قراءة في ديوان الشاعر العراقي نعمة حسن علوان “ينفخُ في جمرٍ منطفئ”

صورة الكاتب
بقلم: سعد عودة
التاريخ: 22 سبتمبر 2026 عدد المشاهدات: 2659
قراءة في ديوان الشاعر العراقي نعمة حسن علوان “ينفخُ في جمرٍ منطفئ”

ما لم ينطفئ من جمر الشاعر
قراءة في ديوان الشاعر العراقي نعمة حسن علوان “ينفخُ في جمرٍ منطفئ”

لم تعد قصيدة النثر وعاءً ممتلئ بالمحمولات الفكرية والفلسفية والمعرفية، ولا مساحة مكتظة بالبلاغة اللغوية المتحولة والمتشكلة والتي تخفي دلالات ورموز من الصعب فك طلاسمها، أو التجول في أبنيتها التي شكلها الشاعر بقصدية مخفية خلف لغة عائمة أحيانا، ومتحجرة في أحيان أخرى…
قصيدة النثر الآن كائن لغوي مرئي، يمكن لمسه والتعامل معه، ذو مدلولات واضحة، تلعب على حافة المباشرة لتمتلك تلقائيتها وروحها الحية، تدفع القارئ لتلمس مدلولاتها بيسر كبير، قصيدة تحتلها السهول الخضراء والشوارع المستوية ولا مكان فيها للأبنية التي تلامس السماء، فهي تلامس الواقع لتحركه وتحاول إشعال ناره التي خمدت…
هذا هو جمر نعمة حسن علوان المنطفئ، ليس جمر القصيدة بل هو جمر الواقع المختل والذي يخون الشاعر والقصيدة معا، هكذا تعلن القصيدة موقفها منذ العنونة، بالرغم من أن جمر القصيدة مشتعل على الدوام، ورأس الشاعر يغلي باللغة المتشكلة والمتحولة واليائسة في نفس الوقت من واقعها المختل…
وحين يسألني
عابر عن الشعر
أشير له:
أن تعال إليَّ هنا يا صديقي
فثمة قيامة هائلة
تضطرم الآن في
رأسي

الشاعر هنا مشغول بالشعر حتى في محاولة الكتابة وكأنه يحاول أن يخبرنا بالطريقة التي يكتبه الشعر فيها، هنا الشعر وهو الذي يختار ويتشكل داخل ذات الشاعر من دون أن يتدخل وعي الشاعر في مجمل العملية، هو فقط يحاول أن يستكشف هذا الخليط الغريب الذي يتشكل في اللاوعي ويهطل على الورق، وكأن الشاعر يطلب منا أن نساعده في الكشف عن الآليات المخفية التي تنتج القصيدة بالنهاية، يخبرنا ما يحدث معه ويتركنا نكتشف ونحلل كي نحصل على هذه المعرفة المستحيلة، وهذا يبدو جليا في الكثير من نصوص الديوان التي تشرح ما توصل له الشاعر بعد هذا العمر الطويل الذي رافق به القصيدة، كتبها وكتبته، فضحت ما يجول داخل روحه وكشف ما تفعله داخل الذات…
لا حاجة بك بعد
لإعادة تقييم النص
النصوص كلها
جاهزة
ولا مجال لصياغتها من جديد
فقط دعها تتلمس طريقها
إلى البقع الداكنة
في الرؤوس
ثم انتظر
ما سيتمخض
الشعر هنا هو الحياة ذاتها بكل تجلياتها ومتطلباتها وانعكاساتها على الذات والوعي، بل هو مهنة الشاعر الذي لا يعمر فيها أكثر من عشر قصائد، هي الفترة اللازمة للتحول إلى لغة أخرى وتقنية أخرى لكتابة قصيدة مختلفة، بل إلى اكتشاف من وجهة نظر مختلفة للذات وللعالم…
من هنا سنجد أن نصوص هذا الديوان تتضمن الكثير من المصطلحات التي تخص النقد أو التنظير الأدبي، هو يعلمنا كتابة الشعر من خلاله، ويجعلنا نُعيد اكتشاف آليات الكتابة والتحولات التي تشتعل في اللاوعي وتنتج النص بالنهاية…
رغم ذلك فالشاعر لا يبتعد عن الواقع، بل ينظر إليه من جهة خاصة ويتلمس اختلاله برؤية عالية وفكر متقد، فالحرب تجعل الذي يسيرون في طرقاتها موتى مؤكدون ومن دون إشعار آخر، بينما يتحول النصر إلى ظالم آخر يتسلق اجساد الجنود ويبني اعشاشه في خوذهم المثقوبة، حتى السلام لم يعد يعني شيئا، إذا كانت النتيجة تسلط الجبناء على رقابنا، كما يحدث في العادة…
يد الحكمة تلوح بعيداً في هذا الديوان وتمنح المتلقي رؤية أوسع بينما تتشكل اللغة الشعرية لتطير به نحو سموات أكثر انفتاحاً، الشاعر هنا يقوم بعد أدوار في لحظة فارقة، فهو الحكيم المعلم وفي نفس الوقت البهلوان الراقص، هو الواعي العاقل والحالم الشارد في خيالات لا يحتويها مكان ولا يضمها زمان… هذا الوعي المتفرد والخيال المنفلت احيانا والمسيطر عليه في احايين كثيرة، أضافة إلى اللغة الشعرية غير المتكلفة، والتي تحول القصيدة إلى كيان حي قادر على التأثير على المشاعر والوعي في وقت واحد، اللغة التي تستغل كل تقنيات الكتابة، من أقصى السرد حتى أقصى الشعر، بوعي حكيم من القرون الوسطى وانفلات سريالي من القرن العشرين، بل بزي أديب يسير في طرقات ما بعد الحداثة، هي التي تجعلنا نراهن على هذا النمط الشعري، ونجعله الممثل الوحيد لشعرية الحاضر، بل هو المتن الحقيقي لواقع الشعر وكل ما عداه مجرد هوامش.
أخيراً
نعمة حسن علوان مع بعض الشعراء الذين يعدون على الأصابع يشكلون ظاهرة شعرية متفردة، ومختلفة تحتاج إلى قراءات نقدية حداثوية حقيقية، بل يحتاجون إلى تنظير أدبي ينبش في قصائد هؤلاء الشعراء ليعلن عن نص جديد، يتجول بيننا لكننا لا ننتبه إليه، وربما لا نريد ذلك لأننا نعرف أنه النص الوحيد الذي يستحق الاحتفاء بعد هذه التجارب الطويلة منذ بداية الستينات لحد الآن…

عن الکاتب / الکاتبة

سعد عودة
سعد عودة
قاص / العراق

مقالات أخرى للكاتب

حمالة صبر

حمالة صبر

حمالة صبر قبل أن أخرج من الغرفة قالت لي: – أحضر لي حمالة الصدر الحمراء……

صورة الكاتب سعد عودة
20 مايو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


قراءة في ديوان الشاعر العراقي نعمة حسن علوان “ينفخُ في جمرٍ منطفئ”

بقلم: سعد عودة | التاريخ: 22 سبتمبر 2026

التصنيف: النقد الأدبي

ما لم ينطفئ من جمر الشاعر
قراءة في ديوان الشاعر العراقي نعمة حسن علوان “ينفخُ في جمرٍ منطفئ”

لم تعد قصيدة النثر وعاءً ممتلئ بالمحمولات الفكرية والفلسفية والمعرفية، ولا مساحة مكتظة بالبلاغة اللغوية المتحولة والمتشكلة والتي تخفي دلالات ورموز من الصعب فك طلاسمها، أو التجول في أبنيتها التي شكلها الشاعر بقصدية مخفية خلف لغة عائمة أحيانا، ومتحجرة في أحيان أخرى…
قصيدة النثر الآن كائن لغوي مرئي، يمكن لمسه والتعامل معه، ذو مدلولات واضحة، تلعب على حافة المباشرة لتمتلك تلقائيتها وروحها الحية، تدفع القارئ لتلمس مدلولاتها بيسر كبير، قصيدة تحتلها السهول الخضراء والشوارع المستوية ولا مكان فيها للأبنية التي تلامس السماء، فهي تلامس الواقع لتحركه وتحاول إشعال ناره التي خمدت…
هذا هو جمر نعمة حسن علوان المنطفئ، ليس جمر القصيدة بل هو جمر الواقع المختل والذي يخون الشاعر والقصيدة معا، هكذا تعلن القصيدة موقفها منذ العنونة، بالرغم من أن جمر القصيدة مشتعل على الدوام، ورأس الشاعر يغلي باللغة المتشكلة والمتحولة واليائسة في نفس الوقت من واقعها المختل…
وحين يسألني
عابر عن الشعر
أشير له:
أن تعال إليَّ هنا يا صديقي
فثمة قيامة هائلة
تضطرم الآن في
رأسي

الشاعر هنا مشغول بالشعر حتى في محاولة الكتابة وكأنه يحاول أن يخبرنا بالطريقة التي يكتبه الشعر فيها، هنا الشعر وهو الذي يختار ويتشكل داخل ذات الشاعر من دون أن يتدخل وعي الشاعر في مجمل العملية، هو فقط يحاول أن يستكشف هذا الخليط الغريب الذي يتشكل في اللاوعي ويهطل على الورق، وكأن الشاعر يطلب منا أن نساعده في الكشف عن الآليات المخفية التي تنتج القصيدة بالنهاية، يخبرنا ما يحدث معه ويتركنا نكتشف ونحلل كي نحصل على هذه المعرفة المستحيلة، وهذا يبدو جليا في الكثير من نصوص الديوان التي تشرح ما توصل له الشاعر بعد هذا العمر الطويل الذي رافق به القصيدة، كتبها وكتبته، فضحت ما يجول داخل روحه وكشف ما تفعله داخل الذات…
لا حاجة بك بعد
لإعادة تقييم النص
النصوص كلها
جاهزة
ولا مجال لصياغتها من جديد
فقط دعها تتلمس طريقها
إلى البقع الداكنة
في الرؤوس
ثم انتظر
ما سيتمخض
الشعر هنا هو الحياة ذاتها بكل تجلياتها ومتطلباتها وانعكاساتها على الذات والوعي، بل هو مهنة الشاعر الذي لا يعمر فيها أكثر من عشر قصائد، هي الفترة اللازمة للتحول إلى لغة أخرى وتقنية أخرى لكتابة قصيدة مختلفة، بل إلى اكتشاف من وجهة نظر مختلفة للذات وللعالم…
من هنا سنجد أن نصوص هذا الديوان تتضمن الكثير من المصطلحات التي تخص النقد أو التنظير الأدبي، هو يعلمنا كتابة الشعر من خلاله، ويجعلنا نُعيد اكتشاف آليات الكتابة والتحولات التي تشتعل في اللاوعي وتنتج النص بالنهاية…
رغم ذلك فالشاعر لا يبتعد عن الواقع، بل ينظر إليه من جهة خاصة ويتلمس اختلاله برؤية عالية وفكر متقد، فالحرب تجعل الذي يسيرون في طرقاتها موتى مؤكدون ومن دون إشعار آخر، بينما يتحول النصر إلى ظالم آخر يتسلق اجساد الجنود ويبني اعشاشه في خوذهم المثقوبة، حتى السلام لم يعد يعني شيئا، إذا كانت النتيجة تسلط الجبناء على رقابنا، كما يحدث في العادة…
يد الحكمة تلوح بعيداً في هذا الديوان وتمنح المتلقي رؤية أوسع بينما تتشكل اللغة الشعرية لتطير به نحو سموات أكثر انفتاحاً، الشاعر هنا يقوم بعد أدوار في لحظة فارقة، فهو الحكيم المعلم وفي نفس الوقت البهلوان الراقص، هو الواعي العاقل والحالم الشارد في خيالات لا يحتويها مكان ولا يضمها زمان… هذا الوعي المتفرد والخيال المنفلت احيانا والمسيطر عليه في احايين كثيرة، أضافة إلى اللغة الشعرية غير المتكلفة، والتي تحول القصيدة إلى كيان حي قادر على التأثير على المشاعر والوعي في وقت واحد، اللغة التي تستغل كل تقنيات الكتابة، من أقصى السرد حتى أقصى الشعر، بوعي حكيم من القرون الوسطى وانفلات سريالي من القرن العشرين، بل بزي أديب يسير في طرقات ما بعد الحداثة، هي التي تجعلنا نراهن على هذا النمط الشعري، ونجعله الممثل الوحيد لشعرية الحاضر، بل هو المتن الحقيقي لواقع الشعر وكل ما عداه مجرد هوامش.
أخيراً
نعمة حسن علوان مع بعض الشعراء الذين يعدون على الأصابع يشكلون ظاهرة شعرية متفردة، ومختلفة تحتاج إلى قراءات نقدية حداثوية حقيقية، بل يحتاجون إلى تنظير أدبي ينبش في قصائد هؤلاء الشعراء ليعلن عن نص جديد، يتجول بيننا لكننا لا ننتبه إليه، وربما لا نريد ذلك لأننا نعرف أنه النص الوحيد الذي يستحق الاحتفاء بعد هذه التجارب الطويلة منذ بداية الستينات لحد الآن…