نبذة عن الشاعر
أوس حسن شاعر وكاتب مسرحي وباحث عراقي، ولد عام 1984. تتجاور في تجربته الكتابة الشعرية مع الفلسفة وعلم النفس والمسرح، وصدرت له أعمال في الشعر والسرد والفكر، من بينها مجموعة “الأخطاء” الصادرة في بيروت سنة 2023. يقيم اليوم في مدينة السليمانية شمال العراق.
*
منذ القصيدة الأولى، يتحرك كل شيء ويدور ويتكرر: الحجر، العشبة، الزمن، الفكرة، المصائر، وحتى الظلام الممتد بعد النهاية. الخطأ لا يمر هنا بوصفه حادثة عابرة، وإنما بوصفه الإيقاع الخفي الذي تنتظم حوله الأشياء. في “خطأ في البدايات” يخرج الإنسان من صورته المألوفة ليتحول إلى “خطيئة الأسلاف”؛ رغبة تمشي على الأرض، تصنع أعداءها وآلهتها، وتترك وراءها دخاناً ومدناً بحجم الألم وضحايا ومجانين وموتى يحرسون السماء.
منذ تلك اللحظة الأولى يتبدل معنى الخطأ. صار الخطأ جزءاً من بنية العالم الأولى، ذلك النقص القديم الذي يرافق الأشياء منذ بدايتها. وحين يكتب أوس حسن: “لو أن خطأً في البدايات صار عكازاً للحقيقة”، فإنه يدفع الحقيقة نفسها إلى منطقة قلقة، منطقة تحتاج فيها إلى ما تتكئ عليه كي تواصل سيرها. العالم في هذه القصائد لا يستند إلى يقين راسخ، بل إلى توازن هش.
وفي “خطأ العابر في الزمان” يعود الإحساس نفسه بصور أخرى؛ الخريف يوقظ حواس عالم بعيد، والعتمة تشطر المساء، والأصوات القديمة تستيقظ في البيوت المهجورة، فيما يواصل الإنسان عبوره كأنه يكرر المصير ذاته مرة بعد أخرى. الجملة الأخيرة: “كخطأ يكرر نفسه نعبر في الزمان”، تمنح الزمن شكل الدائرة، فلا بداية واضحة ولا نهاية حاسمة، وإنما دوران طويل داخل التجربة البشرية نفسها.
لهذا لا يحمل الخطأ في هذا الديوان نبرة الاعتراف أو الندم. إنه الهواء الذي تتحرك فيه القصائد، والخلفية التي تدور فوقها الكائنات والأفكار والذكريات. ومن هذه البؤرة الأولى تتفرع الرؤى الأخرى كلها، كأن الشاعر يريد أن يقول إن ما يمنح العالم حركته ليس اكتماله، بل ذلك النقص القديم المختبئ في أعماقه.
*
في هذا الديوان لا تبقى الأشياء على حالها طويلاً. الأرض تتحول إلى مكعب زجاجي، والسماء إلى شرشف أحمر، والهواء إلى نار مالحة، واللغة إلى طحلب أبيض ينمو فوق المعنى. كأن الشاعر لا يكتفي بالنظر إلى العالم، بل يعيد صنعه من جديد، يخلع عن الأشياء أسماءها القديمة ويتركها تواجه القارئ بملامح أخرى. هنا لا يعود الحجر حجراً، ولا الشجرة شجرة، ولا الضوء ضوءاً؛ كل شيء يدخل في علاقة جديدة مع ما حوله، كأن الكون كله خرج لتوه من حلم طويل.
هذا التحول لا يخص الأشياء وحدها، بل يخص الحواس أيضاً. العين ترى ما لا تستطيع تسميته، واليد تلمس ما يفلت منها، واللغة تركض خلف المشهد وتحاول أن تدركه قبل أن يتغير من جديد. لذلك تمتلئ القصائد بصور تبدو مألوفة في ظاهرها، ثم تنقلب فجأة إلى جهة أخرى. العالم الذي يكتبه أوس حسن لا يقف ثابتاً أمام قارئه؛ إنه يتحرك باستمرار، يتبدل، ويتخفف من أسمائه، كأن الوجود كله يبحث عن لغة أخرى تحمله.
وسط هذا الانقلاب الهادئ، يشعر القارئ أن الأشياء تعرف عن نفسها أكثر مما يعرفه عنها. كل صورة تفتح باباً لصورة أخرى، وكل كلمة تحمل ظلاً بعيداً لكلمة لم تُكتب بعد. من هنا تنبع غرابة هذا الديوان؛ غرابة لا تأتي من الغموض، وإنما من الطريقة التي ينظر بها الشاعر إلى العالم، كأن الحياة كلها ما تزال في يومها الأول، وما تزال الأسماء تبحث عن أصحابها.
*
في كثير من نصوص هذا الديوان يبدو الجسد وكأنه آخر ما تبقى للإنسان بعد أن فقد بيته وأصدقاءه وأسماءه القديمة. غير أن هذا الجسد نفسه لا يظهر بوصفه ملاذاً آمناً، وإنما بوصفه أرضاً تتنازعها الخسارات. الأذنان تسقطان، والعينان تتدحرجان، والعظام تُسرق، والوجه يخرج من المرآة مثقلاً بآثار ما رآه وما نسيه. الجسد هنا ليس كتلة من اللحم والدم، وإنما سجل طويل للأخطاء والذكريات والهزائم الصغيرة التي تراكمت بصمت عبر السنين.
ومن داخل هذا الخراب الجسدي تنفتح الذاكرة على عالم آخر. كتاب ضائع بين الرفوف، وأصوات قديمة تعود من أماكن بعيدة، وموتى يتحركون في الممرات كما لو أنهم لم يغادروا العالم قط. لا يحضر الماضي في هذه القصائد بوصفه زمناً انقضى؛ يحضر كقوة خفية تواصل عملها في الداخل، تغير ملامح الإنسان وتعيد ترتيب حياته من دون أن يشعر. وحين يقترب الشاعر من طفولته أو من البيوت التي تركها وراءه، لا يفعل ذلك بدافع الحنين وحده، وإنما بدافع البحث عن شيء ضاع في الطريق ولم يعثر عليه حتى الآن.
لهذا السبب تبدو الوحدة في الديوان أكثر تعقيداً من مجرد غياب الآخرين. الإنسان هنا وحيد حتى وسط الازدحام؛ يحمل في داخله مدناً كاملة من الأصوات والصور والوجوه التي لم تعد موجودة إلا في الذاكرة. وكلما حاول أن يبتعد عنها وجدها تقترب أكثر، كأن الماضي لا يسكن خلفه، بل يسكن فيه. هكذا يتحول الجسد إلى بيت قديم تسكنه الأشباح، وتتحول الذاكرة إلى مرآة يرى فيها الإنسان ما فقده وما بقي منه في آن واحد.
*
الحرب في هذا الديوان لا تدخل على ظهر دبابة، ولا تصل محمولة على الخطب والشعارات. إنها تدخل بهدوء، من خلال زجاجة منسية فوق طاولة، أو من خلال أب يجلس وحيداً في حانة وينظر إلى البحر كأنه ينتظر شخصاً لن يعود. الخراب لا يُرى من أعلى، بل يُرى من مستوى اليد البشرية؛ من مستوى الجوع والخوف والانتظار الطويل. هناك دائماً شخص ينقص الصورة، وكرسي فارغ، وصوت انقطع في منتصف الجملة، ومدينة فقدت قدرتها على التعرف إلى أبنائها.
لا يكتب أوس حسن عن الحرب بوصفها حدثاً سياسياً، وإنما بوصفها قوة تغيّر شكل الحياة اليومية. الأم التي تبحث عن الخبز، الطفل الذي ينام على خوفه، الرجل الذي يحمل سنواته مثل حقيبة ثقيلة، جميعهم يظهرون في القصائد كأنهم شخوص عبروا الكارثة وبقي الغبار عالقاً في وجوههم. حتى اللغة نفسها تبدو متعبة، كأن الكلمات خرجت من تحت الأنقاض وتحاول أن تستعيد أنفاسها بصعوبة.
وفي أكثر من موضع يشعر القارئ أن الخراب لم يعد شيئاً خارج الإنسان، بل صار جزءاً من حياته الداخلية. المدن المحطمة تستقر في القلب، والأماكن البعيدة تتحول إلى جروح صغيرة ترافق صاحبها أينما ذهب. لا أحد ينجو تماماً؛ الذين ماتوا غابوا، والذين بقوا يحملون آثار الغياب في أجسادهم وذاكرتهم. لهذا تبدو القصائد وكأنها تحاول أن تنقذ ما يمكن إنقاذه: صورة قديمة، رائحة بيت، ضحكة انطفأت، أو حكاية نجت بالصدفة من العاصفة.
ومع ذلك لا يغرق الديوان في اليأس الكامل. ففي وسط الركام يبقى هناك شيء صغير يقاوم الفناء؛ عشبة تنبت قرب نافذة، أو طائر يمر فوق مدينة مهدمة، أو إنسان يواصل السير رغم معرفته بأن الطريق طويل. كأن الشاعر يريد أن يقول إن الحياة لا تنتصر على الموت مرة واحدة، وإنما تنتصر عليه كل يوم، بالتفاصيل الصغيرة التي ترفض الاختفاء.
*
حين تضيق الأرض بما عليها، تفتح القصائد باباً آخر. تظهر القرى الجبلية والذئاب والأشجار والطيور والأعشاب، لا بوصفها زينة لغوية، وإنما بوصفها عالماً موازياً يستطيع الإنسان أن يعيش فيه حين يفشل الواقع في احتضانه. المخيلة هنا ليست هروباً من الحياة، بل هي محاولة لإعادة بنائها بطريقة أخرى. القرية الجبلية لا تبدو مكاناً محدداً على الخريطة، وإنما تبدو حالة روحية؛ مكاناً يلتقي فيه الخوف بالطمأنينة، والوحشة بالألفة، والطفولة بما تبقى منها في قلب الإنسان.
في هذه المنطقة من الديوان تتسع الحدود بين الواقع والحلم. الأشجار تتذكر، والطيور تراقب البشر من أعاليها، والظلال تكتسب حياة خاصة بها. كل شيء قابل لأن يتحول إلى صورة شعرية جديدة. حتى الذئب، الذي يظهر في أكثر من موضع، لا يؤدي دور الحيوان المفترس وحده؛ إنه صورة للوحدة، وللغريزة القديمة التي ما زالت تعيش في أعماق الإنسان، وصورة للكائن الذي يسير طويلاً في العتمة من غير أن يفقد إحساسه بالطريق.
ومن خلال هذه المخيلة الواسعة يحاول الشاعر أن يعيد ترتيب العالم الذي تصدع في المقاطع السابقة. بعد الخطأ والحرب والذاكرة والخسارات، تأتي القصيدة لتمنح الأشياء فرصة ثانية للحياة. القصائد هنا مساحة نجاة مؤقتة؛ غرفة صغيرة يستطيع الإنسان أن يجلس فيها مع أشباحه، وأن يصغي إلى الأصوات التي بقيت عالقة في ذاكرته، وأن يواصل الحديث مع العالم، حتى لو كان هذا العالم يبتعد أكثر فأكثر، وأن يتأمل ما بقي من أيامه.
*
بعد الصفحات الأخيرة لا يخرج القارئ من “كتاب الأخطاء” وفي يده جواب واضح عن معنى الخطأ أو عن الطريقة التي ينبغي أن يُفهم بها العالم. الذي يبقى في الذاكرة ليس فكرة واحدة، وإنما شعور طويل بأن الإنسان يعيش داخل حركة لا تهدأ؛ حركة تدفع الأشياء إلى التحول المستمر، وتدفع اللغة إلى البحث عن أسماء جديدة، وتدفع الذاكرة إلى العودة مرة بعد مرة إلى الأماكن نفسها.
في هذا الديوان لا يسير الإنسان فوق أرض مستقرة. إنه يعبر عالماً تتبدل ملامحه باستمرار؛ عالماً تتجاور فيه الحروب مع الأحلام، والموت مع العشب، والخراب مع الرغبة العنيدة في البقاء. لذلك لا تبدو القصائد وكأنها تبحث عن يقين نهائي؛ تبدو محاولة دائمة لفهم هذا الاضطراب الإنساني الكبير، أو لمجاورته على الأقل.
ومن قصيدة إلى أخرى يشعر القارئ أن الخطأ الذي بدأ في البدايات لم يتوقف عن إنتاج صوره الجديدة: مرة في الجسد، ومرة في الذاكرة، ومرة في المدن المحطمة، ومرة في اللغة نفسها. ومع ذلك، فإن هذا الخلل القديم لا يقود إلى العدم الكامل، بل يفتح باباً واسعاً للتخييل، كأن الشاعر يعثر داخل الشقوق على إمكانية أخرى للحياة.
حين يُغلق القارئ الكتاب، تبقى في داخله صور كثيرة: ذئب يعبر العتمة، وعشبة قرب نافذة، وقرية جبلية بعيدة، وأصوات تأتي من زمن مجهول. وتبقى معها فكرة خفية تقول إن الإنسان، مهما أخطأ ومهما ضل الطريق، يواصل السير، لأن الحركة نفسها ربما تكون الحقيقة الوحيدة التي يعرفها.
*
آب – أغسطس 2026
شاهر خضرة
شاعر وكاتب سوري – ألمانيا
حين يختلّ العالم قليلاً قراءة في مجموعة “كتاب الأخطاء” للشاعر العراقي أوس حسن
نبذة عن الشاعر
أوس حسن شاعر وكاتب مسرحي وباحث عراقي، ولد عام 1984. تتجاور في تجربته الكتابة الشعرية مع الفلسفة وعلم النفس والمسرح، وصدرت له أعمال في الشعر والسرد والفكر، من بينها مجموعة “الأخطاء” الصادرة في بيروت سنة 2023. يقيم اليوم في مدينة السليمانية شمال العراق.
*
منذ القصيدة الأولى، يتحرك كل شيء ويدور ويتكرر: الحجر، العشبة، الزمن، الفكرة، المصائر، وحتى الظلام الممتد بعد النهاية. الخطأ لا يمر هنا بوصفه حادثة عابرة، وإنما بوصفه الإيقاع الخفي الذي تنتظم حوله الأشياء. في “خطأ في البدايات” يخرج الإنسان من صورته المألوفة ليتحول إلى “خطيئة الأسلاف”؛ رغبة تمشي على الأرض، تصنع أعداءها وآلهتها، وتترك وراءها دخاناً ومدناً بحجم الألم وضحايا ومجانين وموتى يحرسون السماء.
منذ تلك اللحظة الأولى يتبدل معنى الخطأ. صار الخطأ جزءاً من بنية العالم الأولى، ذلك النقص القديم الذي يرافق الأشياء منذ بدايتها. وحين يكتب أوس حسن: “لو أن خطأً في البدايات صار عكازاً للحقيقة”، فإنه يدفع الحقيقة نفسها إلى منطقة قلقة، منطقة تحتاج فيها إلى ما تتكئ عليه كي تواصل سيرها. العالم في هذه القصائد لا يستند إلى يقين راسخ، بل إلى توازن هش.
وفي “خطأ العابر في الزمان” يعود الإحساس نفسه بصور أخرى؛ الخريف يوقظ حواس عالم بعيد، والعتمة تشطر المساء، والأصوات القديمة تستيقظ في البيوت المهجورة، فيما يواصل الإنسان عبوره كأنه يكرر المصير ذاته مرة بعد أخرى. الجملة الأخيرة: “كخطأ يكرر نفسه نعبر في الزمان”، تمنح الزمن شكل الدائرة، فلا بداية واضحة ولا نهاية حاسمة، وإنما دوران طويل داخل التجربة البشرية نفسها.
لهذا لا يحمل الخطأ في هذا الديوان نبرة الاعتراف أو الندم. إنه الهواء الذي تتحرك فيه القصائد، والخلفية التي تدور فوقها الكائنات والأفكار والذكريات. ومن هذه البؤرة الأولى تتفرع الرؤى الأخرى كلها، كأن الشاعر يريد أن يقول إن ما يمنح العالم حركته ليس اكتماله، بل ذلك النقص القديم المختبئ في أعماقه.
*
في هذا الديوان لا تبقى الأشياء على حالها طويلاً. الأرض تتحول إلى مكعب زجاجي، والسماء إلى شرشف أحمر، والهواء إلى نار مالحة، واللغة إلى طحلب أبيض ينمو فوق المعنى. كأن الشاعر لا يكتفي بالنظر إلى العالم، بل يعيد صنعه من جديد، يخلع عن الأشياء أسماءها القديمة ويتركها تواجه القارئ بملامح أخرى. هنا لا يعود الحجر حجراً، ولا الشجرة شجرة، ولا الضوء ضوءاً؛ كل شيء يدخل في علاقة جديدة مع ما حوله، كأن الكون كله خرج لتوه من حلم طويل.
هذا التحول لا يخص الأشياء وحدها، بل يخص الحواس أيضاً. العين ترى ما لا تستطيع تسميته، واليد تلمس ما يفلت منها، واللغة تركض خلف المشهد وتحاول أن تدركه قبل أن يتغير من جديد. لذلك تمتلئ القصائد بصور تبدو مألوفة في ظاهرها، ثم تنقلب فجأة إلى جهة أخرى. العالم الذي يكتبه أوس حسن لا يقف ثابتاً أمام قارئه؛ إنه يتحرك باستمرار، يتبدل، ويتخفف من أسمائه، كأن الوجود كله يبحث عن لغة أخرى تحمله.
وسط هذا الانقلاب الهادئ، يشعر القارئ أن الأشياء تعرف عن نفسها أكثر مما يعرفه عنها. كل صورة تفتح باباً لصورة أخرى، وكل كلمة تحمل ظلاً بعيداً لكلمة لم تُكتب بعد. من هنا تنبع غرابة هذا الديوان؛ غرابة لا تأتي من الغموض، وإنما من الطريقة التي ينظر بها الشاعر إلى العالم، كأن الحياة كلها ما تزال في يومها الأول، وما تزال الأسماء تبحث عن أصحابها.
*
في كثير من نصوص هذا الديوان يبدو الجسد وكأنه آخر ما تبقى للإنسان بعد أن فقد بيته وأصدقاءه وأسماءه القديمة. غير أن هذا الجسد نفسه لا يظهر بوصفه ملاذاً آمناً، وإنما بوصفه أرضاً تتنازعها الخسارات. الأذنان تسقطان، والعينان تتدحرجان، والعظام تُسرق، والوجه يخرج من المرآة مثقلاً بآثار ما رآه وما نسيه. الجسد هنا ليس كتلة من اللحم والدم، وإنما سجل طويل للأخطاء والذكريات والهزائم الصغيرة التي تراكمت بصمت عبر السنين.
ومن داخل هذا الخراب الجسدي تنفتح الذاكرة على عالم آخر. كتاب ضائع بين الرفوف، وأصوات قديمة تعود من أماكن بعيدة، وموتى يتحركون في الممرات كما لو أنهم لم يغادروا العالم قط. لا يحضر الماضي في هذه القصائد بوصفه زمناً انقضى؛ يحضر كقوة خفية تواصل عملها في الداخل، تغير ملامح الإنسان وتعيد ترتيب حياته من دون أن يشعر. وحين يقترب الشاعر من طفولته أو من البيوت التي تركها وراءه، لا يفعل ذلك بدافع الحنين وحده، وإنما بدافع البحث عن شيء ضاع في الطريق ولم يعثر عليه حتى الآن.
لهذا السبب تبدو الوحدة في الديوان أكثر تعقيداً من مجرد غياب الآخرين. الإنسان هنا وحيد حتى وسط الازدحام؛ يحمل في داخله مدناً كاملة من الأصوات والصور والوجوه التي لم تعد موجودة إلا في الذاكرة. وكلما حاول أن يبتعد عنها وجدها تقترب أكثر، كأن الماضي لا يسكن خلفه، بل يسكن فيه. هكذا يتحول الجسد إلى بيت قديم تسكنه الأشباح، وتتحول الذاكرة إلى مرآة يرى فيها الإنسان ما فقده وما بقي منه في آن واحد.
*
الحرب في هذا الديوان لا تدخل على ظهر دبابة، ولا تصل محمولة على الخطب والشعارات. إنها تدخل بهدوء، من خلال زجاجة منسية فوق طاولة، أو من خلال أب يجلس وحيداً في حانة وينظر إلى البحر كأنه ينتظر شخصاً لن يعود. الخراب لا يُرى من أعلى، بل يُرى من مستوى اليد البشرية؛ من مستوى الجوع والخوف والانتظار الطويل. هناك دائماً شخص ينقص الصورة، وكرسي فارغ، وصوت انقطع في منتصف الجملة، ومدينة فقدت قدرتها على التعرف إلى أبنائها.
لا يكتب أوس حسن عن الحرب بوصفها حدثاً سياسياً، وإنما بوصفها قوة تغيّر شكل الحياة اليومية. الأم التي تبحث عن الخبز، الطفل الذي ينام على خوفه، الرجل الذي يحمل سنواته مثل حقيبة ثقيلة، جميعهم يظهرون في القصائد كأنهم شخوص عبروا الكارثة وبقي الغبار عالقاً في وجوههم. حتى اللغة نفسها تبدو متعبة، كأن الكلمات خرجت من تحت الأنقاض وتحاول أن تستعيد أنفاسها بصعوبة.
وفي أكثر من موضع يشعر القارئ أن الخراب لم يعد شيئاً خارج الإنسان، بل صار جزءاً من حياته الداخلية. المدن المحطمة تستقر في القلب، والأماكن البعيدة تتحول إلى جروح صغيرة ترافق صاحبها أينما ذهب. لا أحد ينجو تماماً؛ الذين ماتوا غابوا، والذين بقوا يحملون آثار الغياب في أجسادهم وذاكرتهم. لهذا تبدو القصائد وكأنها تحاول أن تنقذ ما يمكن إنقاذه: صورة قديمة، رائحة بيت، ضحكة انطفأت، أو حكاية نجت بالصدفة من العاصفة.
ومع ذلك لا يغرق الديوان في اليأس الكامل. ففي وسط الركام يبقى هناك شيء صغير يقاوم الفناء؛ عشبة تنبت قرب نافذة، أو طائر يمر فوق مدينة مهدمة، أو إنسان يواصل السير رغم معرفته بأن الطريق طويل. كأن الشاعر يريد أن يقول إن الحياة لا تنتصر على الموت مرة واحدة، وإنما تنتصر عليه كل يوم، بالتفاصيل الصغيرة التي ترفض الاختفاء.
*
حين تضيق الأرض بما عليها، تفتح القصائد باباً آخر. تظهر القرى الجبلية والذئاب والأشجار والطيور والأعشاب، لا بوصفها زينة لغوية، وإنما بوصفها عالماً موازياً يستطيع الإنسان أن يعيش فيه حين يفشل الواقع في احتضانه. المخيلة هنا ليست هروباً من الحياة، بل هي محاولة لإعادة بنائها بطريقة أخرى. القرية الجبلية لا تبدو مكاناً محدداً على الخريطة، وإنما تبدو حالة روحية؛ مكاناً يلتقي فيه الخوف بالطمأنينة، والوحشة بالألفة، والطفولة بما تبقى منها في قلب الإنسان.
في هذه المنطقة من الديوان تتسع الحدود بين الواقع والحلم. الأشجار تتذكر، والطيور تراقب البشر من أعاليها، والظلال تكتسب حياة خاصة بها. كل شيء قابل لأن يتحول إلى صورة شعرية جديدة. حتى الذئب، الذي يظهر في أكثر من موضع، لا يؤدي دور الحيوان المفترس وحده؛ إنه صورة للوحدة، وللغريزة القديمة التي ما زالت تعيش في أعماق الإنسان، وصورة للكائن الذي يسير طويلاً في العتمة من غير أن يفقد إحساسه بالطريق.
ومن خلال هذه المخيلة الواسعة يحاول الشاعر أن يعيد ترتيب العالم الذي تصدع في المقاطع السابقة. بعد الخطأ والحرب والذاكرة والخسارات، تأتي القصيدة لتمنح الأشياء فرصة ثانية للحياة. القصائد هنا مساحة نجاة مؤقتة؛ غرفة صغيرة يستطيع الإنسان أن يجلس فيها مع أشباحه، وأن يصغي إلى الأصوات التي بقيت عالقة في ذاكرته، وأن يواصل الحديث مع العالم، حتى لو كان هذا العالم يبتعد أكثر فأكثر، وأن يتأمل ما بقي من أيامه.
*
بعد الصفحات الأخيرة لا يخرج القارئ من “كتاب الأخطاء” وفي يده جواب واضح عن معنى الخطأ أو عن الطريقة التي ينبغي أن يُفهم بها العالم. الذي يبقى في الذاكرة ليس فكرة واحدة، وإنما شعور طويل بأن الإنسان يعيش داخل حركة لا تهدأ؛ حركة تدفع الأشياء إلى التحول المستمر، وتدفع اللغة إلى البحث عن أسماء جديدة، وتدفع الذاكرة إلى العودة مرة بعد مرة إلى الأماكن نفسها.
في هذا الديوان لا يسير الإنسان فوق أرض مستقرة. إنه يعبر عالماً تتبدل ملامحه باستمرار؛ عالماً تتجاور فيه الحروب مع الأحلام، والموت مع العشب، والخراب مع الرغبة العنيدة في البقاء. لذلك لا تبدو القصائد وكأنها تبحث عن يقين نهائي؛ تبدو محاولة دائمة لفهم هذا الاضطراب الإنساني الكبير، أو لمجاورته على الأقل.
ومن قصيدة إلى أخرى يشعر القارئ أن الخطأ الذي بدأ في البدايات لم يتوقف عن إنتاج صوره الجديدة: مرة في الجسد، ومرة في الذاكرة، ومرة في المدن المحطمة، ومرة في اللغة نفسها. ومع ذلك، فإن هذا الخلل القديم لا يقود إلى العدم الكامل، بل يفتح باباً واسعاً للتخييل، كأن الشاعر يعثر داخل الشقوق على إمكانية أخرى للحياة.
حين يُغلق القارئ الكتاب، تبقى في داخله صور كثيرة: ذئب يعبر العتمة، وعشبة قرب نافذة، وقرية جبلية بعيدة، وأصوات تأتي من زمن مجهول. وتبقى معها فكرة خفية تقول إن الإنسان، مهما أخطأ ومهما ضل الطريق، يواصل السير، لأن الحركة نفسها ربما تكون الحقيقة الوحيدة التي يعرفها.
*
آب – أغسطس 2026
شاهر خضرة
شاعر وكاتب سوري – ألمانيا
التعليقات