درر اجتماعية في بارد هذا الدفء للشاعر العراقي ناظم الصرخي

صورة الكاتب
بقلم: حسن الموسوي
التاريخ: 14 سبتمبر 2026 عدد المشاهدات: 3349
درر اجتماعية في بارد هذا الدفء للشاعر العراقي ناظم الصرخي

 

يقدم لنا الشاعر ناظم الصرخي ثيما مختلفة من خلال مجموعته الشعرية بارد هذا الدفء يشكل العنوان { بارد هذا الدفء } العتبة النصية الأولى، و هو عنوان انزياحي ، فحسب قوانين الفيزياء فالدفء حار و ليس بارد و هنا أراد الشاعر أن يكون عنوانه عكس نواميس الطبيعة من أجل إثارة المتلقي . الغلاف من العتبات النصية و هو يشكل خطابا بصريا لأن الصورة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالمتخيل ، و في هذه الغلاف نجد صورة لبيت انتصب على صخور كبيرة فيما انتصبت شجرة كبيرة و جذورها متدلية في الهواء في إشارة إلى الانتماء للجذور . و نجد في الغلاف الآخر { النار / متاحة الآن يا برومثيوس / توجه لخطف الصاعقة / فزيوس في غفلة / قد أغوته / انتصاراته الزائفة } و وفقا للأساطير الاغريقية فإن برومثيوس و هو من آلهة الإغريق قد قام بسرقة النار و أعطاها للبشر بعد أن منعها زيوس عنهم . و ترمز النار إلى المعرفة و بواسطة النار يخرج الإنسان من الظلمات إلى النور .
الإهداء من العتبات النصية و فيه نجد { إلى العيون النجلاء التي رافقت دربي عبر سنين الوحشة و الجفاف / إلى سارق النار الأزلية من أجل رقي الانسانية / إلى دفء لم يولد بعد / إلى غربتي و منفاي و وطني / إلى عائلتي الكريمة } .
يتناغم الإهداء مع العنوان و الغلاف ، حيث نجد أن البيت في الغلاف هو رمز للأسرة المتامسكة التي أساسها من الصخور الصلدة .
اختلفت الثيمات في هذه المجموعة ، ففي نص عفة { كم هي بائسة /هذه الدموع / لا تذرف دموعها / إلا حينما ينزل / المطر } ص7 .
و في هذا دلالة على المكابرة و محاولة إخفاء الآلام و الحزن أمام الآخرين ، فالانسان القوي لا يظهر دموعه على الآخرين كي لا يبدو ضعيفا و منهزما ، صحيح ان الإنسان يرتاح حينما يبكي ، لكن من الضروري عدم البكاء أمام الآخرين ، ففي ذلك دلالة على الانكسار و الضعف . لذا نرى الإنسان القوي لا يبكي إلا عندما ينزل المطر ، ففي هذه الحالة تختلط قطرات المطر مع الدموع ، و هنا أتذكر مقولة شهيرة لشارلي شابلن يقول فيها { أحب دائما المشي تحت المطر حتى لا يرى أحد دموعي } .
في نص عقوق { كل غصن لا يغرد / احتفاء / بعيد الشجرة / هو في خاطرها / ابن عاق } ص 19 .
من الأمور المهمة التي تطرق إليها الكاتب و بشكل رمزي جميل هي مسألة عقوق الوالدين . و هذه المسألة تحمل بين طياتها الآلام و الشجن للآباء الذين أفنوا سنين عمرهم في تربية أولادهم و في نهاية المطاف لا يحصلون من هؤلاء الأبناء سوى الجحود .
لقد استطاع الشاعر أن يصور لنا هذه المأساة بكلمات قليلة ، أنيقة ، و قد أسقطها على الشجرة في توظيف جميل للرمزية الشعرية
في نص مثلث برمودا { عيناك مثلث برمودا / أغرق سفني في تيهه / فأضعت البوصلة و أنا الربان / لو ان نيوتن يعلم / أن لعينيك المكحولة هذا الجذب / للعن التفاحة ، مزق أوراق القانون / و أرشق بالأرض / الفنجان } ص 40 .
أستخدم الشاعر الوصف ، و يعد الوصف ركنا أساسيا و هو الذي يمنح النص حيوية و يجعل القاريء يتفاعل معه ، و الوصف يحول القراءة إلى تجربة مؤثرة .
في نص إفك { تحدث كثيرا / عن مخره البحار / صدق كذبته / فغرق } ص 48 .
يقول غوبلز ، و هو وزير الإعلام الألماني خلال الحرب العالمية الثانية{ اكذب و أكذب حتى تصدق نفسك } و هذه فلسفة شيطانية ، فالنجاة في الصدق حسب الفلسفة الاسلامية . يصور لنا الشاعر عن بحار كاذب ، كان يتلذذ بالكذب و ينسب إلى نفسه بطولات مزعومة ، و في نهاية المطاف يغرق . و الغرق هنا معنوي و لا يعني فقط الغرق في البحار ، فالتاجر الخاسر هو غارق بالديون ، و الحبيب الذي تركته حبيبته هو غارق بالانكسار . تصوير جميل و حكمة يقول فيها الشاعر أن نهاية الكذب هو الغرق و بالتالي الخسارة الكبرى في كل شيء يقول وارن بافليث { الصدق هو هدية غالية الثمن ، لذلك لا تتوقعها أن تأتي من أناس رخيصة } .
في نص تناظر { بين السجين / و السجان / قضبان حديدية / لا تشكل عائقا / كلاهما حبيس } ص 75 .
العلاقة بين السجين و السجان علاقة غريبة جدا ، فعلى أرض الواقع يبدو ان الغلبة للسجان و الانكسار من نصيب السجناء .
و لكن بما ان الدنيا غير ثابتة و هي خاضعة لنوماس الحياة المبني على التغيير ، فالسجان ربما يصبح في يوم من الأيام سجينا ، و على الباغي تدور الدوائر كما يقول المثل .
صراع على الاستحواذ وفق منطق الغابة ، القوي يأكل الضعيف ، و لا مجال لتقبل الآخر .
يقول ديستوفسكي في اختزال للصراع البشري { و حينما أصبحوا أشرار ، أخذوا يتحدثون عن الأخوة و الانسانية و فهموا تلك الأفكار ، و عندما أصبحوا مجرمين اخترعوا العدالة و كتبوا قوانين تصونها ، و لأجل تطبيق القوانين نصبوا المقصلة }
في نص حرية مزيفة { لؤلؤة / في قعر صدفة مظلم / فتح أبواب سجلها صياد / رأت النور مخضبا بالدماء / غشي عليها / و آثرت العودة } ص 86 .
في هذا النص رمزية عاليا ، فالحرية التي تكون ثمنها بحار من الدماء هي حرية غير مرغوب فيها .
فعلى الإنسان أن يحافظ على دماء الآخرين و ان لا يعرضهم إلى مخاطر جسيمة تهدد وجودهم من أجل مصلحته الشخصية المتمثلة بنيله للحرية .
في نص { أنتظر الذي لن يأتي / ألملم ذكرياتي الكسيرة / أوراقي المتشظية / أكحل أجفاني / بالحلم الماضي / و أنام } ص 106 .
الانتظار هو سمة عالية و هدف غالي ، يمارس أصحاب القلوب المشبعة باليقين ،
و في الموروث الشعبي و العقائد لكثير من شعوب العالم يكون انتظار المنقذ أو المخلص جزءا من العقيدة .
في هذا النص إقرار بأن الحبيب لن يأتي ، لذلك يرضخ الحبيب لهذه الحقيقة و يحاول أن يلملم شتاته و ينام ، و للنوم هنا أكثر من فائدة ، منها الراحة من التعب الذي رافق هجر الحبيب ، أو لعل من هجرنا يجود علينا بزيارة و لو في حلم .
في نص ضيق { الانكسارات / التي لا تعرف من أين تأتي / أجبرت القلب على / كسر / القفص الصدري } ص 114 .
في هذا النص كان على الشاعر أن يختار عنوانا آخر ، فمثلا يختار ثورة أو تمرد ، لأن القلب و من كثرة الانكسارات قام بكسر القفص الصدري المحبوس بداخله ، و في هذا إشارة إلى أن قابلية الإنسان للتحمل محدودة و ان الضغط المستمر سيولد الثورة و العصيان ، فالقلب كما هو معروف محبوس بإحكام داخل القفص الصدري ، و لأن الانكسارات كما يصفها الشاعر تأتي من كل مكان ، فالنتيجة الحتمية هي التمرد و كسر القضبان ، يحمل هذا النص رمزية كبيرة ، و فيه دلالة إلى الثورة على الواقع المتردي.

عن الکاتب / الکاتبة

حسن الموسوي
حسن الموسوي
قاص . روائي . شاعر . ناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

و ينتصر الحب في قضبان واهنة للروائي العراقي حازم الكعبي

و ينتصر الحب في قضبان واهنة للروائي العراقي حازم الكعبي

ينقلنا الروائي حازم الكعبي من خلال روايته قضبان واهنة و الصادرة عن دار الأمير للطباعة…

صورة الكاتب حسن الموسوي
31 أكتوبر 2026
اقرأ المزيد
“خلود الكلمات”

“خلود الكلمات”

كلماتك الندية تضوع عطرا في فضاءات المعنى تطلق ألسنة الشعراء ليشحذوا منابرهم بقصائد ثكلى ترتب…

صورة الكاتب حسن الموسوي
29 سبتمبر 2026
اقرأ المزيد
“سأشُد الرِّحال”

“سأشُد الرِّحال”

في هذه الليلة سأشد الرحال إلى مملكتك و أصبح لاجئا مع وقف التنفيذ عند أعتاب…

صورة الكاتب حسن الموسوي
23 نوفمبر 2025
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


درر اجتماعية في بارد هذا الدفء للشاعر العراقي ناظم الصرخي

بقلم: حسن الموسوي | التاريخ: 14 سبتمبر 2026

التصنيف: النقد الأدبي

 

يقدم لنا الشاعر ناظم الصرخي ثيما مختلفة من خلال مجموعته الشعرية بارد هذا الدفء يشكل العنوان { بارد هذا الدفء } العتبة النصية الأولى، و هو عنوان انزياحي ، فحسب قوانين الفيزياء فالدفء حار و ليس بارد و هنا أراد الشاعر أن يكون عنوانه عكس نواميس الطبيعة من أجل إثارة المتلقي . الغلاف من العتبات النصية و هو يشكل خطابا بصريا لأن الصورة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالمتخيل ، و في هذه الغلاف نجد صورة لبيت انتصب على صخور كبيرة فيما انتصبت شجرة كبيرة و جذورها متدلية في الهواء في إشارة إلى الانتماء للجذور . و نجد في الغلاف الآخر { النار / متاحة الآن يا برومثيوس / توجه لخطف الصاعقة / فزيوس في غفلة / قد أغوته / انتصاراته الزائفة } و وفقا للأساطير الاغريقية فإن برومثيوس و هو من آلهة الإغريق قد قام بسرقة النار و أعطاها للبشر بعد أن منعها زيوس عنهم . و ترمز النار إلى المعرفة و بواسطة النار يخرج الإنسان من الظلمات إلى النور .
الإهداء من العتبات النصية و فيه نجد { إلى العيون النجلاء التي رافقت دربي عبر سنين الوحشة و الجفاف / إلى سارق النار الأزلية من أجل رقي الانسانية / إلى دفء لم يولد بعد / إلى غربتي و منفاي و وطني / إلى عائلتي الكريمة } .
يتناغم الإهداء مع العنوان و الغلاف ، حيث نجد أن البيت في الغلاف هو رمز للأسرة المتامسكة التي أساسها من الصخور الصلدة .
اختلفت الثيمات في هذه المجموعة ، ففي نص عفة { كم هي بائسة /هذه الدموع / لا تذرف دموعها / إلا حينما ينزل / المطر } ص7 .
و في هذا دلالة على المكابرة و محاولة إخفاء الآلام و الحزن أمام الآخرين ، فالانسان القوي لا يظهر دموعه على الآخرين كي لا يبدو ضعيفا و منهزما ، صحيح ان الإنسان يرتاح حينما يبكي ، لكن من الضروري عدم البكاء أمام الآخرين ، ففي ذلك دلالة على الانكسار و الضعف . لذا نرى الإنسان القوي لا يبكي إلا عندما ينزل المطر ، ففي هذه الحالة تختلط قطرات المطر مع الدموع ، و هنا أتذكر مقولة شهيرة لشارلي شابلن يقول فيها { أحب دائما المشي تحت المطر حتى لا يرى أحد دموعي } .
في نص عقوق { كل غصن لا يغرد / احتفاء / بعيد الشجرة / هو في خاطرها / ابن عاق } ص 19 .
من الأمور المهمة التي تطرق إليها الكاتب و بشكل رمزي جميل هي مسألة عقوق الوالدين . و هذه المسألة تحمل بين طياتها الآلام و الشجن للآباء الذين أفنوا سنين عمرهم في تربية أولادهم و في نهاية المطاف لا يحصلون من هؤلاء الأبناء سوى الجحود .
لقد استطاع الشاعر أن يصور لنا هذه المأساة بكلمات قليلة ، أنيقة ، و قد أسقطها على الشجرة في توظيف جميل للرمزية الشعرية
في نص مثلث برمودا { عيناك مثلث برمودا / أغرق سفني في تيهه / فأضعت البوصلة و أنا الربان / لو ان نيوتن يعلم / أن لعينيك المكحولة هذا الجذب / للعن التفاحة ، مزق أوراق القانون / و أرشق بالأرض / الفنجان } ص 40 .
أستخدم الشاعر الوصف ، و يعد الوصف ركنا أساسيا و هو الذي يمنح النص حيوية و يجعل القاريء يتفاعل معه ، و الوصف يحول القراءة إلى تجربة مؤثرة .
في نص إفك { تحدث كثيرا / عن مخره البحار / صدق كذبته / فغرق } ص 48 .
يقول غوبلز ، و هو وزير الإعلام الألماني خلال الحرب العالمية الثانية{ اكذب و أكذب حتى تصدق نفسك } و هذه فلسفة شيطانية ، فالنجاة في الصدق حسب الفلسفة الاسلامية . يصور لنا الشاعر عن بحار كاذب ، كان يتلذذ بالكذب و ينسب إلى نفسه بطولات مزعومة ، و في نهاية المطاف يغرق . و الغرق هنا معنوي و لا يعني فقط الغرق في البحار ، فالتاجر الخاسر هو غارق بالديون ، و الحبيب الذي تركته حبيبته هو غارق بالانكسار . تصوير جميل و حكمة يقول فيها الشاعر أن نهاية الكذب هو الغرق و بالتالي الخسارة الكبرى في كل شيء يقول وارن بافليث { الصدق هو هدية غالية الثمن ، لذلك لا تتوقعها أن تأتي من أناس رخيصة } .
في نص تناظر { بين السجين / و السجان / قضبان حديدية / لا تشكل عائقا / كلاهما حبيس } ص 75 .
العلاقة بين السجين و السجان علاقة غريبة جدا ، فعلى أرض الواقع يبدو ان الغلبة للسجان و الانكسار من نصيب السجناء .
و لكن بما ان الدنيا غير ثابتة و هي خاضعة لنوماس الحياة المبني على التغيير ، فالسجان ربما يصبح في يوم من الأيام سجينا ، و على الباغي تدور الدوائر كما يقول المثل .
صراع على الاستحواذ وفق منطق الغابة ، القوي يأكل الضعيف ، و لا مجال لتقبل الآخر .
يقول ديستوفسكي في اختزال للصراع البشري { و حينما أصبحوا أشرار ، أخذوا يتحدثون عن الأخوة و الانسانية و فهموا تلك الأفكار ، و عندما أصبحوا مجرمين اخترعوا العدالة و كتبوا قوانين تصونها ، و لأجل تطبيق القوانين نصبوا المقصلة }
في نص حرية مزيفة { لؤلؤة / في قعر صدفة مظلم / فتح أبواب سجلها صياد / رأت النور مخضبا بالدماء / غشي عليها / و آثرت العودة } ص 86 .
في هذا النص رمزية عاليا ، فالحرية التي تكون ثمنها بحار من الدماء هي حرية غير مرغوب فيها .
فعلى الإنسان أن يحافظ على دماء الآخرين و ان لا يعرضهم إلى مخاطر جسيمة تهدد وجودهم من أجل مصلحته الشخصية المتمثلة بنيله للحرية .
في نص { أنتظر الذي لن يأتي / ألملم ذكرياتي الكسيرة / أوراقي المتشظية / أكحل أجفاني / بالحلم الماضي / و أنام } ص 106 .
الانتظار هو سمة عالية و هدف غالي ، يمارس أصحاب القلوب المشبعة باليقين ،
و في الموروث الشعبي و العقائد لكثير من شعوب العالم يكون انتظار المنقذ أو المخلص جزءا من العقيدة .
في هذا النص إقرار بأن الحبيب لن يأتي ، لذلك يرضخ الحبيب لهذه الحقيقة و يحاول أن يلملم شتاته و ينام ، و للنوم هنا أكثر من فائدة ، منها الراحة من التعب الذي رافق هجر الحبيب ، أو لعل من هجرنا يجود علينا بزيارة و لو في حلم .
في نص ضيق { الانكسارات / التي لا تعرف من أين تأتي / أجبرت القلب على / كسر / القفص الصدري } ص 114 .
في هذا النص كان على الشاعر أن يختار عنوانا آخر ، فمثلا يختار ثورة أو تمرد ، لأن القلب و من كثرة الانكسارات قام بكسر القفص الصدري المحبوس بداخله ، و في هذا إشارة إلى أن قابلية الإنسان للتحمل محدودة و ان الضغط المستمر سيولد الثورة و العصيان ، فالقلب كما هو معروف محبوس بإحكام داخل القفص الصدري ، و لأن الانكسارات كما يصفها الشاعر تأتي من كل مكان ، فالنتيجة الحتمية هي التمرد و كسر القضبان ، يحمل هذا النص رمزية كبيرة ، و فيه دلالة إلى الثورة على الواقع المتردي.