تأملات في قصيدة “لم أنل نصيبي من اسمي” لباقر طه الموسوي

صورة الكاتب
بقلم: عبدالکریم السعید
التاريخ: 8 أغسطس 2026 عدد المشاهدات: 3236
تأملات في قصيدة “لم أنل نصيبي من اسمي” لباقر طه الموسوي

تأملات في قصيدة “لم أنل نصيبي من اسمي” لباقر طه الموسوي

قد يبدو الاسم مجرد كلمة يُنادى بها الإنسان، لكن الشاعر باقر طه الموسوي يدعونا إلى النظر إليه بطريقة مختلفة. فالقصيدة لا تتحدث عن الاسم بوصفه لفظًا فحسب، بل تتخذه مدخلًا للتأمل في العلاقة بين اللغة والإنسان، وبين الاسم والمسمّى، وبين ثبات الاسم وتحولات التجربة الإنسانية.

يفتتح الشاعر قصيدته بقوله: «لم أنل نصيبي من اسمي»، ومنذ هذه الجملة يضع القارئ أمام سؤال فلسفي عميق: هل يستطيع الاسم أن يستوعب حقيقة الإنسان؟ أم أن الإنسان أوسع من أن يُختزل في لفظ؟

لقد شغل هذا السؤال الفلاسفة وعلماء اللغة منذ القدم. فتساءل أفلاطون: هل تكشف الأسماء حقيقة الأشياء أم أنها مجرد مواضعات بشرية؟ ثم رأى سوسير أن العلاقة بين الاسم والمسمّى علاقة اعتباطية، وأن الاسم علامة لغوية لا تماثل الشيء الذي تشير إليه. وقال هايدغر إن الإنسان يسكن اللغة، بينما ذهب دريدا إلى أن المعنى لا يستقر على دلالة نهائية، بل يظل قابلًا للتأجيل وإعادة القراءة.

غير أن القصيدة تنطلق من أفق آخر. فالاسم في أصله لفظٌ لغوي يحمل معنىً معجميًا يخص اللفظ ذاته، لكنه يؤدي وظيفةً أكثر ثباتًا، هي وظيفته الإشارية؛ إذ يصبح العلامة التي تُعيّن الإنسان وتشير إليه في اللغة والمجتمع والذاكرة. وهذه الوظيفة لا تنفك عن الاسم، كما لا ينفك الإنسان عنها، فهي دلالة تعيينية وجودية تلازمه طوال حياته.

ولهذا يقول الشاعر:

«اسمي ليس لي، يتداوله العابرون.»

فالناس يتداولون الاسم لأنه العلامة التي تشير إلى صاحبه، لكنهم لا يحيطون بالإنسان الذي يقف وراء هذا الاسم. فهم يعرفون الاسم، أما المسمّى فلا تنكشف حقيقته إلا عبر تجربته وأثره ومسيرته في الحياة.

ثم يصور الشاعر حروف اسمه وهي تتآكل، ويسقط بعضها، ويتلعثم بعضها الآخر. وهذه ليست صورة عن الحروف وحدها، بل عن حدود الاسم في احتواء التجربة الإنسانية؛ إذ يبقى في الإنسان دائمًا ما يتجاوز كل تسمية، وكل محاولة لغوية للإحاطة به.

ومن هنا تنشأ الفجوة التي تؤسس القصيدة. فالتوتر الدلالي فيها يتجلى على مستويين متداخلين: أولهما التوتر بين الاسم ومعناه المعجمي؛ إذ قد ينسجم هذا المعنى مع صاحبه، فيقال: «اسمٌ على مُسمّى»، وقد يفارقه فيبقى الاسم مجرد دلالة لغوية لا تعكس حقيقة الإنسان. أما المستوى الأعمق، وهو جوهر القصيدة، فيتمثل في التوتر بين الاسم بوصفه علامةً إشارية ثابتة، وبين الإنسان بوصفه وجودًا متحولًا لا تستطيع علامة لغوية واحدة أن تستوعب ثراء تجربته وامتدادها.

وهذا هو محور القصيدة. فالشاعر لا ينكر اسمه، ولا ينفصل عنه، لأن الاسم يظل العلامة التي تعيّنه في الوجود. لكنه يشعر بأن هذا الاسم، على الرغم من ملازمته له، لم يعد قادرًا على احتواء الإنسان الذي صار إليه بعد سنوات من التحول والتجربة. ومن هنا نشأت الفجوة بين ثبات الاسم وتحول المسمّى، وهي الفجوة التي شكّلت عمود البناء الفني والفكري للقصيدة، ومنها تولّد التوتر الدلالي الذي منح النص عمقه الفلسفي وجماله الشعري.

وتبلغ القصيدة ذروتها في قوله:

«ربما لأن اسمي هو الذي لم ينل نصيبه مني.»

وهنا يقلب الشاعر زاوية النظر. ففي مطلع القصيدة بدا وكأن الإنسان هو الذي لم ينل نصيبه من اسمه، لكن الخاتمة تكشف أن الاسم هو الذي لم ينل نصيبه من صاحبه. فالاسم ظل يؤدي وظيفته الإشارية كاملة، لكنه لم يستطع أن يستوعب كل ما صنعته التجربة الإنسانية من تحولات ومعانٍ.

إن قيمة هذه القصيدة لا تكمن في مساءلة الاسم بوصفه لفظًا، بل في مساءلة العلاقة بين الاسم والوجود الإنساني. وقد نجح باقر طه الموسوي في بناء قصيدته على فجوة دلالية عميقة، كشف من خلالها أن الاسم يظل ملازمًا للإنسان بوظيفته الإشارية، لكنه يعجز عن احتواء الكائن الإنساني بكل تحولاته الوجودية. ومن هذه الفجوة بين ثبات الاسم وتحول المسمّى تولّد التوتر الدلالي الذي شكّل البنية العميقة للقصيدة، وجعل سؤال الاسم في حقيقته سؤالًا عن الإنسان نفسه.

…………………………..

القصيدة:

لمْ أَنَلْ نَصِيبِي مِنِ اسْمِي

باقر طه الموسوي

اسْمِي

كَانَ يَقِفُ خَلْفِي

كُلَّمَا نَادَانِي أَحَدٌ

نَظَرَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ مِنَ الرِّيبَةِ

اسْمِي لَيْسَ لِي، يَتَدَاوَلُهُ

الْعَابِرُونَ

أَسْتَعِيرُهُ كُلَّ صَبَاحٍ

وَأُعِيدُهُ مَسَاءً مَثْقُوبَ الْحَوَافِ

عَلَى الْبَاءِ

ذُبَابَةٌ،

وَعَلَى الْأَلِفِ

ذُبَابَةٌ أُخْرَى،

وَعَلَى الْقَافِ

يَجْتَمِعُ النَّامُوسُ،

يَمْتَصُّ مَا تَبَقَّى

مِنَ الْقَافِ وَالرَّاءِ

فِي اللَّيْلِ أَسْمَعُ اسْمِي يَتَآكَلُ

حَرْفٌ يَسْقُطُ

حَرْفٌ يَتَلَعْثَمُ

وَحَرْفٌ

يَبْحَثُ عَنْ مَكَانٍ آمِنٍ فِي فَمِي

وَحَرْفٌ يَبْقَى سَاهِرًا

يَحْرُسُ خَوْفِي

كَبِرْتُ

وَكَبِرَ اسْمِي قَبْلِي

صَارَ مِعْطَفًا وَاسِعًا

أَتَعَثَّرُ بِأَكْمَامِهِ

اسْمِي لَيْسَ جَرَسًا

كَأَنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ

مَوْعِدًا مُؤَجَّلًا

مُنْذُ الْوِلَادَةِ

لَمْ أَنَلْ نَصِيبِي مِنِ اسْمِي

رُبَّمَا لِأَنَّ اسْمِي

هُوَ الَّذِي لَمْ يَنَلْ نَصِيبَهُ مِنِّي

نَنْظُرُ إِلَى بَعْضِنَا

فِي مِرْآةٍ مُعْتِمَةٍ،

وَلَا يَتَقَدَّمُ أَحَدُنَا

نَحْوَ الْآخَرِ.

وَيَبْقَى الِاسْمُ

وَاقِفًا بَيْنَنَا كَغَرِيبٍ

يَنْتَظِرُ مَنْ يُنَادِيهِ

عن الکاتب / الکاتبة

عبدالکریم السعید
عبدالکریم السعید
کاتب . قاص / العراق

مقالات أخرى للكاتب

“أوجاعٌ بلا هوية”

“أوجاعٌ بلا هوية”

أوجاعٌ بلا هوية   في العتمة… يحتضنُ الليلُ خاصرةَ النهار، تلتهمه أنيابُ الوحشة. أنهكه ظلُّ…

صورة الكاتب عبدالکریم السعید
19 يوليو 2026
اقرأ المزيد
ثلاثية الفهم والتحليل وبناء المعنى في كتابة النصوص وقراءتها

ثلاثية الفهم والتحليل وبناء المعنى في كتابة النصوص وقراءتها

ثلاثية الفهم والتحليل وبناء المعنى في كتابة النصوص وقراءتها يمكن مقاربة كثيرٍ من عمليات الكتابة…

صورة الكاتب عبدالکریم السعید
14 يوليو 2026
اقرأ المزيد
جمالية الانزياح وإنتاج المعنى في نص ((كؤوسٌ مُترعةٌ بالكلام)) للشاعر باقر طه الموسوي

جمالية الانزياح وإنتاج المعنى في نص ((كؤوسٌ مُترعةٌ بالكلام)) للشاعر باقر طه الموسوي

جمالية الانزياح وإنتاج المعنى في نص ((كؤوسٌ مُترعةٌ بالكلام)) للشاعر باقر طه الموسوي   “القصیدة”…

صورة الكاتب عبدالکریم السعید
8 يوليو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


تأملات في قصيدة “لم أنل نصيبي من اسمي” لباقر طه الموسوي

بقلم: عبدالکریم السعید | التاريخ: 8 أغسطس 2026

التصنيف: النقد الأدبي

تأملات في قصيدة “لم أنل نصيبي من اسمي” لباقر طه الموسوي

قد يبدو الاسم مجرد كلمة يُنادى بها الإنسان، لكن الشاعر باقر طه الموسوي يدعونا إلى النظر إليه بطريقة مختلفة. فالقصيدة لا تتحدث عن الاسم بوصفه لفظًا فحسب، بل تتخذه مدخلًا للتأمل في العلاقة بين اللغة والإنسان، وبين الاسم والمسمّى، وبين ثبات الاسم وتحولات التجربة الإنسانية.

يفتتح الشاعر قصيدته بقوله: «لم أنل نصيبي من اسمي»، ومنذ هذه الجملة يضع القارئ أمام سؤال فلسفي عميق: هل يستطيع الاسم أن يستوعب حقيقة الإنسان؟ أم أن الإنسان أوسع من أن يُختزل في لفظ؟

لقد شغل هذا السؤال الفلاسفة وعلماء اللغة منذ القدم. فتساءل أفلاطون: هل تكشف الأسماء حقيقة الأشياء أم أنها مجرد مواضعات بشرية؟ ثم رأى سوسير أن العلاقة بين الاسم والمسمّى علاقة اعتباطية، وأن الاسم علامة لغوية لا تماثل الشيء الذي تشير إليه. وقال هايدغر إن الإنسان يسكن اللغة، بينما ذهب دريدا إلى أن المعنى لا يستقر على دلالة نهائية، بل يظل قابلًا للتأجيل وإعادة القراءة.

غير أن القصيدة تنطلق من أفق آخر. فالاسم في أصله لفظٌ لغوي يحمل معنىً معجميًا يخص اللفظ ذاته، لكنه يؤدي وظيفةً أكثر ثباتًا، هي وظيفته الإشارية؛ إذ يصبح العلامة التي تُعيّن الإنسان وتشير إليه في اللغة والمجتمع والذاكرة. وهذه الوظيفة لا تنفك عن الاسم، كما لا ينفك الإنسان عنها، فهي دلالة تعيينية وجودية تلازمه طوال حياته.

ولهذا يقول الشاعر:

«اسمي ليس لي، يتداوله العابرون.»

فالناس يتداولون الاسم لأنه العلامة التي تشير إلى صاحبه، لكنهم لا يحيطون بالإنسان الذي يقف وراء هذا الاسم. فهم يعرفون الاسم، أما المسمّى فلا تنكشف حقيقته إلا عبر تجربته وأثره ومسيرته في الحياة.

ثم يصور الشاعر حروف اسمه وهي تتآكل، ويسقط بعضها، ويتلعثم بعضها الآخر. وهذه ليست صورة عن الحروف وحدها، بل عن حدود الاسم في احتواء التجربة الإنسانية؛ إذ يبقى في الإنسان دائمًا ما يتجاوز كل تسمية، وكل محاولة لغوية للإحاطة به.

ومن هنا تنشأ الفجوة التي تؤسس القصيدة. فالتوتر الدلالي فيها يتجلى على مستويين متداخلين: أولهما التوتر بين الاسم ومعناه المعجمي؛ إذ قد ينسجم هذا المعنى مع صاحبه، فيقال: «اسمٌ على مُسمّى»، وقد يفارقه فيبقى الاسم مجرد دلالة لغوية لا تعكس حقيقة الإنسان. أما المستوى الأعمق، وهو جوهر القصيدة، فيتمثل في التوتر بين الاسم بوصفه علامةً إشارية ثابتة، وبين الإنسان بوصفه وجودًا متحولًا لا تستطيع علامة لغوية واحدة أن تستوعب ثراء تجربته وامتدادها.

وهذا هو محور القصيدة. فالشاعر لا ينكر اسمه، ولا ينفصل عنه، لأن الاسم يظل العلامة التي تعيّنه في الوجود. لكنه يشعر بأن هذا الاسم، على الرغم من ملازمته له، لم يعد قادرًا على احتواء الإنسان الذي صار إليه بعد سنوات من التحول والتجربة. ومن هنا نشأت الفجوة بين ثبات الاسم وتحول المسمّى، وهي الفجوة التي شكّلت عمود البناء الفني والفكري للقصيدة، ومنها تولّد التوتر الدلالي الذي منح النص عمقه الفلسفي وجماله الشعري.

وتبلغ القصيدة ذروتها في قوله:

«ربما لأن اسمي هو الذي لم ينل نصيبه مني.»

وهنا يقلب الشاعر زاوية النظر. ففي مطلع القصيدة بدا وكأن الإنسان هو الذي لم ينل نصيبه من اسمه، لكن الخاتمة تكشف أن الاسم هو الذي لم ينل نصيبه من صاحبه. فالاسم ظل يؤدي وظيفته الإشارية كاملة، لكنه لم يستطع أن يستوعب كل ما صنعته التجربة الإنسانية من تحولات ومعانٍ.

إن قيمة هذه القصيدة لا تكمن في مساءلة الاسم بوصفه لفظًا، بل في مساءلة العلاقة بين الاسم والوجود الإنساني. وقد نجح باقر طه الموسوي في بناء قصيدته على فجوة دلالية عميقة، كشف من خلالها أن الاسم يظل ملازمًا للإنسان بوظيفته الإشارية، لكنه يعجز عن احتواء الكائن الإنساني بكل تحولاته الوجودية. ومن هذه الفجوة بين ثبات الاسم وتحول المسمّى تولّد التوتر الدلالي الذي شكّل البنية العميقة للقصيدة، وجعل سؤال الاسم في حقيقته سؤالًا عن الإنسان نفسه.

…………………………..

القصيدة:

لمْ أَنَلْ نَصِيبِي مِنِ اسْمِي

باقر طه الموسوي

اسْمِي

كَانَ يَقِفُ خَلْفِي

كُلَّمَا نَادَانِي أَحَدٌ

نَظَرَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ مِنَ الرِّيبَةِ

اسْمِي لَيْسَ لِي، يَتَدَاوَلُهُ

الْعَابِرُونَ

أَسْتَعِيرُهُ كُلَّ صَبَاحٍ

وَأُعِيدُهُ مَسَاءً مَثْقُوبَ الْحَوَافِ

عَلَى الْبَاءِ

ذُبَابَةٌ،

وَعَلَى الْأَلِفِ

ذُبَابَةٌ أُخْرَى،

وَعَلَى الْقَافِ

يَجْتَمِعُ النَّامُوسُ،

يَمْتَصُّ مَا تَبَقَّى

مِنَ الْقَافِ وَالرَّاءِ

فِي اللَّيْلِ أَسْمَعُ اسْمِي يَتَآكَلُ

حَرْفٌ يَسْقُطُ

حَرْفٌ يَتَلَعْثَمُ

وَحَرْفٌ

يَبْحَثُ عَنْ مَكَانٍ آمِنٍ فِي فَمِي

وَحَرْفٌ يَبْقَى سَاهِرًا

يَحْرُسُ خَوْفِي

كَبِرْتُ

وَكَبِرَ اسْمِي قَبْلِي

صَارَ مِعْطَفًا وَاسِعًا

أَتَعَثَّرُ بِأَكْمَامِهِ

اسْمِي لَيْسَ جَرَسًا

كَأَنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ

مَوْعِدًا مُؤَجَّلًا

مُنْذُ الْوِلَادَةِ

لَمْ أَنَلْ نَصِيبِي مِنِ اسْمِي

رُبَّمَا لِأَنَّ اسْمِي

هُوَ الَّذِي لَمْ يَنَلْ نَصِيبَهُ مِنِّي

نَنْظُرُ إِلَى بَعْضِنَا

فِي مِرْآةٍ مُعْتِمَةٍ،

وَلَا يَتَقَدَّمُ أَحَدُنَا

نَحْوَ الْآخَرِ.

وَيَبْقَى الِاسْمُ

وَاقِفًا بَيْنَنَا كَغَرِيبٍ

يَنْتَظِرُ مَنْ يُنَادِيهِ