باب المضيف

صورة الكاتب
بقلم: عامر حميو
التاريخ: 12 أبريل 2026 عدد المشاهدات: 2903
باب المضيف

(باب المضيف) قصة قصيرة.

وقف مختار المنطقة في وسط رجال القرية الجبلية، وأعلن بصوت جهوري:
– (اعتبارا من اليوم لايحق لأحد من أهالي القرية أن يدخل جهازا جديدا لداره دون موافقتي، حتى وإن كان يفيد أهل بيته) .
وادار وجهه ناحية رجال حاشيته، ليسمع أهل القريةمن خلالهم، وأضاف :
-( مادامت القرية حديثة عهد بدخول الكهرباء لبيوتها، فإن بعض الأجهزة قد يحصل عليها من لايجيد استخدامها، ويسبب ضررا لاحبائنا).
ثم أمر الجميع بالانصراف، ليعودوا إلى بيوتهم مطأطئي الرؤوس.
لكن شيخا هرما رفض قرار المختار تحت فكرة (أن مايحقق الراحة لبيت المختار، فإن لباقي رجال بيوت القرية حق أن يمتعوا اسرهم فيه، دون أخذ الموافقة من أحد ).
ومما سمع ممن ذهبوا صاغرين لأمر مختار القرية، أن أحدهم كان يهمس للآخر :
– (اسرع… اسرع يارجل ودعنا نفلت من غضبة المختار) .
فيرد الثاني بهمس هو الآخر :
-( لا بد أن الشيخ الهرم قد جن حتى يتواجه مع المختار ورجاله) .
لكن القرية ورجالها خرجوا، في عصر اليوم التالي، على صوت عربة تركتر محملة باجهزة كهربائية لدار الرجل الهرم دون أن تمر على دار المختار، وقبل أن تنام القرية ليلتها تلك، سمع في منتصف ظلامها صوت رصاص بين بندقيتين قرب دار الرجل الهرم، مالبثت أن هدأت اصواتها على زعيق نبرة، كأنها تشبه نبرة صوت المختار لكنها مضخمة في صدى وادي الجبل،
وبعض مما كان يسمع، صرخات هستيرية تبتر الجمل دون أن تكملها، تقول:
– (بيتك ومزرعتك ساضم___ها ها هااا) .
ثم تصمت النبرة وتعود صارخة:
– (علي أن احص ماعندك من أجهزة ة ة ة) .
تجيبها نبرة صوت، كأنها نبرة صوت الرجل الهرم، تقول:
-(هي في مضيف الدار، خذها إن استطعت… عت عت عت) .
ومثلما أدرك شهرزاد الصباح فسكتت، وسط ضجيج النهار، عن الكلام المباح، ضاع صوت المختار وصوت الرجل الهرم بين خرير مياه شلال الجبل وزقزقة طيور أشجار الربيع، وصار الناس في القرية يعدون الساعات لنهاية مايجري، لكن شابا جسورا من شباب القرية، يبدو أنه قد تسلل قريبا من دار الرجل الهرم، ورجع قبل منتصف اليوم الثاني، بساعة واحدة، وأكمل صورة المواجهة بين المختار والرجل الهرم قائلا لجميع من تواجد حوله:
-{في الليلة الأولى لجأ الرجل الهرم إلى استدراج المختار ورجاله بقوله للمختار(هي في مضيف الدار، خذها إن استطعت)
كنت أنا وقتها اكمن على سطح المضيف، خوفا من الرصاص الطائش، ورأيت كيف أن المختار وجماعته تسللوا خائفين حذرين إلى مضيف الرجل الهرم، وبعضهم يؤكد للآخر أن الأجهزة موجودة فعلا في داخل المضيف، ولم تمض دقائق قليلة حتى سمعت صوت الباب الحديدي للمضيف يقفل، من خارجه، على المختار وجماعته.
في الساعات الأولى لحصار المختار ورجاله، كان الجميع يهدد الشيخ الهرم بالموت أولا ، ثم بهدم داره ومحو أثره.
لم ار الشيخ الهرم، لكنني بمضي الساعات على صمته، راودتني قناعة أنه يستنزف قواهم شيئا فشيئا قبل أن يرد عليهم، ومما زاد من قناعتي هذه أنه قطع عنهم الماء والاكل منذ دخولهم المضيف وحقن عليهم حتى خلاءهم، فاستكانوا صامتين إلى مساء اليوم الثاني، إذ بدأ وعيد مطالبهم ينحسر بقبولهم (أن يبقي باب المضيف موصدا عليهم، مقابل أن يعطيهم مايسد رمقهم ويبل عطشهم، غير أن جواب الرجل الهرم كان الصمت المطبق إلى لحظة مللت بها اختبائي، وكنت على وشك أن أظهر للجميع عسى أن أفعل شيئا للطرفين، وحينما نظرت إلى ساعة معصمي ووجدت أن المواجهة بين الطرفين قد مضى عليها سبع واربعون ساعة، سمعت المختار يعلن بصوت واهن مستسلم:
– (يارجل سنموت جوعا وعطشا… أفتح لنا الباب، ونعدك أن لانقرب بيتك… فقط افتح لنا باب المضيف) .
وقتها سمعت الرجل الهرم، أو هو صوت لأحد أولاده لنعومة تعتريه، يشترط عليهم أن يسلموه بنادقهم لينزع منها شيئا قبل أن يعيدها لهم ويخلي سبيلهم.
وهنا تناهى لي صوت المختار، كأن الله فتح له مخرجا من حيث لايحتسب، يقول فرحا:
– (اعطوه مايريد ودعونا ننتهي من هذه الورطة) .}.

عن الکاتب / الکاتبة

عامر حميو
عامر حميو
قاص وروائي / العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


باب المضيف

بقلم: عامر حميو | التاريخ: 12 أبريل 2026

التصنيف: قصة قصيرة

(باب المضيف) قصة قصيرة.

وقف مختار المنطقة في وسط رجال القرية الجبلية، وأعلن بصوت جهوري:
– (اعتبارا من اليوم لايحق لأحد من أهالي القرية أن يدخل جهازا جديدا لداره دون موافقتي، حتى وإن كان يفيد أهل بيته) .
وادار وجهه ناحية رجال حاشيته، ليسمع أهل القريةمن خلالهم، وأضاف :
-( مادامت القرية حديثة عهد بدخول الكهرباء لبيوتها، فإن بعض الأجهزة قد يحصل عليها من لايجيد استخدامها، ويسبب ضررا لاحبائنا).
ثم أمر الجميع بالانصراف، ليعودوا إلى بيوتهم مطأطئي الرؤوس.
لكن شيخا هرما رفض قرار المختار تحت فكرة (أن مايحقق الراحة لبيت المختار، فإن لباقي رجال بيوت القرية حق أن يمتعوا اسرهم فيه، دون أخذ الموافقة من أحد ).
ومما سمع ممن ذهبوا صاغرين لأمر مختار القرية، أن أحدهم كان يهمس للآخر :
– (اسرع… اسرع يارجل ودعنا نفلت من غضبة المختار) .
فيرد الثاني بهمس هو الآخر :
-( لا بد أن الشيخ الهرم قد جن حتى يتواجه مع المختار ورجاله) .
لكن القرية ورجالها خرجوا، في عصر اليوم التالي، على صوت عربة تركتر محملة باجهزة كهربائية لدار الرجل الهرم دون أن تمر على دار المختار، وقبل أن تنام القرية ليلتها تلك، سمع في منتصف ظلامها صوت رصاص بين بندقيتين قرب دار الرجل الهرم، مالبثت أن هدأت اصواتها على زعيق نبرة، كأنها تشبه نبرة صوت المختار لكنها مضخمة في صدى وادي الجبل،
وبعض مما كان يسمع، صرخات هستيرية تبتر الجمل دون أن تكملها، تقول:
– (بيتك ومزرعتك ساضم___ها ها هااا) .
ثم تصمت النبرة وتعود صارخة:
– (علي أن احص ماعندك من أجهزة ة ة ة) .
تجيبها نبرة صوت، كأنها نبرة صوت الرجل الهرم، تقول:
-(هي في مضيف الدار، خذها إن استطعت… عت عت عت) .
ومثلما أدرك شهرزاد الصباح فسكتت، وسط ضجيج النهار، عن الكلام المباح، ضاع صوت المختار وصوت الرجل الهرم بين خرير مياه شلال الجبل وزقزقة طيور أشجار الربيع، وصار الناس في القرية يعدون الساعات لنهاية مايجري، لكن شابا جسورا من شباب القرية، يبدو أنه قد تسلل قريبا من دار الرجل الهرم، ورجع قبل منتصف اليوم الثاني، بساعة واحدة، وأكمل صورة المواجهة بين المختار والرجل الهرم قائلا لجميع من تواجد حوله:
-{في الليلة الأولى لجأ الرجل الهرم إلى استدراج المختار ورجاله بقوله للمختار(هي في مضيف الدار، خذها إن استطعت)
كنت أنا وقتها اكمن على سطح المضيف، خوفا من الرصاص الطائش، ورأيت كيف أن المختار وجماعته تسللوا خائفين حذرين إلى مضيف الرجل الهرم، وبعضهم يؤكد للآخر أن الأجهزة موجودة فعلا في داخل المضيف، ولم تمض دقائق قليلة حتى سمعت صوت الباب الحديدي للمضيف يقفل، من خارجه، على المختار وجماعته.
في الساعات الأولى لحصار المختار ورجاله، كان الجميع يهدد الشيخ الهرم بالموت أولا ، ثم بهدم داره ومحو أثره.
لم ار الشيخ الهرم، لكنني بمضي الساعات على صمته، راودتني قناعة أنه يستنزف قواهم شيئا فشيئا قبل أن يرد عليهم، ومما زاد من قناعتي هذه أنه قطع عنهم الماء والاكل منذ دخولهم المضيف وحقن عليهم حتى خلاءهم، فاستكانوا صامتين إلى مساء اليوم الثاني، إذ بدأ وعيد مطالبهم ينحسر بقبولهم (أن يبقي باب المضيف موصدا عليهم، مقابل أن يعطيهم مايسد رمقهم ويبل عطشهم، غير أن جواب الرجل الهرم كان الصمت المطبق إلى لحظة مللت بها اختبائي، وكنت على وشك أن أظهر للجميع عسى أن أفعل شيئا للطرفين، وحينما نظرت إلى ساعة معصمي ووجدت أن المواجهة بين الطرفين قد مضى عليها سبع واربعون ساعة، سمعت المختار يعلن بصوت واهن مستسلم:
– (يارجل سنموت جوعا وعطشا… أفتح لنا الباب، ونعدك أن لانقرب بيتك… فقط افتح لنا باب المضيف) .
وقتها سمعت الرجل الهرم، أو هو صوت لأحد أولاده لنعومة تعتريه، يشترط عليهم أن يسلموه بنادقهم لينزع منها شيئا قبل أن يعيدها لهم ويخلي سبيلهم.
وهنا تناهى لي صوت المختار، كأن الله فتح له مخرجا من حيث لايحتسب، يقول فرحا:
– (اعطوه مايريد ودعونا ننتهي من هذه الورطة) .}.