یثرب

صورة الكاتب
بقلم: محمد المیالي
التاريخ: 22 سبتمبر 2026 عدد المشاهدات: 3455
یثرب

 

على طاولة مثلثة وبشكل متساوي الضلعين، جلس خلفها من جهة القاعدة شخص مقنع يطرق بمطرقة رأسها اطلاقة سلاح متوسط، طرق خفيف وهادىء والرصاصة الى الأعلى دلالة ذات معنى معين، مع أربعة أشخاص من جنسيات مختلفة ينظرون له باحترام وفي نفس الوقت بتوتر وريبة وقلق، كأنه يريد أن يبلغهم بقرار خطير.

بعد ثواني قليلة سكنت المطرقة وبقيت رصاصتها الى الأعلى كأنها تنذر لشؤم كبير، والكل ينظر لها بترقب حذر وتارة ينظرون الى بعضهم، ثم رفع رأسه رئيس الجلسة ونطق عبارة شخصت عيون الجميع لها، حيث قال بنبرة عنيفة (اقتلوا الله) فرددوها بعده وكل واحد منهم بلغة مختلفة، ثم ضغط على زر بجانبه الأيسر، ليشتعل لون أحمر كأن المكان احترق بلونه، بعدها سمع دوي رصاص وقنابل على بعد، مع ابتسامة خبيثة منه وبادلتها ابتسامات مثيلة من الآخرين، كانت تلك هي البداية لمرحلة أخرى أستبدل فيها التطرف وجه تنظيم القاعدة الى وجه كالح آخر بعنوان داعش.

لم يترك أزيز الرصاص فرصة للهواجس أن تبدي رأيا، أو تدلي بما تشعر به لتترجم صرخات النسوة ورعب الأطفال، كل شيء ارتبك في مفاصل الحياة، في المدن المجاورة ليمتد الى مدينة صلاح الدين، ويخيم كابوس الزحف الداعشي على ناحية يثرب، حتى استبيحت الناحية كسابقاتها بطريقة وحشية لم يذكر التاريخ لها مثيلا إلا فيما أقدمت عليه بنو أمية في واقعة الحرة الشهيرة، خلف يجدد ما صنعه السلف.

أشهرٌ وأيام عجاف قاسية مرت على الناس في هذه المدينة من الضياع والموت ونهب كل شيء حتى قص شعر البواكر بمقص الغرباء من الجنسيات المرتزقة الشيشانية وغيرها، ومن بينهن تلك الفتاة ذات التسعة سنوات التي فقدت عذريتها بالقرب من جثة أبيها الغارقة بالدماء دفاعا عنها، فخرجت تلك الصرخة المخنوقة بحبال الرعب بعد أن رأت (سمية) بعينها مصرع أبيها وفقد أعز ما يمتلكه جسدها الغض، لتعلن بيان موتها هي الأخرى بعد أن قضى منها الشيشاني وطرا دنيئا في غاية الخسة والنذالة، لم يتأثر من مشهد موتها الذي اخترعه لها قيد شعرة وكأنه ليس من فصيلة البشر، وذهب ومن معه للبحث عن مرامي أخرى بكل قسوة وانحطاط أخلاقي، بقيت جثتها وجثة أبيها في الدار لأنها كانت وحيدته بعد وفاة أمها بمرض عضال وصراع مع المرض ومتطلباته تلك السنوات المحدودة من عمرها، كانت حلم أبيها الذي يرى فيها الفتاة التي ستكمل دراستها وتحقق طموحها بأن تكون طبيبة، ذلك الطموح الذي تحول الى هدف بسبب ما عانت منه والدتها، فتاة مجتهدة ومتفوقة ذهب كل شيء مع تلك الريح المجنونة.

نقص في متطلبات الحياة حتى البسيطة منها لم يتوفر، لا طعام ولا صحة ولا تعليم، كل شيء توقف وأصبح تحت سلطة إرهابية داعشية لا تعي من الحياة غير القتل والاغتصاب وفي منتهى الوحشية، فُقِد حليب الأطفال وتسبب في هلاك العديد منهم دون رحمة وتلك حكاية قطعت أفئدة الأمهات وصدعت أكباد الآباء، حتى باتت الأم تهرع الى الشارع وطفلها بين الحياة والموت تبحث عن سبيل وكل السبل مقطوعة، أما أم الطفل عمار كأنها لا تريد أن تقتنع بموته فحملته وبقيت أيام تطوف به وتسأل الناس عن شربة حليب له، كيف لا تفقد صوابها وهو من انتظرته عشرة سنين بعد يأس من الحمل، عصابات كانت تتلذذ بالموت ورؤية الدم وانتهاك الحرمات، فألف حسرة وحسرة تتكسر في قلوب أمهات هؤلاء الأطفال، والآباء والأخوة ما بين مقتول ومهزوم لا حول ولا قوة له. كل شيء بات معتما آيلا الى الزوال بعد أن فقدت كل الآمال في أجواء مشحونة ملبدة بالغيوم السوداء التي تمطر موتا وهلاكا لا مفر منه، حتى استسلم الكل للواقع، وأي واقع هذا الذي يساهم فيه أشخاص من نفس المدينة ممن كانوا في السجن وتم اطلاق صراحهم من قبل تلك العصابة ليكونوا عونا لها على ظلم وجور أهلهم وأبناء جلدتهم من قبل عصابات داعش الإرهابية، فأي سلوك أسود هذا الذي اتخذوه سبيلا.

ما زالت تلك الأم المثكلة برضيعها أم أنمار تبحث عن شربة حليب له بين الناس، بعد استُبدلت جثته التي كانت تجوب بها الشوارع بدمية من قبل محبيها، بهذه الطريقة تم دفن الطفل بعد سبعة أيام من وفاته وهي تجوب به المسالك، حين تطلب الحليب كانت تقسم على المارة قسم اعتاد الناس سماعه منها وهو: أقسم عليك بمن أرضعتك هب لحبيبي أنمار شربة حليب قبل أن يموت، فكانت تلك العبارة قاسية جدا على من يسمعها، فقد تأثرت المدينة بمصاب هذه المرأة التي يعرفها الجميع كونها تربوية.   وحين علمت عصابة داعش بما حدث لها وكيف أمست حديث الناس، أمر رئيس العصابة بإنهاء حكايتها، وهي في أحد الأزقة ليلا جاءتها زمرة وربطتها من قدميها الى السيارة وسحبتها حتى بقيت أثار شعرها وما اختلط به من لحم رأسها ملتصقا في الشارع عدة أيام واختفت بعدها الى الأبد.

 

 

عن الکاتب / الکاتبة

محمد المیالي
محمد المیالي
کاتب وقاص/ العراق

مقالات أخرى للكاتب

شباب اليوم .. مومياء الغد

شباب اليوم .. مومياء الغد

شباب اليوم .. مومياء الغد بعد أن عجزت المؤسسة الاعلامية الاسلامية من أن تواكب العصر…

صورة الكاتب محمد المیالي
5 يناير 2026
اقرأ المزيد
قصة الرؤیة

قصة الرؤیة

قصة الرؤیة   كل مَن جاءوا به إلى هنا وعلقوه في هذه الشجرة يُجزر بطريقة…

صورة الكاتب محمد المیالي
23 ديسمبر 2025
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


یثرب

بقلم: محمد المیالي | التاريخ: 22 سبتمبر 2026

التصنيف: قصة قصيرة و قصيرة جدا

 

على طاولة مثلثة وبشكل متساوي الضلعين، جلس خلفها من جهة القاعدة شخص مقنع يطرق بمطرقة رأسها اطلاقة سلاح متوسط، طرق خفيف وهادىء والرصاصة الى الأعلى دلالة ذات معنى معين، مع أربعة أشخاص من جنسيات مختلفة ينظرون له باحترام وفي نفس الوقت بتوتر وريبة وقلق، كأنه يريد أن يبلغهم بقرار خطير.

بعد ثواني قليلة سكنت المطرقة وبقيت رصاصتها الى الأعلى كأنها تنذر لشؤم كبير، والكل ينظر لها بترقب حذر وتارة ينظرون الى بعضهم، ثم رفع رأسه رئيس الجلسة ونطق عبارة شخصت عيون الجميع لها، حيث قال بنبرة عنيفة (اقتلوا الله) فرددوها بعده وكل واحد منهم بلغة مختلفة، ثم ضغط على زر بجانبه الأيسر، ليشتعل لون أحمر كأن المكان احترق بلونه، بعدها سمع دوي رصاص وقنابل على بعد، مع ابتسامة خبيثة منه وبادلتها ابتسامات مثيلة من الآخرين، كانت تلك هي البداية لمرحلة أخرى أستبدل فيها التطرف وجه تنظيم القاعدة الى وجه كالح آخر بعنوان داعش.

لم يترك أزيز الرصاص فرصة للهواجس أن تبدي رأيا، أو تدلي بما تشعر به لتترجم صرخات النسوة ورعب الأطفال، كل شيء ارتبك في مفاصل الحياة، في المدن المجاورة ليمتد الى مدينة صلاح الدين، ويخيم كابوس الزحف الداعشي على ناحية يثرب، حتى استبيحت الناحية كسابقاتها بطريقة وحشية لم يذكر التاريخ لها مثيلا إلا فيما أقدمت عليه بنو أمية في واقعة الحرة الشهيرة، خلف يجدد ما صنعه السلف.

أشهرٌ وأيام عجاف قاسية مرت على الناس في هذه المدينة من الضياع والموت ونهب كل شيء حتى قص شعر البواكر بمقص الغرباء من الجنسيات المرتزقة الشيشانية وغيرها، ومن بينهن تلك الفتاة ذات التسعة سنوات التي فقدت عذريتها بالقرب من جثة أبيها الغارقة بالدماء دفاعا عنها، فخرجت تلك الصرخة المخنوقة بحبال الرعب بعد أن رأت (سمية) بعينها مصرع أبيها وفقد أعز ما يمتلكه جسدها الغض، لتعلن بيان موتها هي الأخرى بعد أن قضى منها الشيشاني وطرا دنيئا في غاية الخسة والنذالة، لم يتأثر من مشهد موتها الذي اخترعه لها قيد شعرة وكأنه ليس من فصيلة البشر، وذهب ومن معه للبحث عن مرامي أخرى بكل قسوة وانحطاط أخلاقي، بقيت جثتها وجثة أبيها في الدار لأنها كانت وحيدته بعد وفاة أمها بمرض عضال وصراع مع المرض ومتطلباته تلك السنوات المحدودة من عمرها، كانت حلم أبيها الذي يرى فيها الفتاة التي ستكمل دراستها وتحقق طموحها بأن تكون طبيبة، ذلك الطموح الذي تحول الى هدف بسبب ما عانت منه والدتها، فتاة مجتهدة ومتفوقة ذهب كل شيء مع تلك الريح المجنونة.

نقص في متطلبات الحياة حتى البسيطة منها لم يتوفر، لا طعام ولا صحة ولا تعليم، كل شيء توقف وأصبح تحت سلطة إرهابية داعشية لا تعي من الحياة غير القتل والاغتصاب وفي منتهى الوحشية، فُقِد حليب الأطفال وتسبب في هلاك العديد منهم دون رحمة وتلك حكاية قطعت أفئدة الأمهات وصدعت أكباد الآباء، حتى باتت الأم تهرع الى الشارع وطفلها بين الحياة والموت تبحث عن سبيل وكل السبل مقطوعة، أما أم الطفل عمار كأنها لا تريد أن تقتنع بموته فحملته وبقيت أيام تطوف به وتسأل الناس عن شربة حليب له، كيف لا تفقد صوابها وهو من انتظرته عشرة سنين بعد يأس من الحمل، عصابات كانت تتلذذ بالموت ورؤية الدم وانتهاك الحرمات، فألف حسرة وحسرة تتكسر في قلوب أمهات هؤلاء الأطفال، والآباء والأخوة ما بين مقتول ومهزوم لا حول ولا قوة له. كل شيء بات معتما آيلا الى الزوال بعد أن فقدت كل الآمال في أجواء مشحونة ملبدة بالغيوم السوداء التي تمطر موتا وهلاكا لا مفر منه، حتى استسلم الكل للواقع، وأي واقع هذا الذي يساهم فيه أشخاص من نفس المدينة ممن كانوا في السجن وتم اطلاق صراحهم من قبل تلك العصابة ليكونوا عونا لها على ظلم وجور أهلهم وأبناء جلدتهم من قبل عصابات داعش الإرهابية، فأي سلوك أسود هذا الذي اتخذوه سبيلا.

ما زالت تلك الأم المثكلة برضيعها أم أنمار تبحث عن شربة حليب له بين الناس، بعد استُبدلت جثته التي كانت تجوب بها الشوارع بدمية من قبل محبيها، بهذه الطريقة تم دفن الطفل بعد سبعة أيام من وفاته وهي تجوب به المسالك، حين تطلب الحليب كانت تقسم على المارة قسم اعتاد الناس سماعه منها وهو: أقسم عليك بمن أرضعتك هب لحبيبي أنمار شربة حليب قبل أن يموت، فكانت تلك العبارة قاسية جدا على من يسمعها، فقد تأثرت المدينة بمصاب هذه المرأة التي يعرفها الجميع كونها تربوية.   وحين علمت عصابة داعش بما حدث لها وكيف أمست حديث الناس، أمر رئيس العصابة بإنهاء حكايتها، وهي في أحد الأزقة ليلا جاءتها زمرة وربطتها من قدميها الى السيارة وسحبتها حتى بقيت أثار شعرها وما اختلط به من لحم رأسها ملتصقا في الشارع عدة أيام واختفت بعدها الى الأبد.