم، سؤال التدمير والبناء، أصبح من ضمن شؤون الرأسمالي، وليس من ضمن مهمات الطبقة السياسية، فالأمر غير معزول عن الفوضى السياسية والثقافية.
وفي الختام، نلاحظ أن أغلب المواطنين يلتقطون الصور قرب الطبيعة، والجدران القديمة، والصفائح التي ينعكس عليها ضوء الشمس، والبيوت التراثية في البصرة القديمة، لأن الناس تمتلك حسًا جمالياً، وتطالب بالحفاظ على ما تبقى من معالم الجمال
حمدي العطار
حسین مسلم
التعليقات