الجندي الذي كان هناك

صورة الكاتب
بقلم: شاکر الغزي
التاريخ: 11 أبريل 2026 عدد المشاهدات: 2365
الجندي الذي كان هناك

الجندي الذي كان هناك

هناك مقولة بسيطة لكنها دقيقة:
في الحرب يكون الموت مشوّهاً ومثيراً للدهشة.
صموئيل هاينز.

واحد، اثنان، ثلاثة.. عشرة.. ستة عشر.. تسعة عشر، وأنا عشرون.
كنت أعدُّنا في سرّي، نحن الجنود المرحّلين في حوض شاحنة زيل خاكية اللون. رغم أنّي لا أعرف حتّى أسماء هؤلاء الجنود العشرين، لكنهم صاروا جزءاً من ذاكرتي، خلطتنا الحرب معاً في أوّل أيّامها، وعجنتنا كطينة واحدة ثمّ قسّمتنا إلى عشرين كرة صغيرة، نتشارك ذات اللون والهدف ومشاعر الخوف والعنف والمرارة. رحّلونا من معسكر التدريب إلى مكان لا نعرفه في الجبهة الشمالية. حين ساقنا الضابط المسؤول في صفّ موحّد، أوقفه حرس البوابة وسألوه ما هؤلاء الجنود؟ فردّ عليهم:
حظيرة عَكَّاشات!.
لا أعرف كيف أصف القرية التي قال الضابط أنّ الموضع الذي نقصده بعدها بقليل، لا أتذكّر اسمها! ربّما نسيته أو لعلّي لم أعرفه أصلاً. كلّ ما يستطيع جندي صغير مثلي أن يفعله الآن هو أن يروي ما رآه وما أحسّ به:
أطلال موحشة تحتاج لشاعر جاهليّ ينظم فيها معلّقة بكائية، وألف بومة تنعب في خرائبها! هياكل وأنقاض متراكمة فوق بعضها وجذوع نخيل متفحّمة تنتصب هنا وهناك كأوتاد سود، لا يوجد شبر تراب ولا عود أخضر في مدى رؤيتي، الرماد الأسود يغطّي كلّ شيء على الأرض: الجثث المحروقة والشظايا وبقايا القذائف والأنقاض والجذوع المبتورة.
يبدو أنّ النار التهمت الحجر والبشر. كان هناك رجل يتدلّى من أحد أعمدة الإنارة، خمّنتُ أنّه معلّق بأسلاك، لأنه مشويّ تماماً حدّ التفحّم، حتى عمود الإنارة متفحّم كذلك، لو كان معلّقاً بحبل لأكلته النار فانقطع، غير أني لم أستطع التخمين أكان من أهل القرية أم جندياً مُعاقباً لأنه حاول الفرار أو خالف أوامر عُليا؟. أحد الجنود ــ وكان ما يزال صغيراً ــ حين رآه ظلّ يبكي ويتقيّأ، أما الجنود الآخرون فتندّروا عليه وعلى سيخ الكباب المشوي، هكذا أسْمَوا الرجل المحروق! ربما كانوا يعبّرون عن خوفهم من الموت ورعبهم من الحرب بإطلاق النكات والضحك، حتى الضحك هناك له طعم مختلف:
كان لزجاً ومريراً!.
أخرج السائق من صندوق شاحنته الزيل رزمة أكياس خاصة مكتوب عليها (معمل الأسمدة الفوسفاتية)، لم نكن في عكاشات حتماً؛ نحن في أقصى الشرق أو الشمال الشرقيّ، هكذا خمّنت. وزّع على كلّ واحد منّا عشرة أكياس، كما أمره الضابط، ثمّ أمرنا بالنزول إلى الموضع ــ كان الموضع شقّاً طويلاً وعميقاً ــ لنجمع عظام الجنود الأبطال، شعرتُ بأنّ الضابط يسخر من هؤلاء المساكين الميّتين بوصفهم بالأبطال!. يبدو أنهم تمركزوا في هذا الموضع وخاضوا حرباً دموية شرسة مع أهالي القرية.
لماذا فعلوا ذلك يا ترى؟
تساءلتُ في سرّي، ولكن متى سُمح للجنود الصغار مثلي أن يسألوا لماذا؟ بل متى كانوا مهتمّين بذلك أصلاً!.
يُفترض بالجندي الجيّد أن ينفّذ الأوامر العليا دون مناقشة أو سؤال، حتى شعار الجيش (نفّذْ ثمّ ناقشْ) شعارٌ كاذب، فليس من شأن الجنود أن يفكّروا ــ ولو مجرّد تفكير ــ في مناقشة الأوامر العسكرية لا قبل تنفيذها ولا بعده!.
حين نزلتُ إلى الموضع كان ثمّة أعشاب بريّة صغيرة نبتت بين الشقوق الرطبة. على الجانب يستند جنديّ ميّت يغطّيه التراب، وآثار لدماء جافة سالت من أذنيه وأنفه. من بعيد رأيت قطّة شاحبة تأكل قدماً مبتورة تلبس جورباً خاكياً وبسطالاً ممزّقاً، انقلبتْ معدتي حتى شعرتُ بالغثيان. الجنود الآخرون كذلك رأوا كلاباً وجرذاناً تأكل الأذرع والسيقان والرؤوس المبتورة!. ملأتُ الأكياس العشرة بالعظام وسحلتها خارجاً.
هدوء مؤقت يخيّم على القرية والموضع والشاحنة، لا شيء غير دخان السيجارة الذي ينفثه السائق في الهواء، سلّمت عليه فأكرمني بنفَس دخان، نفثتُ معه كلّ همومي ومتاعبي، سألته بشفقة وحزن:
ماذا سنفعل بأكياس العظام هذه؟
سنشحنها بالقطار إلى مطحنة العظام في معمل الأسمدة في عكّاشات، ستُخلط مع السماد وتوزّع على الفلّاحين.
سماد! عظام الجنود الأبطال ستصير سماداً للحقول، يا له من تكريم مثير للدهشة.
جمعنا قرابة الخمسة أطنان من عظام الجنود الأبطال وبقي الكثير منها في الموضع. رزمنا الأكياس جيداً وصففناها في حوض الشاحنة ثمّ ركبنا فوقها. فكّرتُ أنّ هذه العظام كانت في يومٍ ما جنوداً مثلنا، مغرورين أو مخدوعين لا فرق، وربّما هم بدورهم استلقوا أو داسوا بأحذيتهم على رفات جنود آخرين.
على مسافة ميل شرقاً، كانت الحرب التي لا تشبع تلتهم جنوداً ساخنين. ضجة مجنونة وغيمة عملاقة من الدخان والغبار يتخلّلها بريق البنادق والقذائف، اكتفينا بالمشاهدة فقط ونحن محتجزون في حوض الشاحنة التي ابتعدت ببطء.

فجأةً!
ارتجّت الأرض وطارت الشاحنة في الهواء وكأنّ مارداً عملاقاً طوّحها بعيداً، ثمّ سقطت على الأرض بقوة، ارتطم رأسي بسياج الشاحنة الجانبي وانغرزت العظام في مؤخرتي، تداخلتْ عظام صدري مع بعضها فلم أستطع التنفّس، كنت أشهق بصعوبة، الغبار والدخان يملآن فمي، والدم الساخن اللزج يغطّي عينيّ، تمنّيتُ أن أموت بسرعة ولا يدوم هذا الاختناق المريع! مسحتُ عينيّ بحركات مهووسة مثل المجنون، الطنين في أذنيّ كاد أن يفقدني صوابي، حاولتُ النهوض لأستنشق بعض الهواء فلم أستطع، نظرتُ إلى ساقيّ فرأيتهما مبتورتين تتدلّيان وسط جوربين خاكيّين وحذاءين ممزّقين يغطّيهما الغبار والرماد والدم اللزج.

عن الکاتب / الکاتبة

شاکر الغزي
شاکر الغزي
شاعر وكاتب / العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الجندي الذي كان هناك

بقلم: شاکر الغزي | التاريخ: 11 أبريل 2026

التصنيف: قصة قصيرة

الجندي الذي كان هناك

هناك مقولة بسيطة لكنها دقيقة:
في الحرب يكون الموت مشوّهاً ومثيراً للدهشة.
صموئيل هاينز.

واحد، اثنان، ثلاثة.. عشرة.. ستة عشر.. تسعة عشر، وأنا عشرون.
كنت أعدُّنا في سرّي، نحن الجنود المرحّلين في حوض شاحنة زيل خاكية اللون. رغم أنّي لا أعرف حتّى أسماء هؤلاء الجنود العشرين، لكنهم صاروا جزءاً من ذاكرتي، خلطتنا الحرب معاً في أوّل أيّامها، وعجنتنا كطينة واحدة ثمّ قسّمتنا إلى عشرين كرة صغيرة، نتشارك ذات اللون والهدف ومشاعر الخوف والعنف والمرارة. رحّلونا من معسكر التدريب إلى مكان لا نعرفه في الجبهة الشمالية. حين ساقنا الضابط المسؤول في صفّ موحّد، أوقفه حرس البوابة وسألوه ما هؤلاء الجنود؟ فردّ عليهم:
حظيرة عَكَّاشات!.
لا أعرف كيف أصف القرية التي قال الضابط أنّ الموضع الذي نقصده بعدها بقليل، لا أتذكّر اسمها! ربّما نسيته أو لعلّي لم أعرفه أصلاً. كلّ ما يستطيع جندي صغير مثلي أن يفعله الآن هو أن يروي ما رآه وما أحسّ به:
أطلال موحشة تحتاج لشاعر جاهليّ ينظم فيها معلّقة بكائية، وألف بومة تنعب في خرائبها! هياكل وأنقاض متراكمة فوق بعضها وجذوع نخيل متفحّمة تنتصب هنا وهناك كأوتاد سود، لا يوجد شبر تراب ولا عود أخضر في مدى رؤيتي، الرماد الأسود يغطّي كلّ شيء على الأرض: الجثث المحروقة والشظايا وبقايا القذائف والأنقاض والجذوع المبتورة.
يبدو أنّ النار التهمت الحجر والبشر. كان هناك رجل يتدلّى من أحد أعمدة الإنارة، خمّنتُ أنّه معلّق بأسلاك، لأنه مشويّ تماماً حدّ التفحّم، حتى عمود الإنارة متفحّم كذلك، لو كان معلّقاً بحبل لأكلته النار فانقطع، غير أني لم أستطع التخمين أكان من أهل القرية أم جندياً مُعاقباً لأنه حاول الفرار أو خالف أوامر عُليا؟. أحد الجنود ــ وكان ما يزال صغيراً ــ حين رآه ظلّ يبكي ويتقيّأ، أما الجنود الآخرون فتندّروا عليه وعلى سيخ الكباب المشوي، هكذا أسْمَوا الرجل المحروق! ربما كانوا يعبّرون عن خوفهم من الموت ورعبهم من الحرب بإطلاق النكات والضحك، حتى الضحك هناك له طعم مختلف:
كان لزجاً ومريراً!.
أخرج السائق من صندوق شاحنته الزيل رزمة أكياس خاصة مكتوب عليها (معمل الأسمدة الفوسفاتية)، لم نكن في عكاشات حتماً؛ نحن في أقصى الشرق أو الشمال الشرقيّ، هكذا خمّنت. وزّع على كلّ واحد منّا عشرة أكياس، كما أمره الضابط، ثمّ أمرنا بالنزول إلى الموضع ــ كان الموضع شقّاً طويلاً وعميقاً ــ لنجمع عظام الجنود الأبطال، شعرتُ بأنّ الضابط يسخر من هؤلاء المساكين الميّتين بوصفهم بالأبطال!. يبدو أنهم تمركزوا في هذا الموضع وخاضوا حرباً دموية شرسة مع أهالي القرية.
لماذا فعلوا ذلك يا ترى؟
تساءلتُ في سرّي، ولكن متى سُمح للجنود الصغار مثلي أن يسألوا لماذا؟ بل متى كانوا مهتمّين بذلك أصلاً!.
يُفترض بالجندي الجيّد أن ينفّذ الأوامر العليا دون مناقشة أو سؤال، حتى شعار الجيش (نفّذْ ثمّ ناقشْ) شعارٌ كاذب، فليس من شأن الجنود أن يفكّروا ــ ولو مجرّد تفكير ــ في مناقشة الأوامر العسكرية لا قبل تنفيذها ولا بعده!.
حين نزلتُ إلى الموضع كان ثمّة أعشاب بريّة صغيرة نبتت بين الشقوق الرطبة. على الجانب يستند جنديّ ميّت يغطّيه التراب، وآثار لدماء جافة سالت من أذنيه وأنفه. من بعيد رأيت قطّة شاحبة تأكل قدماً مبتورة تلبس جورباً خاكياً وبسطالاً ممزّقاً، انقلبتْ معدتي حتى شعرتُ بالغثيان. الجنود الآخرون كذلك رأوا كلاباً وجرذاناً تأكل الأذرع والسيقان والرؤوس المبتورة!. ملأتُ الأكياس العشرة بالعظام وسحلتها خارجاً.
هدوء مؤقت يخيّم على القرية والموضع والشاحنة، لا شيء غير دخان السيجارة الذي ينفثه السائق في الهواء، سلّمت عليه فأكرمني بنفَس دخان، نفثتُ معه كلّ همومي ومتاعبي، سألته بشفقة وحزن:
ماذا سنفعل بأكياس العظام هذه؟
سنشحنها بالقطار إلى مطحنة العظام في معمل الأسمدة في عكّاشات، ستُخلط مع السماد وتوزّع على الفلّاحين.
سماد! عظام الجنود الأبطال ستصير سماداً للحقول، يا له من تكريم مثير للدهشة.
جمعنا قرابة الخمسة أطنان من عظام الجنود الأبطال وبقي الكثير منها في الموضع. رزمنا الأكياس جيداً وصففناها في حوض الشاحنة ثمّ ركبنا فوقها. فكّرتُ أنّ هذه العظام كانت في يومٍ ما جنوداً مثلنا، مغرورين أو مخدوعين لا فرق، وربّما هم بدورهم استلقوا أو داسوا بأحذيتهم على رفات جنود آخرين.
على مسافة ميل شرقاً، كانت الحرب التي لا تشبع تلتهم جنوداً ساخنين. ضجة مجنونة وغيمة عملاقة من الدخان والغبار يتخلّلها بريق البنادق والقذائف، اكتفينا بالمشاهدة فقط ونحن محتجزون في حوض الشاحنة التي ابتعدت ببطء.

فجأةً!
ارتجّت الأرض وطارت الشاحنة في الهواء وكأنّ مارداً عملاقاً طوّحها بعيداً، ثمّ سقطت على الأرض بقوة، ارتطم رأسي بسياج الشاحنة الجانبي وانغرزت العظام في مؤخرتي، تداخلتْ عظام صدري مع بعضها فلم أستطع التنفّس، كنت أشهق بصعوبة، الغبار والدخان يملآن فمي، والدم الساخن اللزج يغطّي عينيّ، تمنّيتُ أن أموت بسرعة ولا يدوم هذا الاختناق المريع! مسحتُ عينيّ بحركات مهووسة مثل المجنون، الطنين في أذنيّ كاد أن يفقدني صوابي، حاولتُ النهوض لأستنشق بعض الهواء فلم أستطع، نظرتُ إلى ساقيّ فرأيتهما مبتورتين تتدلّيان وسط جوربين خاكيّين وحذاءين ممزّقين يغطّيهما الغبار والرماد والدم اللزج.