[ عبور ] من محطة موت أول، إلى محطة حياة ثانية “الجزء الأول”

صورة الكاتب
بقلم: عبد الرحمن بوطيب
التاريخ: 10 أبريل 2026 عدد المشاهدات: 131
[ عبور ] من محطة موت أول، إلى محطة حياة ثانية “الجزء الأول”

[ عبور ]
من محطة موت أول، إلى محطة حياة ثانية.

* قبل بوح شفيف، كان قد قال:

(ويوم ولد كانت أعراس تقام ليوم تأبين عمر منه
كان هو الفاني
هي الثواني
شظايا
وما الباقيات غير حروف
أنساها
لا تنساني)

1/ استرجاع

يوم 4 / 4 / 26 / فجرا.

لا يدري، أهو في ليل فائت، أم في صباح جديد.
الظلمة تسكن أعماقه أكثر من سكناها في صفحة سماء لا يرى منها سماء…
الجسد منه منهار… يتنمل… حرارته مرتفعة… بالرأس صداع، كأنه صداع ثمالة ليلة حمراء.
بالكاد تَفَقَّدَ شاشةَ هاتفه الغبي… الساعة الخامسة فجرا… هي الرابعة… هذه الساعة الحمقاء الزائدة كاذبة… إذن هو في فجر يوم جديد.
حاول تذكر وقائع ليلة أمس… ليس من عادته الإفطار بحصيلة يوم وليلة سابقين… تعلم طَيَّ الصفحات القديمات كل ليلة… تعود فتح صفحة جديدة كل فجر جديد، يلونها بسطور طازجة على نكهة قهوة حارقة… وسيجارة شقراء.
هذا الفجر ليس فجرا عاديا… الصفحة الجديدة ممتلئة ببقايا صفحة ليلية لم تكن ككل الصفحات العاديات…
غثيان مفاجئ… معدة تنط بما فيها، وبما ليس فيها، على حين غفلة منه… من حظ فراشٍ أنه وجد نفسه في الحمام… أفرغه جوفه من الأعماق… رأى نفسه يندلق من فم لا صمام أمان له…
صداع… دوار… غثيان…
ظل طوال نهار ليلته الغثيانية يجري منذ صباح باكر بين طبيب ومختبر تحليلات… دون قهوة… دون سيجارة شقراء… يوم طويل طويل طويل… القهوة ساخطة… السيجارة منفعلة… لا حيلة له… شروط تحليلات الدم تستوجب صياما عن إفطار… فلتنفعل قهوة… فلتسخط سيجارة… الأمر والحكاية لن يتعديا ساعة… أو أكثر… كل الناس ازدحموا في قاعة انتظار بمختبر… كل الناس مرضى… هكذا حدث نفسه… فلتصبر قهوة وسيجارة… ما باليد حيلة.
طبيبه الأول المعتاد على استشارته في أمراض مزمنة نصحه في آخر فحص بضرورة زيارة طبيب اليوم، الذي فحصه على ضوء رسالة الطبيب الأول المعتاد… الطبيب الجديد مرح… يحب الحياة… ويحب سيجارته الشقراء… قالها بكل مرح… لا مشاكل مع تدخين… كلنا مدخنون بحب، في انتظار الدخول في سلسلة فحوصات وتحليلات وصور أشعة مقطعية… لا داعي لتأزيم الوضعية… هي فقط مخلفات سيجارة… لكل داء دواء… إلا… أكمل المريض الجملة المبتورة… “إلا موت واجب”… ضحك الطبيب المدخن… همس بابتسامة لذيذة… “ربما أطمع في سيجارة قبل رحيل”… أضاف المريض المدخن… “وقهوة شقراء…”… “عليك بإجراء هذه التحليلات… لو أردت الفوز بالشقراء قبل رحيل… ههههههه”…” حاضر عزيزي طبيبي المدخن”.
كم هو جميل أن يدعمك في أزمة نفسية وحالة مرض عصيبة رجل علم… وأدب، مدخن مثلك… النصائح لا تؤتي أكلها مع مدمنين… تزيد من شراهتهم لممنوع… كل ممنوع مرغوب… هكذا قالوا… ومع ذلك ينصحون، ينصحون، ينصحون… مع كل نصيحة يشتد التعلق بسوداء حارقة، وشقراء لعوب.
لا يدري كيف استسلم لأطباء… رغم ضعف بنيته كان يتجنب عقاقير صيدلية… نادرا ما كان يستشير حكيما… هو مع ذلك ليس من زمرة عشابين… الذات تستسلم بين أيدي أطباء وصيادلة… لا يحب وصفات وتحليلات وأشعة… وها هو بدأ الرحلة بين طبيب وطبيب… ومختبرات، ومراكز فحص بأشعة… لشيخوخةٍ من عمر طويل رهان… ولتدخينٍ مبالغ فيه تبعات… لا بأس… سيصل دوره لأخذ عينة من دم أحمر قان… هي مسألة ساعة من انتظار، أو زيادة… لا بد من أخذ العينة قبل قهوة وشقراء… “النتيجة يوم الإثنين مساء، أستاذ”… ليس من عادته حساب أيام أسبوع… لا بد أن يوم الاثنين قادم… عليه الإسراع إلى أقرب مقهى… وعانق شقراءه… احتسيا معا فنجان قهوة عربية حارقة.
استغل صباحه الطويل في اغتنام فرصة الفوز بجولة في شوارع مدينة لم تعد مدينة… شارع الأمير… شارع محمد الخامس… شارع الجيش الملكي… شوارع مقفرة هذا الصباح… لم يكن يتجول فيها صباحا… سائح ليل كان… وكانت شوارع صاخبة ليلا… أجساد تحتك بأجساد… اعتذارات، ابتسامات… لا وقت لخصومات لا تسمن ولا تغني من جوع… لمتعة.
المدينة مقفرة صباحا… نفسه مقفرة صباحا… ضعف عام ودوار… خطوات متثاقلة… لا أجساد تحتك بأجساد… انتظارات تحليلات وأشعة تحتك بتخوفات… ليس كل الأطباء مدخنين… ليس من عادته تقبل نصائح تزاحم رغبات.
مساء… وصل بيته… الجسد منهار… الحمى تلتهب… دوار… غثيان… تفريغ على غير سابق إنذار… ارتماء دون وعي على فراش… رحلة بدأت في طريق بحث عن محطة… وفاة أولى.

لحكاية الموت الأول بقية.

عن الکاتب / الکاتبة

عبد الرحمن بوطيب
عبد الرحمن بوطيب
اديب وقاص / المغرب

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


[ عبور ] من محطة موت أول، إلى محطة حياة ثانية “الجزء الأول”

بقلم: عبد الرحمن بوطيب | التاريخ: 10 أبريل 2026

التصنيف: قصة قصيرة

[ عبور ]
من محطة موت أول، إلى محطة حياة ثانية.

* قبل بوح شفيف، كان قد قال:

(ويوم ولد كانت أعراس تقام ليوم تأبين عمر منه
كان هو الفاني
هي الثواني
شظايا
وما الباقيات غير حروف
أنساها
لا تنساني)

1/ استرجاع

يوم 4 / 4 / 26 / فجرا.

لا يدري، أهو في ليل فائت، أم في صباح جديد.
الظلمة تسكن أعماقه أكثر من سكناها في صفحة سماء لا يرى منها سماء…
الجسد منه منهار… يتنمل… حرارته مرتفعة… بالرأس صداع، كأنه صداع ثمالة ليلة حمراء.
بالكاد تَفَقَّدَ شاشةَ هاتفه الغبي… الساعة الخامسة فجرا… هي الرابعة… هذه الساعة الحمقاء الزائدة كاذبة… إذن هو في فجر يوم جديد.
حاول تذكر وقائع ليلة أمس… ليس من عادته الإفطار بحصيلة يوم وليلة سابقين… تعلم طَيَّ الصفحات القديمات كل ليلة… تعود فتح صفحة جديدة كل فجر جديد، يلونها بسطور طازجة على نكهة قهوة حارقة… وسيجارة شقراء.
هذا الفجر ليس فجرا عاديا… الصفحة الجديدة ممتلئة ببقايا صفحة ليلية لم تكن ككل الصفحات العاديات…
غثيان مفاجئ… معدة تنط بما فيها، وبما ليس فيها، على حين غفلة منه… من حظ فراشٍ أنه وجد نفسه في الحمام… أفرغه جوفه من الأعماق… رأى نفسه يندلق من فم لا صمام أمان له…
صداع… دوار… غثيان…
ظل طوال نهار ليلته الغثيانية يجري منذ صباح باكر بين طبيب ومختبر تحليلات… دون قهوة… دون سيجارة شقراء… يوم طويل طويل طويل… القهوة ساخطة… السيجارة منفعلة… لا حيلة له… شروط تحليلات الدم تستوجب صياما عن إفطار… فلتنفعل قهوة… فلتسخط سيجارة… الأمر والحكاية لن يتعديا ساعة… أو أكثر… كل الناس ازدحموا في قاعة انتظار بمختبر… كل الناس مرضى… هكذا حدث نفسه… فلتصبر قهوة وسيجارة… ما باليد حيلة.
طبيبه الأول المعتاد على استشارته في أمراض مزمنة نصحه في آخر فحص بضرورة زيارة طبيب اليوم، الذي فحصه على ضوء رسالة الطبيب الأول المعتاد… الطبيب الجديد مرح… يحب الحياة… ويحب سيجارته الشقراء… قالها بكل مرح… لا مشاكل مع تدخين… كلنا مدخنون بحب، في انتظار الدخول في سلسلة فحوصات وتحليلات وصور أشعة مقطعية… لا داعي لتأزيم الوضعية… هي فقط مخلفات سيجارة… لكل داء دواء… إلا… أكمل المريض الجملة المبتورة… “إلا موت واجب”… ضحك الطبيب المدخن… همس بابتسامة لذيذة… “ربما أطمع في سيجارة قبل رحيل”… أضاف المريض المدخن… “وقهوة شقراء…”… “عليك بإجراء هذه التحليلات… لو أردت الفوز بالشقراء قبل رحيل… ههههههه”…” حاضر عزيزي طبيبي المدخن”.
كم هو جميل أن يدعمك في أزمة نفسية وحالة مرض عصيبة رجل علم… وأدب، مدخن مثلك… النصائح لا تؤتي أكلها مع مدمنين… تزيد من شراهتهم لممنوع… كل ممنوع مرغوب… هكذا قالوا… ومع ذلك ينصحون، ينصحون، ينصحون… مع كل نصيحة يشتد التعلق بسوداء حارقة، وشقراء لعوب.
لا يدري كيف استسلم لأطباء… رغم ضعف بنيته كان يتجنب عقاقير صيدلية… نادرا ما كان يستشير حكيما… هو مع ذلك ليس من زمرة عشابين… الذات تستسلم بين أيدي أطباء وصيادلة… لا يحب وصفات وتحليلات وأشعة… وها هو بدأ الرحلة بين طبيب وطبيب… ومختبرات، ومراكز فحص بأشعة… لشيخوخةٍ من عمر طويل رهان… ولتدخينٍ مبالغ فيه تبعات… لا بأس… سيصل دوره لأخذ عينة من دم أحمر قان… هي مسألة ساعة من انتظار، أو زيادة… لا بد من أخذ العينة قبل قهوة وشقراء… “النتيجة يوم الإثنين مساء، أستاذ”… ليس من عادته حساب أيام أسبوع… لا بد أن يوم الاثنين قادم… عليه الإسراع إلى أقرب مقهى… وعانق شقراءه… احتسيا معا فنجان قهوة عربية حارقة.
استغل صباحه الطويل في اغتنام فرصة الفوز بجولة في شوارع مدينة لم تعد مدينة… شارع الأمير… شارع محمد الخامس… شارع الجيش الملكي… شوارع مقفرة هذا الصباح… لم يكن يتجول فيها صباحا… سائح ليل كان… وكانت شوارع صاخبة ليلا… أجساد تحتك بأجساد… اعتذارات، ابتسامات… لا وقت لخصومات لا تسمن ولا تغني من جوع… لمتعة.
المدينة مقفرة صباحا… نفسه مقفرة صباحا… ضعف عام ودوار… خطوات متثاقلة… لا أجساد تحتك بأجساد… انتظارات تحليلات وأشعة تحتك بتخوفات… ليس كل الأطباء مدخنين… ليس من عادته تقبل نصائح تزاحم رغبات.
مساء… وصل بيته… الجسد منهار… الحمى تلتهب… دوار… غثيان… تفريغ على غير سابق إنذار… ارتماء دون وعي على فراش… رحلة بدأت في طريق بحث عن محطة… وفاة أولى.

لحكاية الموت الأول بقية.