“امرأةٌ من جرحِ السماء”

صورة الكاتب
بقلم: ثامر سعید
التاريخ: 19 أغسطس 2026 عدد المشاهدات: 1251
“امرأةٌ من جرحِ السماء”

امرأةٌ من جرحِ السماء

في الأساطيرِ القديمة…
كان للريحِ مَزاجٌ أسوأ من الموت،
وكانت الآلهةُ تخبئ وصاياها تحت ألسنة الغرباء،
لهذا كانت المعابدُ ممتلئةً والسماء فارغة.
المعابدُ إجاباتٌ من حجر
لكنّ السماءَ أسئلةٌ بلا جدران.
ثم مضت قرون،
وأصبحَ البشرُ أكثر حكمةً من الآلهة.
اخترعوا الحروبَ
ثم سمّوا خوفَهم عقيدةً
وٱطماعهم أقدارا
بينما أطلقوا على موتِ الآخرين بطولةً.
علّموا الخوفَ كيف يصلّي
ثم سجدوا له، كي لا يفضحهم،
كلّما عجزوا عن تفسير الرعدِ
قالوا: مشيئةٌ
وكلّما ضاقتِ الأرضُ بهم
رفعوا أيديهم إلى السماءِ،
فهي حيلةُ الخائف الأخيرة.

كانت الأشجارُ تحفظُ أسرارَ الموتى
في جذورِها
والقبورُ تؤدي إلى جهاتٍ لا تصلها الذاكرة…
سحيقةٍ، هاربةٍ، مفقودة.
أما نحن البشرُ، حينذاك، فقد كنّا أكثر براءة
نقتلُ بعضنا بالحجارةِ، ثم نعتذر للأرض.

يُقالُ إنَّ امرأةً خرجت من جرحٍ في السماءِ
وحين مشت على الأرضِ
بدأت الأشياءُ تفقدُ يقينَها:
النوافذُ صارت تُحدِّقُ في عينِ الشمسِ
دون أن تُغمضَ ضِلافها،
الأنهارُ تنسى دائماً إلى أين تمضي،
الأسماءُ التي كانت تدلُّ علينا،
راحت تدلُّ على غرباءَ يشبهوننا،
الدروبُ التي كانت تقودُنا إلى المنافي،
صارت تقودُ المنافي إلينا.
أما الظِلالُ فقد صارت تتقدمُ أصحابَها،
حتى اليقين،أصبحَ له ملمس الأشياء المستعملة
يعرفه الجميع ولا يثق أحدٌ به،
كلّ يقينٍ جديد يحتاجُ إلى عدوٍّ جديد
حتى أصبح العالمُ مكتظاً بالحقائق
وخالياً من الحقيقة.

كان الليلُ وقتها كائناً بلا وجهٍ
يجلسُ عند أبوابِ المدنِ ويعدُّ الراحلين،
بينما الحبّ، فلم يكن قلباً ولا قصيدةً
كان خطأً صغيراً، ارتكبته الآلهة
ثم تركته للبشر،
كي يدفعوا ثمنه، حتى آخر نجمةٍ
ذابت في انتظارِهم.

وفي ليلةٍ لم تدونها الألواحُ
نزلت نجمةٌ عاشقةٌ إلى السوق
اشترت رغيفاً وجلست بين الفقراء.
أشارت إلى السماءِ وقالت:
هناك شيءٌ يلمعُ، لأنه خائفٌ من السقوط
ثم انطفأت.
لم تخبرهم أن الإله تركَ عرشهُ
ونزل حافياً إلى قلبِها،
ومن فرطِ ما أحبّها،
صارَ يغارُ من الأشياء:
من الماء، وهو يلمسُ جسدَها
من الريح، حين ترفع شعرَها
من الأحلام، تأخذها إلى جزرٍ،
لا يستطيع الوصول إليها
ومن الليل، لأنه يعرفها أكثر منه،
فارتبكتِ الكواكبُ في أفلاكِها
وسقطت من يدهِ مفاتيحُ الفصول.
منذ تلك اللحظة، صار الناسُ يرفعون رؤوسهم
إلى السماءِ،
ليتأكدوا أن العشقَ ما زال ممكناً.

حتى جاءَ شاعرٌ من بهجةِ الأنهار
يمشي على مهلٍ بين أثرٍ يتبددُ
في شارعٍ مائجٍ من مساءِ المدينة،
يُحدّثُ نفسه في غفلةٍ من الرقباءِ
أو ربما كان يُحدّثُ نجمةً في قلبهِ
تتلألأُ على خجلٍ:
حينها لم تكن الآلهةُ تعرفُ شيئاً عن الحبِّ وعن الخلود
كانت بارعةً في تأجيلِ موتها فحسب.
وكان قمرٌ يتدلى بارداً في السطوح،
فيعذرهُ، فليس سهلاً على دائرةِ ضوءٍ
أن تُنافسَ امرأةً تشبه نجمتَهُ.
تمرُّ سحابةٌ في الأفقِ
فيفكرُ أنَّ السماءَ حاولت أن تجرّبَ وجهها
ولم تفلح،
يستيقظُ الضوءُ، كأنّهُ قضى الليلَ
يعتذرُ للأشياءِ التي لم تُشبهُها.
الحرُّ يمدُّ ذراعيهِ في الطرقات
فيسمعُ خطوتَها في الهواء.
عند عودةِ الأعشاشِ إلى ضجيجِها
يفكرُ …
كم طائراً يلزمُ حتى يشرحَ للأفقِ
سببَ تعلّقهِ بها؟
لا بدّ أنها امرأةٌ صالحة للذاكرة،
لأنّ الأشياءَ كلّها، كلّما حدثت
تُشيرُ إليها،
بل الأشياء التي لا يعرفُها
تُشيرُ إليها أيضاً،
كأنَّ العالم يتذكرها أكثر منه.

عن الکاتب / الکاتبة

ثامر سعید
ثامر سعید
شاعر وکاتب/ العراق

مقالات أخرى للكاتب

“خُلوةٌ مع ابن عربي”

“خُلوةٌ مع ابن عربي”

خُلوةٌ مع ابن عربي الصمتُ يرتعشُ في الغرفةِ ثم يتظاهرُ بالثبات، وأنا أكتبُ بدموعِ الليل.…

صورة الكاتب ثامر سعید
28 مايو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


“امرأةٌ من جرحِ السماء”

بقلم: ثامر سعید | التاريخ: 19 أغسطس 2026

التصنيف: الشعر والنصوص الادبیة

امرأةٌ من جرحِ السماء

في الأساطيرِ القديمة…
كان للريحِ مَزاجٌ أسوأ من الموت،
وكانت الآلهةُ تخبئ وصاياها تحت ألسنة الغرباء،
لهذا كانت المعابدُ ممتلئةً والسماء فارغة.
المعابدُ إجاباتٌ من حجر
لكنّ السماءَ أسئلةٌ بلا جدران.
ثم مضت قرون،
وأصبحَ البشرُ أكثر حكمةً من الآلهة.
اخترعوا الحروبَ
ثم سمّوا خوفَهم عقيدةً
وٱطماعهم أقدارا
بينما أطلقوا على موتِ الآخرين بطولةً.
علّموا الخوفَ كيف يصلّي
ثم سجدوا له، كي لا يفضحهم،
كلّما عجزوا عن تفسير الرعدِ
قالوا: مشيئةٌ
وكلّما ضاقتِ الأرضُ بهم
رفعوا أيديهم إلى السماءِ،
فهي حيلةُ الخائف الأخيرة.

كانت الأشجارُ تحفظُ أسرارَ الموتى
في جذورِها
والقبورُ تؤدي إلى جهاتٍ لا تصلها الذاكرة…
سحيقةٍ، هاربةٍ، مفقودة.
أما نحن البشرُ، حينذاك، فقد كنّا أكثر براءة
نقتلُ بعضنا بالحجارةِ، ثم نعتذر للأرض.

يُقالُ إنَّ امرأةً خرجت من جرحٍ في السماءِ
وحين مشت على الأرضِ
بدأت الأشياءُ تفقدُ يقينَها:
النوافذُ صارت تُحدِّقُ في عينِ الشمسِ
دون أن تُغمضَ ضِلافها،
الأنهارُ تنسى دائماً إلى أين تمضي،
الأسماءُ التي كانت تدلُّ علينا،
راحت تدلُّ على غرباءَ يشبهوننا،
الدروبُ التي كانت تقودُنا إلى المنافي،
صارت تقودُ المنافي إلينا.
أما الظِلالُ فقد صارت تتقدمُ أصحابَها،
حتى اليقين،أصبحَ له ملمس الأشياء المستعملة
يعرفه الجميع ولا يثق أحدٌ به،
كلّ يقينٍ جديد يحتاجُ إلى عدوٍّ جديد
حتى أصبح العالمُ مكتظاً بالحقائق
وخالياً من الحقيقة.

كان الليلُ وقتها كائناً بلا وجهٍ
يجلسُ عند أبوابِ المدنِ ويعدُّ الراحلين،
بينما الحبّ، فلم يكن قلباً ولا قصيدةً
كان خطأً صغيراً، ارتكبته الآلهة
ثم تركته للبشر،
كي يدفعوا ثمنه، حتى آخر نجمةٍ
ذابت في انتظارِهم.

وفي ليلةٍ لم تدونها الألواحُ
نزلت نجمةٌ عاشقةٌ إلى السوق
اشترت رغيفاً وجلست بين الفقراء.
أشارت إلى السماءِ وقالت:
هناك شيءٌ يلمعُ، لأنه خائفٌ من السقوط
ثم انطفأت.
لم تخبرهم أن الإله تركَ عرشهُ
ونزل حافياً إلى قلبِها،
ومن فرطِ ما أحبّها،
صارَ يغارُ من الأشياء:
من الماء، وهو يلمسُ جسدَها
من الريح، حين ترفع شعرَها
من الأحلام، تأخذها إلى جزرٍ،
لا يستطيع الوصول إليها
ومن الليل، لأنه يعرفها أكثر منه،
فارتبكتِ الكواكبُ في أفلاكِها
وسقطت من يدهِ مفاتيحُ الفصول.
منذ تلك اللحظة، صار الناسُ يرفعون رؤوسهم
إلى السماءِ،
ليتأكدوا أن العشقَ ما زال ممكناً.

حتى جاءَ شاعرٌ من بهجةِ الأنهار
يمشي على مهلٍ بين أثرٍ يتبددُ
في شارعٍ مائجٍ من مساءِ المدينة،
يُحدّثُ نفسه في غفلةٍ من الرقباءِ
أو ربما كان يُحدّثُ نجمةً في قلبهِ
تتلألأُ على خجلٍ:
حينها لم تكن الآلهةُ تعرفُ شيئاً عن الحبِّ وعن الخلود
كانت بارعةً في تأجيلِ موتها فحسب.
وكان قمرٌ يتدلى بارداً في السطوح،
فيعذرهُ، فليس سهلاً على دائرةِ ضوءٍ
أن تُنافسَ امرأةً تشبه نجمتَهُ.
تمرُّ سحابةٌ في الأفقِ
فيفكرُ أنَّ السماءَ حاولت أن تجرّبَ وجهها
ولم تفلح،
يستيقظُ الضوءُ، كأنّهُ قضى الليلَ
يعتذرُ للأشياءِ التي لم تُشبهُها.
الحرُّ يمدُّ ذراعيهِ في الطرقات
فيسمعُ خطوتَها في الهواء.
عند عودةِ الأعشاشِ إلى ضجيجِها
يفكرُ …
كم طائراً يلزمُ حتى يشرحَ للأفقِ
سببَ تعلّقهِ بها؟
لا بدّ أنها امرأةٌ صالحة للذاكرة،
لأنّ الأشياءَ كلّها، كلّما حدثت
تُشيرُ إليها،
بل الأشياء التي لا يعرفُها
تُشيرُ إليها أيضاً،
كأنَّ العالم يتذكرها أكثر منه.