وفقا لدلالة المعنى الذي يحيل إلى الرقم 313 و ما يتضمنه من إشارة إلى النحس و السوداوية ، و وفقا للوحة الغلاف بوصفه فضاء فرجويا و وضع الطفل خلف القضبان ، فإجمالا تضعنا رواية المبدع حسن الموسوي إزاء واقع محتوم و مأزوم . و يمكن الاستدلال على اهتمام و براعة الكاتب في تأسيس المعنى الكلي للرواية بالارتكاز على المتن الحكائي ، فهو الشكل الجمالي لجذب و استقطاب المتلقي و محمولات هذا المتن بكل أبعاده الانسانية و الوجدانية و الطبقیة مما يكرس بنية حكائية جاذبة . و يشتبك الروائي مع أحداث و ظروف الحصار التسعيني و ما ساده من انهيار و انكسار و نكوص لكل القيم و انهيار قيم الدولة و الموروث القيمي . و يقدم قراءة لإحداثيات الصراع الطبقي آنذاك ، و بما يجعل الرواية مساحة لتحليل الواقع و فضح القيم السائدة و المسكوت عنه . يرتكز المتن الحكائي على شخصية علي بوصفه الشخصية المركزية و الذي يعمل في شركة السيد عبد الملك ، و وقوع رومانسيته في عشق ابنة صاحب الشركة سحر ، و يقرر الزواج منها ، و هو موقف يعبر عن قوة الشخصية و محاولة الخروج من انكسارها الطبقي و إثبات الذات ، لا سيما انه لم يكن براغماتيا أو مدفوعا بنزلة الطمع .
تبدأ خيوط الصراع بالظهور بوجود الشخصية العدائية و السلبية المتمثلة بغسان شقيق سحر ، و هو يتطلع إلى الواقع من منظور أنوي و يخشى أن يرث علي و سحر أموال و ميراث ، و بهذا تضعنا الرواية إزاء فهم لطبيعة الصراع الطبقي ، و يعمق الكاتب هذه الدلالة من خلال تأطير هذا الصراع بالنزعة السلطوية و الحزبية حين تظهر سايكولوجيا الهيمنة و الإقصاء في شخصية غسان الذي نكتشف بعد تواتر الأحداث بأنه مرتبط بالأجهزة الأمنية، و إنه ضمن المؤسسة الحزبية للنظام الاستبدادي الاوتوقراطي . ينجح غسان وفق هذه النزعة بزج علي في السجن و تقديم التهم الجاهزة للنظام إزاء أي معارضة و جعل الانتماء إلى حزب محظور و هو حزب الدعوة الوسيلة للتخلص من علي بوصفه الشخصية التي تهدم مصالح غسان و طبقته ، لكن عدوانية غسان و طمعه لم تكتف بالسجن ، بل تسعى لاجتثاث علي و إعلان طلاقه من سحر . يتم الاتفاق على صفقة لإطلاق سراحه و تسفيره إلى الخارج حفاظا على حياته مقابل التنازل عن كل شيء ، و هي صفقة سلطوية ، و تعني الحياة مقابل الحرية ، و يشتري علي حريته حيث لا يجد أي مسوغ للبقاء تحت سطوة القمع و الاستلاب و من ثم الإعدام . لكن الأشرار يواصلون عبثهم و وحشيتهم فيقرر غسان الغدر بعلي و تقديمه إلى حبل المشنقة بعد توقيعه على طلاق زوجته سحر . و هذه صورة رمزية لبشاعة و وحشية النظام الشمولي و أساليب القمع و المحو و الإقصاء .
و من جمالية الرواية انها قدمت قراءة للواقع الحصاري المؤطر بالانكفاء القيمي و الأخلاقي ، و قدمت رؤية بانورامية للواقع الاحتلالي بعد سقوط نظام العشيرة و القرية و المستبد الأوحد ، و هي صورة للتماثل و المقارنة في انهيار أسس و مقومات و كينونة الذات الإنسانية إزاء واقع كابوسي و بوليسي . و تمثل شخصية احمد الجزء المكمل ، فهو امتداد لشخصية صديقه علي ، و أحمد هو الآخر مطارد و قد هرب إلى تركيا و تمت تصفية عائلته بعد هروبه من العراق .يلتقي احمد بسحر عن طريق حادثة دهس نور ابنة علي و سحر ، و يقومان بالبحث عن علي و عائلة احمد في المقابر الجماعية ، و هو الإرث المقيت الذي تركه النظام للدلالة على القمع و تقويض وجود الإنسان و تصفية الآخر حفاظا على السلطة و استدامة لقيمها الجائرة . و تتحول سوداوية الرقم 313 إلى دلالة للقاء بين احمد و سحر من خلال رمزية الرقم كونه الرقم نفسه لغرفة نور في المستشفى الذي عولجت به .
و هذه الدلالة تحمل الكثير من رمزية التمسك بالحياة و إعادة قيمها و إبداء المقاومة و استئناف ارادة الوجود ، و عدم التمركز حول الانكسار و الاستسلام ، و بهذا فإن سيميائية النهاية تفتح على قيمة فكرية و إنسانية ترتبط باستدامة و تناسل اشتراطات الحياة ، بعد اندثار قيم الشر و الهيمنة و العنف المؤدلج .
و وفق هذا المسار فإن الرواية بقيمتها الجمالية و الفكرية قدمت رؤية إنسانية متقدمة ، و لم تجعل قيم الاستحواذ و الشر تتأطر بالخلود و الديمومة ، فهناك تناسل و جدل و انبعاث لقيم مضادة تمثل التحدي و انبثاق الشروط الوجودية للحظة الانعتاق من قيود و أصفاد الماضي و سلطته الرمزية .
و هذه هي مأثرة هذه الرواية و جوهر خطابها الإنساني، و لم يكن هذا الخطاب مباشرا و تقريريا ، بل سعى الروائي إلى الارتهان على الشكل الفني و الاشتغال الجمالي من خلال توظيف تقنية أو أسلوب تعدد الأصوات { البوليفينية } لتقدم فضاءات للتدفق السردي وفق منظور كل شخصية و الارتكاز على حوارية باختينية لكل ديالتيك انفرادي يؤدي إلى رؤية شاملة و كلية لإحداثيات الصراع و الشخصية و المكان . و قد اتسم البناء السايكولوجي للزمن في هذه الرواية بقوة استبطان الشخصيات ، و ما تمثله من مواقف و نزوع و تطلعات . ان نجاح و حيوية الرواية و تجلي و عمق دلالاتها تتكشف من خلال دلالة و انزياح المعنى الذي تقدمه بنية النهاية ، فالنهاية هي الملمح الرمزي و المجازي لتعميق المحتوى و المضمون الكلي ، و بذلك تتحول و تتشكل دلالات النهاية على شكل شفرة ترميزية ، و هذا ما سعى إليه الروائي حسن الموسوي حين جعل من لقاء احمد و سحر في نهاية الرواية ، هو لقاء يرمز إلى أن الضحايا هم صناع الحياة . يعد النهوض من جديد مثلما يتوهج طائر العنقاء و ينبع من جديد راكلا الرماد و كل صور الانكسار و الانكفاء و العدمية المقيتة . الرواية تدين مرحلة الاستبداد و مرحلة الاحتلال ، و تقدم شخصية غسان على أنه الذات المتضخمة و الذات الاستعلائية المتمركزة حول النفعية و المادية و الأنوية ، و الرواية تتعمق في احداثيات الصراع بين الذات و السلطة و جدل القيم الثنائية المتضادة وفق قراءة لا تخلو من الاستقطاب الجمالي و تفعيل فصل التلقي و الانفتاح على طاقة الترميز و الإيحاء و التأويل .و من الجدير بالذكر فإن هذه الرواية صادرة عن دار الأمير للطباعة و النشر و التوزيع في بغداد/
مقالات أخرى للكاتب
لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.
تمثلات الانكسار و تعرية الواقع في رواية الغرفة 313 للروائي حسن الموسو
وفقا لدلالة المعنى الذي يحيل إلى الرقم 313 و ما يتضمنه من إشارة إلى النحس و السوداوية ، و وفقا للوحة الغلاف بوصفه فضاء فرجويا و وضع الطفل خلف القضبان ، فإجمالا تضعنا رواية المبدع حسن الموسوي إزاء واقع محتوم و مأزوم . و يمكن الاستدلال على اهتمام و براعة الكاتب في تأسيس المعنى الكلي للرواية بالارتكاز على المتن الحكائي ، فهو الشكل الجمالي لجذب و استقطاب المتلقي و محمولات هذا المتن بكل أبعاده الانسانية و الوجدانية و الطبقیة مما يكرس بنية حكائية جاذبة . و يشتبك الروائي مع أحداث و ظروف الحصار التسعيني و ما ساده من انهيار و انكسار و نكوص لكل القيم و انهيار قيم الدولة و الموروث القيمي . و يقدم قراءة لإحداثيات الصراع الطبقي آنذاك ، و بما يجعل الرواية مساحة لتحليل الواقع و فضح القيم السائدة و المسكوت عنه . يرتكز المتن الحكائي على شخصية علي بوصفه الشخصية المركزية و الذي يعمل في شركة السيد عبد الملك ، و وقوع رومانسيته في عشق ابنة صاحب الشركة سحر ، و يقرر الزواج منها ، و هو موقف يعبر عن قوة الشخصية و محاولة الخروج من انكسارها الطبقي و إثبات الذات ، لا سيما انه لم يكن براغماتيا أو مدفوعا بنزلة الطمع .
تبدأ خيوط الصراع بالظهور بوجود الشخصية العدائية و السلبية المتمثلة بغسان شقيق سحر ، و هو يتطلع إلى الواقع من منظور أنوي و يخشى أن يرث علي و سحر أموال و ميراث ، و بهذا تضعنا الرواية إزاء فهم لطبيعة الصراع الطبقي ، و يعمق الكاتب هذه الدلالة من خلال تأطير هذا الصراع بالنزعة السلطوية و الحزبية حين تظهر سايكولوجيا الهيمنة و الإقصاء في شخصية غسان الذي نكتشف بعد تواتر الأحداث بأنه مرتبط بالأجهزة الأمنية، و إنه ضمن المؤسسة الحزبية للنظام الاستبدادي الاوتوقراطي . ينجح غسان وفق هذه النزعة بزج علي في السجن و تقديم التهم الجاهزة للنظام إزاء أي معارضة و جعل الانتماء إلى حزب محظور و هو حزب الدعوة الوسيلة للتخلص من علي بوصفه الشخصية التي تهدم مصالح غسان و طبقته ، لكن عدوانية غسان و طمعه لم تكتف بالسجن ، بل تسعى لاجتثاث علي و إعلان طلاقه من سحر . يتم الاتفاق على صفقة لإطلاق سراحه و تسفيره إلى الخارج حفاظا على حياته مقابل التنازل عن كل شيء ، و هي صفقة سلطوية ، و تعني الحياة مقابل الحرية ، و يشتري علي حريته حيث لا يجد أي مسوغ للبقاء تحت سطوة القمع و الاستلاب و من ثم الإعدام . لكن الأشرار يواصلون عبثهم و وحشيتهم فيقرر غسان الغدر بعلي و تقديمه إلى حبل المشنقة بعد توقيعه على طلاق زوجته سحر . و هذه صورة رمزية لبشاعة و وحشية النظام الشمولي و أساليب القمع و المحو و الإقصاء .
و من جمالية الرواية انها قدمت قراءة للواقع الحصاري المؤطر بالانكفاء القيمي و الأخلاقي ، و قدمت رؤية بانورامية للواقع الاحتلالي بعد سقوط نظام العشيرة و القرية و المستبد الأوحد ، و هي صورة للتماثل و المقارنة في انهيار أسس و مقومات و كينونة الذات الإنسانية إزاء واقع كابوسي و بوليسي . و تمثل شخصية احمد الجزء المكمل ، فهو امتداد لشخصية صديقه علي ، و أحمد هو الآخر مطارد و قد هرب إلى تركيا و تمت تصفية عائلته بعد هروبه من العراق .يلتقي احمد بسحر عن طريق حادثة دهس نور ابنة علي و سحر ، و يقومان بالبحث عن علي و عائلة احمد في المقابر الجماعية ، و هو الإرث المقيت الذي تركه النظام للدلالة على القمع و تقويض وجود الإنسان و تصفية الآخر حفاظا على السلطة و استدامة لقيمها الجائرة . و تتحول سوداوية الرقم 313 إلى دلالة للقاء بين احمد و سحر من خلال رمزية الرقم كونه الرقم نفسه لغرفة نور في المستشفى الذي عولجت به .
و هذه الدلالة تحمل الكثير من رمزية التمسك بالحياة و إعادة قيمها و إبداء المقاومة و استئناف ارادة الوجود ، و عدم التمركز حول الانكسار و الاستسلام ، و بهذا فإن سيميائية النهاية تفتح على قيمة فكرية و إنسانية ترتبط باستدامة و تناسل اشتراطات الحياة ، بعد اندثار قيم الشر و الهيمنة و العنف المؤدلج .
و وفق هذا المسار فإن الرواية بقيمتها الجمالية و الفكرية قدمت رؤية إنسانية متقدمة ، و لم تجعل قيم الاستحواذ و الشر تتأطر بالخلود و الديمومة ، فهناك تناسل و جدل و انبعاث لقيم مضادة تمثل التحدي و انبثاق الشروط الوجودية للحظة الانعتاق من قيود و أصفاد الماضي و سلطته الرمزية .
و هذه هي مأثرة هذه الرواية و جوهر خطابها الإنساني، و لم يكن هذا الخطاب مباشرا و تقريريا ، بل سعى الروائي إلى الارتهان على الشكل الفني و الاشتغال الجمالي من خلال توظيف تقنية أو أسلوب تعدد الأصوات { البوليفينية } لتقدم فضاءات للتدفق السردي وفق منظور كل شخصية و الارتكاز على حوارية باختينية لكل ديالتيك انفرادي يؤدي إلى رؤية شاملة و كلية لإحداثيات الصراع و الشخصية و المكان . و قد اتسم البناء السايكولوجي للزمن في هذه الرواية بقوة استبطان الشخصيات ، و ما تمثله من مواقف و نزوع و تطلعات . ان نجاح و حيوية الرواية و تجلي و عمق دلالاتها تتكشف من خلال دلالة و انزياح المعنى الذي تقدمه بنية النهاية ، فالنهاية هي الملمح الرمزي و المجازي لتعميق المحتوى و المضمون الكلي ، و بذلك تتحول و تتشكل دلالات النهاية على شكل شفرة ترميزية ، و هذا ما سعى إليه الروائي حسن الموسوي حين جعل من لقاء احمد و سحر في نهاية الرواية ، هو لقاء يرمز إلى أن الضحايا هم صناع الحياة . يعد النهوض من جديد مثلما يتوهج طائر العنقاء و ينبع من جديد راكلا الرماد و كل صور الانكسار و الانكفاء و العدمية المقيتة . الرواية تدين مرحلة الاستبداد و مرحلة الاحتلال ، و تقدم شخصية غسان على أنه الذات المتضخمة و الذات الاستعلائية المتمركزة حول النفعية و المادية و الأنوية ، و الرواية تتعمق في احداثيات الصراع بين الذات و السلطة و جدل القيم الثنائية المتضادة وفق قراءة لا تخلو من الاستقطاب الجمالي و تفعيل فصل التلقي و الانفتاح على طاقة الترميز و الإيحاء و التأويل .و من الجدير بالذكر فإن هذه الرواية صادرة عن دار الأمير للطباعة و النشر و التوزيع في بغداد/
التعليقات