قصة الرؤیة
كل مَن جاءوا به إلى هنا وعلقوه في هذه الشجرة يُجزر بطريقة مختارة يشفي بها صدر الجزار، كنا ننظر ونبكي ونصرخ كلما لعقت السكين دمَ رقبةٍ، ولأننا لا حول ولا قوة لنا إلا بالله العلي العظيم، كنا نكثر من التكبير والتسبيح في تضرع وخشية، ونحمده تعالى لأننا لسنا من البشر فنكون بهذه الوحشية التي لم نألفها حتى من الوحوش ذاتها. يا ويلنا! كم نحتاج من الصبر حتى نتحمل كل ما نراه من عنف يقترفه بنو آدم، يفترس بعضُهم بعضاً، خالفوا حتى نظام الغاب الذي لم تخالفه حتى الوحوش؛ الوحش يفترس حين يجوع فقط ولا يفترس من بني جنسه أبداً. كنتُ أنا الشاهد الوحيد الذي لديه القدرة على سماع كل صوتٍ، حتى الهمس الذي تهمس به الألسنةُ حيث تحمله لي ذرات تكويني دون عناء.
في يوم مختلفٍ تماماً في كل شيء، جاءوا كغيمةٍ سوداء غاضبة، إلا أن هناك مخلوقاتٍ شفافةً تطير بأجنحةٍ تحوم وتحف بهم هذه المرة. استغربت من المشهد تلك الحمامة التي لها مع هذه الشجرة حكاية حياة، طارت لتستطلع الأمر، فوجدت طفلاً جميلاً كأن وجهه قطعة ياقوتٍ، قُيدت يداه الرقيقتان، كما تمنت من تلك المخلوقات أن تحاول تخليصه من تلك الوحوش رغم أنها لا تقدر، فرأت أحدهم ضرب بجنحه الشفاف عينَ غرابٍ من غربانهم، فظن أن حشرةً سقطت بعينه، فصرخ: “تبّاً لكِ من بعوضةٍ أحرقت عيني!”. ما كانوا يرون تلك المخلوقات كما أراها أنا وهي، كانت تحوم بحزنٍ وقلقٍ شديدٍ لأنها تعي وحشية هؤلاء، بقيت تضرب أشواطاً ما بين الطفل والشجرة كأنها تعتمر.
الطفل وهو ينظر وقد كُشف عنه الغطاء، في حوار ذاتي: “أول مرة أرى أطفالاً بعمري لهم أجنحة شفافة كأجسامهم، يا الله! سبحانك من خالقٍ! ما أجملهم! ها هم يحلقون ويحيطون بي من كل جانب كالنسيم، كأنهم يريدون أن يطيروا بي إلا أنهم لا يقدرون. نعم، هم جاءوا من أجلي، هكذا أشعر من خلال نظراتهم الرقيقة لي، وأشعر أن أرواحهم حانية عليَّ بطيبها. آه! يا له من مشهد! يا ترى، إلى أين يأخذني هؤلاء الوحوش؟ وهذه الحمامة… كأنها تعرفني! ماذا تريد أن تخبرني؟ هل تعرف أني صائرٌ إلى تلك الشجرة؟ لا أدري، هل هناك خطبٌ ما ينتظرني؟ ومن جاء بهذه المخلوقات؟ ولماذا تنظر إليّ بعين الشفقة والعطف؟ أظنهم الأطفال الرضع الذين ماتوا، وكما قالت أمي، إنهم يتحولون إلى طيور تسكن الجنة. لا أدري لماذا هدأت نفسي بعد خوفٍ ورعبٍ عشته مذ أحاطت بي تلك الغربان السود.”
قائد هذه المخلوقات يهمس في أذن الطفل: “لا تخف ولا تحزن، نحن معك. لا ترهبك السكينُ إذا ما استُلَّت، ولا تُقلقْك إذا ما اقتربت من نحرك. كن مطمئناً هادئاً ودع روحك في سكون. ما جئنا إلا من أجلك، نريد لك الأمان، نريد أن نغير فيك الكثير؛ ففي جسدك الترابي هذا ثقلٌ يجب أن نخلصك منه. أما نفسك البريئة، فخشينا أن ترهقها الحياة وتلبسها أثواباً عدةً تنسجها الأيام فتبطل وضوءها. نريدك أن تحيا حياةً غير هذه الحياة.”
كأنه سمع الحمامة وهي تحدث نفسها: “لا أدري هل أبقى محلّقةً مسايرةً لهم، أم أسبقهم لأحطَّ على غصنٍ منتظرةً فوق الشجرة؟ هذه الشجرة التي روت قصتها لي أمي عن جدي، أنها غُرست منذ تسعين سنة. هي الشاهد على حياتي منذ كنت بيضةً ثم فقست في عشٍ بُنيَ بين غصنين من أغصانها، وتربيت عليها. هي وطني الذي أسكنه. ها نحن وصلنا جميعاً في وقت واحد، تزاحمت فيه الأرواح. ويا لهذا الذبيح الطري! وماذا سيحل به!”
ها هو الذباح اختار لنفسه ما تنتشي به روحه الشريرة، فقد علق الولد من قدميه وجعل رأسه إلى الأسفل ليُذبحَ كما يُذبحُ الدجاجُ في المجازر. وها هي السكين صرخت في وريده كما صرخت في ذرات تكويني وسال الدم، وكبّر كل شيء في هذا الوجود، فذبحُ طفلٍ جريمةٌ تتفطر لها السماء، وتتشقق لها صخور الأرض، وتكاد تميد لعظمتها الجبال. أما الحمامة المسكينة تلك، فقد شعرت أن روحها هي التي خرجت من جسدها كما خرجت روح الطفل ورفت يداه كأنها جنحُ عصفورٍ.
غادرت الغربان المكان، وأحاطت تلك المخلوقات بالطفل وهي تخاطبه: “دع جسدك الترابي الثقيل هذا متدلياً إلى حين، أما روحُك الشفيفةُ هذه، فعلى جناح الطيب هانئةً بحريتها بعد أن تخلصت من حبسها. وهذا جسدُك الجديدُ، شفيفاً مجنحاً، ينتظر أن ترتديه كالثوب، وتحلق به معنا إلى هناك حيث الجمال والرقة والسعادة الأبدية.” ثوانيَ قليلةً وسكن رفيفُ جسده المعلق، وغادرت روحه في ذلك الجسد الشفاف مع تلك المخلوقات واختفت عن الأنظار، وبقيت تلك الحمامة تئن على الشجرة ليلاً نهاراً.
وبقيتُ أنا لا أدري متى يأتي الأمر لي بطلبٍ نصه: “يا أيتها الريح! أرينا ما خزنته ذاكرتُكِ في ذراتكِ من مشاهدِ عنفٍ وأحداثٍ ارتكبتها عصابات داعش والقاعدة بحق الإنسانيةِ، في الصوت والصورة.” وها أنا محملٌ بها، تثقل كاهلي لما فيها من مصائبَ تدمي الأفئدةَ وتشيب لها رؤوسُ الأجنةِ في بطون أمهاتها. الشيء الوحيد الذي أذهلني ولم أجد له جواباً هو، هل أحس ذلك الطفل بحرارة السكين كما شعر بها الكبار الذين سبقوه أم لا؟ فاتني أن أسألَ تلك المخلوقات قبل مغادرتها.
كأن الله سبحانه وتعالى خص هذا الطفل بمعجزةٍ تفرد بها دون غيره، كأن للبراءة قتلاً خاصاً، وأن روحه خرجت قبل السكين، وخُيِّلَ لهم ذبحُه حياً. هذا ما روته الريح في رؤية منامٍ لأم الطفل الذبيح التي اعتادت المجيء إلى هنا، وحين يتعبها النواحُ تغلبها غفوةٌ، وهي في عين الريح والحمامة التي تشاركها النواح.
محمد مهدي السويراوي
عامر حميو
شاکر الغزي
التعليقات