شهادة بقاء، لا مجرد أثر كتابة.. – قراءة في مختارات “احتيال على الفصول” للشاعر العراقي حسين الهاشمي-

صورة الكاتب
بقلم: شاهر خضرة
التاريخ: 19 سبتمبر 2026 عدد المشاهدات: 3221
شهادة بقاء، لا مجرد أثر كتابة.. – قراءة في مختارات “احتيال على الفصول” للشاعر العراقي حسين الهاشمي-

ثمة كتب نقرأها بوصفها لحظة مكتملة، تبدأ من سطرها الأول وتمضي حتى نهايتها في نسق واحد، وثمة كتب نقرأها بوصفها سيرة موزعة على سنوات طويلة، تتجاور فيها الأزمنة كما تتجاور الندوب على جسد واحد.

وتحمل هذه المختارات عنوان “احتيال على الفصول”، وهو في الأصل عنوان أحد دواوين حسين الهاشمي الأخيرة، وقد اختير هنا ليظلّل التجربة كلها، كأن عنوان المرحلة الأخيرة انسحب بأثره على ما سبقها من طبقات الكتابة ؛ فالكتاب ليس مجموعة وُلدت في مناخ واحد، ولا نصاً خرج دفعة واحدة من رحم تجربة واحدة، بل مختارات تمتد من عام 1990 حتى 2020؛ ثلاثون عاماً من الكتابة يعيد الشاعر ترتيبها بعين تعرف ما الذي نجا من الزمن، وما الذي استحق البقاء.

هنا لا نقرأ القصيدة في لحظة ولادتها، بل بعد أن عبرت امتحان الزمن وعادت إلى صاحبها ليختارها من جديد. وهذه العودة ليست حركة عابرة، بل مراجعة عميقة للذات وهي تتأمل أثرها في المرآة، تتفقد خرائبها القديمة، وتعيد النظر فيما بقي صالحاً من اللغة بعد كل هذا العبور.

فالشاعر حين يعود إلى نصوصه بعد هذا الامتداد الطويل لا يعود إليها بعين الكاتب الأولى، بل بعينٍ جرّبت وخسرت وعرفت ما لم تكن تعرفه ساعة الكتابة. هناك مسافة صنعتها الأيام، ومسّتها الخسارات، حتى صار النص القديم نصاً آخر في مرآة الزمن، كأن القصيدة نفسها تقدمت في العمر مع صاحبها، واكتسبت من رحلته هدوءاً أكثر ومرارة أصفى.

وفي هذا يكمن سرّ المختارات؛ فهي ليست جمعاً لما كُتب، بل فرزاً لما استطاع أن يبقى حياً بعد كل هذا الزمن، وما صمد أمام محكمة السنوات، تلك المحكمة التي لا تُبقي إلا ما نبت عميقاً في الروح.

من هذه الزاوية يغدو الكتاب مساحة زمنية مفتوحة، وكل قصيدة تقيم في طبقة من عمر مختلف، تحمل طقسها الخاص، ورائحتها، وظلالها، وأصواتها التي لم تنطفئ. وما يفعله حسين الهاشمي هنا أنه يضع أمامنا هذا الامتداد الطويل، لنرى كيف ظل الشعر عنده أداة مقاومة ضد التآكل، وضد الخسارات التي تتخفى في هيئة أيام عادية.

في هذه المختارات لا يظهر الشاعر كمن يسرد حياته، بل كمن يلتقط شظاياها ويتركها تتكلم وحدها. الحرب تمر بين السطور، الغياب يقيم في العبارات، الزمن يترك بصمته على الجسد والروح، واللغة تواصل عملها في ترميم ما تصدّع، أو في تسمية ما تعذر ترميمه.

لهذا تبدو قراءة هذا الكتاب أشبه بالدخول إلى ذاكرة متعددة الجهات، وكلما توغلنا فيها اكتشفنا أن الاحتيال الذي يقترحه العنوان ليس لعبة لغوية، بل حيلة وجودية مارسها الشاعر طويلاً لينجو من قسوة الفصول، ومن تقلّبات العالم، ومن انكساراته الخاصة.

وهكذا يغدو العنوان، على الرغم من انتمائه إلى ديوان بعينه، مفتاحاً واسعاً لقراءة المختارات كلها، لأنه يختصر العلاقة الطويلة بين الشاعر والزمن.فمنذ الوهلة الأولى يضعنا حسين الهاشمي أمام فعل مراوغ، فيه شيء من النجاة وشيء من المكابدة: كيف يحتال المرء على الفصول؟ وكيف يخفف من وطأة الزمن إذا كان الزمن نفسه هو الذي يصوغ ملامحه؟..

العنوان ليس زينة خارجية، بل مفتاح عميق لفهم التجربة؛ لأن الاحتيال لا يخص الطبيعة وحدها، بل ما تفعله الفصول في الإنسان: ما تتركه من خسارات، ومن غياب، وما تحفره من أخاديد في الروح.

منذ الصفحات الأولى يضعنا الشاعر أمام وجع قديم، حين يقول:

( ربما يكفي
لإطفاءِ الحروب
أن أجنّدَ القمرَ الحائرَ
في غفلةٍ منها

وأُلقيهِ
في بُركةٍ راكدة ..)

في هذا المقطع تتضح طبيعة التجربة؛ الحرب ليست خبراً خارجياً، بل حالة تسكن الداخل، والقمر، بما يحمله من براءة، يتحول إلى مجنَّد صغير في معركة لا تنتهي. هنا تتحول الرقة إلى قوة رمزية، ويصير الأمل، مهما بدا أعزل، جزءاً من مقاومة مستمرة، كأن النجاة نفسها تحتاج إلى شيء من الوهم الجميل.

وفي موضع آخر يقول:

(لستُ من هواةِ أوراقِ اليانصيب
ينثرها صبيٌّ نزقٌ
رفقةَ جوقٍ للإنشاد..)

هنا نلمح رفضاً واضحاً للمصادفة. الشاعر لا يسلّم نفسه للحظ، ولا يراهن على عابر. هناك صلابة خفية في نبرته، كأن القصيدة نفسها موقف من الفوضى، ومحاولة لحماية ما تبقى من توازن داخلي.

وحين نعلم أن هذه النصوص مختارة من دواوين متباعدة، فإننا لا نقرأها بوصفها قصائد متجاورة، بل كأثر ممتد لروح واحدة عبر طبقات العمر. كل نص يحمل زمنه الخاص، غير أن ما يجمعها ذلك التوتر الخفي بين النجاة والانكسار، كأن الشاعر، وهو يعود إلى هذه النصوص، كان يفتش عمّا بقي حياً في رماده.

وهكذا يغدو هذا العنوان، المستعار من إحدى محطات التجربة المتأخرة، فعلاً مضاعفاً: احتيالاً على الفصول، واحتيالاً على الزمن أيضاً. ولعل استعادته هنا، ليظلّل مختارات تمتد على ثلاثة عقود، تكشف كيف أن ما كان يخصّ مرحلة بعينها صار صالحاً لقراءة الرحلة كلها. فالكتابة نفسها بدت، عبر هذه السنوات، صورة من هذا الاحتيال؛ محاولة لتأخير الانطفاء، وإبقاء شيء من المعنى حياً وسط ما يتساقط. كأن حسين الهاشمي لم يكن يدوّن أيامه فقط، بل كان يخبئ نفسه بين الكلمات، حتى لا يأخذه الزمن كاملاً.

في هذه المختارات تبدو لغة حسين الهاشمي مشغولة بكشف العالم عبر قابليته للكسر. ليست لغة عالية النبرة، ولا مثقلة بالزينة، بل تمضي بخفة تخفي تحتها طبقات كثيفة من الألم. الصورة عنده لا تأتي مكتملة؛ تترك فراغاً واسعاً يشارك القارئ في ملئه، وهذا واحد من أسرار شعره: أن المعنى لا يُعطى جاهزاً، بل يُستدرج على مهل. كأن الشاعر، بعد هذا العمر الطويل من الكتابة، صار يعرف أن الحقيقة حين تُقال دفعة واحدة تفقد بعض وهجها، أما حين تتسلل ببطء فإنها تستقر أعمق في الروح.

وحين يبلغ الشاعر هذا المقام من النضج، لا يعود معنياً بالصوت العالي ولا بالدهشة المصنوعة، بل بذلك الوميض الخافت الذي يعرف كيف يضيء الخراب من الداخل. وهذا ما نلمحه في مختارات الهاشمي؛ لغة رجل خبر الحياة أكثر مما ينبغي، وصار يرى الأشياء من نهاياتها لا من بداياتها:

(لا تقلْ كلَّ شيءٍ
في نافذةِ القصيدة
دعها تفتحُ الشرفة
نيابةً عنك .. )

كأنَّ الشاعر يضع وصيته الشعرية هنا. القصيدة ليست مكاناً للإفراط في القول، بل فسحة يعمل فيها البياض، وتتحرك فيها الريح، ويبقى جزء من المعنى معلقاً خارج القبض عليه. لهذا تبدو كتابته قادرة على الإيحاء أكثر من التصريح، وعلى إبقاء حرارة الغياب داخل اللغة. وما لا يُقال في نصوصه يبدو أوسع أحياناً مما يُقال، وهذه سمة لا يبلغها إلا شاعر تصالح مع نقص العبارة، وعرف أن الصمت جزء من المعنى.

وفي مقطع آخر :

( في المقهى
لم نلتقِ
ولم نلتقطْ صورتنا بعدُ.. )

المشهد هنا صغير في ظاهره، لكنه يفتح فراغاً واسعاً. لقاء مؤجل، صورة ناقصة، ومقهى معلق بين الانتظار والغياب. حسين الهاشمي يلتقط التفاصيل اليومية كما لو أنها شظايا حياة كاملة، يمنحها بعداً يتجاوز حجمها، حتى تصبح الأشياء البسيطة مثقلة بعبء وجودي عميق. وهذه من خبرة الشعراء الكبار: أن يروا الكارثة في التفاصيل الصغيرة، وأن يمنحوا اللحظة العابرة ما تستحقه من خلود.

وفي موضع آخر يبدّل العالم مواضعه :

(الحربُ في إجازةٍ
تقيمُ في البيوتِ الآن
بينما السلامُ
يلتحقُ الجبهات..)

هنا تبلغ الصورة ذروتها. كل شيء فقد مكانه الطبيعي؛ الحرب صارت مقيمة في الداخل، والسلام خرج يفتش عن موطئ له. هذا الانقلاب يكشف طريقة الشاعر في رؤية زمنه: زمن مضطرب فقد توازنه، وصارت الأشياء فيه تمشي ضد طبيعتها.

في نصوص كثيرة لا تظهر الحرب بوصفها حدثاً عابراً، بل كجوهر خفي يسكن التجربة كلها. أحياناً نراها بصورتها المباشرة، وأحياناً تتخفى في هيئة غياب أو خراب يومي يلتهم التفاصيل الصغيرة. لذلك لا يكتب حسين الهاشمي الحرب ذاتها، بل ما تتركه في الجسد والذاكرة. فهو يعرف، بعد كل هذه العقود، أن الطعنة لا تكمن في الواقعة وحدها، بل في أثرها الطويل:

( يكفي أنّنا نرتجفُ بلا طقسٍ
وبينما الحياةُ
نغمةٌ في الكواليس
يصبحُ الموتُ
منصّةَ إنشادٍ وفضيحة.. !)

هذا الارتجاف لا يأتي من الطقس وحده، بل من كل ما يحمله من احتمالات. كأن الإنسان يعيش دائماً على حافة ارتباك، فيما الحياة تمضي بعيداً، كأنها لحن لا يلتفت إلى ما يحدث ، بينما الموت يستعرض نفسه كفضيحة !

ويتكثف هذا المعنى أكثر حين يصوره هكذا :

( نحنُ المحاربينَ بلا نزاعٍ
يُسقطُنا الندى .. )

هذا من أكثر المقاطع كشفاً لجوهر التجربة؛ المحارب هنا بلا خصم واضح، والنزاع غائب، لكن السقوط حاضر، ويحدث من أضعف الأشياء: الندى، وهذه من أقسى صور الهشاشة؛ أن يهزمك ما يبدو طرياً وعابراً، وكأن الشاعر يقول إن الإنسان لا تكسره العواصف الكبرى دائماً، بل ما يتسرب إليه بصمت.

هكذا تتجمع في هذه المختارات خرائط الفقد والخيبة، والإنسان وهو يكتشف قابليته للكسر أمام العالم، وكل ذلك يمر من غير صراخ. حسين الهاشمي يكتب خراباً هادئاً، وهذا ما يجعل أثره أعمق، لأنه لا يستعطف، بل يترك الجرح مفتوحاً ليتكلم وحده.

وفي مواضع أخرى تخفُّ حركة العالم، ويعلو صوت النفس أكثر وضوحاً. لا يعود الخراب مشهداً خارجياً فقط، بل يتحول إلى مادة داخلية، إلى تأمل طويل في معنى البقاء، وفي معنى أن يحمل الإنسان نفسه كل هذا الطريق:

( احتفاءً بما تبقّى..
كوني وديعةً
وسالكة
يا سنتي الجديدة..
لا تخطفي قدمي الأخرى
فهي ليست لي..!)

في هذا المقطع تتجلى واحدة من أكثر لحظات الهاشمي شفافية. إنه لا يخاطب سنة جديدة بوصفها بداية واعدة، بل ككائن قد يحمل معه خسارة أخرى. الخطاب هنا مشبع بوعي موجع؛ ما تبقّى أقل مما مضى، وما نجا ليس ملكاً كاملاً لصاحبه، كأن العمر نفسه صار شيئاً مستعاراً، يمكن أن يُنتزع في أية لحظة. وهذا من أشد ما يقوله شاعر يكتب من قلب مصابه الشخصي؛ فالإحساس هنا لا يأتي من تأمل مجرد في الزمن، بل من تماس مباشر مع خسارة جسدية ووجودية جعلت ما تبقّى من العمر أكثر هشاشة وأشد وضوحاً.

هذا الوعي بالفقد يعود في أكثر من موضع بصيغ مختلفة، لكنه يحتفظ بجوهر واحد: الزمن لا يمنح شيئاً كاملاً، وما يتركه لنا غالباً يكون ناقصاً أو مهدداً بالغياب.

وفي نص آخر:

( للزمنِ
إرثٌ يتخفّي..
كثيراً ما يواجهُكَ
في الممرّ إلى الفضيلة
في الممرّ إلى الإفلاس
في الممرّ إلى الحفيد
بعيونٍ واسعةٍ للغربة .. )

هنا يتحول الزمن إلى وارث وغائب في آنٍ واحد. الإرث لا يُسلَّم صافياً، بل يتبدد في الطريق، والممرات ليست متساوية؛ بعضها يقود إلى المعنى، وبعضها إلى الخسارة، وبعضها إلى الامتداد الإنساني. كأن الحياة، في وعي الشاعر، شبكة عبور لا تمنح استقراراً حقيقياً، وكلّ ممر يحمل حصته من الفقد، حتى حين يقود إلى الامتداد.

وفي مقطع آخر يطرح سؤاله العاري:

( كيف بوسعي
أنْ أوقفَ إجراءَ الهَدم ..؟)

هذا السؤال وحده يحمل ثقل التجربة كلها. فالهدم هنا ليس حادثة عابرة، ولا ضربة واحدة يمكن تجاوزها، بل فعل مستمر، قانون خفي يشتغل في كل شيء: في الجسد، في الذاكرة، في العلاقات، وفي اللغة نفسها.

ومن خلال هذه النصوص نرى حسين الهاشمي أقل انشغالاً بالوقائع ذاتها، وأكثر انشغالاً بما تتركه في أعماق الإنسان. ما يهمه ليس الحدث، بل أثره؛ ليس السقوط، بل ما يبقى بعده. وربما هنا تبلغ التجربة ذروتها؛ حين لا يعود الشاعر مشغولاً بما جرى، بل بما صنعه الجريان في روحه.

هذا ما يمنح هذه المختارات عمقها الحقيقي؛ أنها لا توثق ما حدث فقط، بل ما بقي من أثره في الداخل، في تلك المنطقة الصامتة التي يقف فيها الإنسان أمام نفسه، ويكتشف أن الفصول لا تمر خارجه وحده، بل تمر فيه أيضاً. هناك، في تلك الطبقة الخفية من الروح، حيث لا يسمع الإنسان إلا صدى عمره، تتجلى القصيدة عند الهاشمي بوصفها شهادة بقاء، لا مجرد أثر كتابة.

ويزداد هذا المعنى اتساعاً حين نتذكر أن هذه المختارات تجمع ثلاثين عاماً من التجربة الشعرية، من 1990 إلى 2020. وهذه السنوات ليست مجرد أرقام، بل طبقات من التحول، والنضج، وتبدل الرؤية، والصراع الطويل مع النفس والعالم. حين تجتمع هذه النصوص تحت غلاف واحد، فإن ما يتجمع فيها ليس الشعر وحده، بل خرائط عمر كامل، من البدايات المتوترة إلى النبرة الأكثر رسوخاً، ومن رعشة البدايات إلى سكينة مَن عرفَ الطريق وأثقاله.

هذا ما يمنح هذه المختارات ثقلها؛ فالتجربة لم تولد في موسم واحد، بل تراكمت طبقة بعد أخرى، حتى غدت أشبه بخلاصة عمر شعري لا يبحث عن الكثرة، بل عن الجوهر، عن النصوص التي استطاعت أن تبقى بعد كل هذا العبور؛ وهذا البقاء ليس أمراً يسيراً؛ فكم من نصوص يبتلعها الزمن، وكم من كلمات تفقد بريقها، غير أن ما يبقى دائماً هو ما كُتب من عمق الحاجة، لا من فائض الرغبة.

وحين نصل إلى الصفحة الأخيرة، لا نشعر أننا أنهينا قراءة مختارات شعرية، بل كأننا خرجنا من تجربة ظلت مأهولة بعقود ثلاثة من العبور، والخذلان، والانتظار، والمكابدة؛ تجربة لم تُبنَ بالحوادث وحدها، بل بما تراكم في روح الشاعر من شروخ وأسئلة وأزمنة.

ما يميز “احتيال على الفصول” أن الشاعر لم يجمع نصوصه ليؤرشفها، بل ليعيد مساءلة نفسه من خلالها. كلّ قصيدة تحمل أثر زمنها، وكل مقطع يشبه ندبة صغيرة في جسد التجربة، غير أن اجتماعها يمنحنا صورة أوضح: شاعر لم يكن يكتب ليهرب من العالم، بل ليحتمله، ويجد في اللغة صيغة أقل قسوة للعيش فيه.

وهكذا يتأكد أن الشعر عند حسين الهاشمي ليس ترفاً لغوياً، ولا تمريناً على المجاز، بل طريقة عيش، وطريقة بقاء. كأن القصيدة كانت وسيلته الوحيدة ليخفف من وطأة الخراب، ويؤجل سقوطه أمام ما لا يُردّ؛ وربما هذه هي المهمة الأعمق للشعر: أن يمنح الإنسان فرصة أخرى لمواجهة ما لا يستطيع تغييره.

ومن هنا يبدو استدعاء هذا العنوان بالذات ، من بين أعماله كلها ، فعلاً دالاً؛ كأن الشاعر اختار من مراحله المتأخرة العبارة الأقدر على تلخيص رحلته كلّها؛ تلك القدرة الغامضة على أن يمرّ الإنسان من النار وفي يده قبضة رماد، يقول للعالم: هذا ما تبقّى مني.

وحين نغادر هذه المختارات لا يبقى الكتاب خلفنا تماماً، بل يظل شيء منه عالقاً فينا؛ كأن القصائد، بعد كل هذا العبور، لا تنتهي عند قارئها، بل تبدأ فيه من جديد، وهذا هو الامتحان الحقيقي لكل شعر حيّ: أن يغادر صاحبه ويستقر في أرواح الآخرين.

ويبقى السؤال معلّقا في الهواء:

هل كان الشاعر يحتال على الفصول فعلاً؟
أم أن الفصول، في النهاية، هي التي كانت تحتال عليه ليكتب كل هذا الشعر؟

………..

* ( احتيال على الفصول- قصائد مختارة 1990 / 2020)  عن دار جسد للنشر والتوزيع
– بغداد 2025

عن الکاتب / الکاتبة

شاهر خضرة
شاهر خضرة
ناقد / سوریا

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شهادة بقاء، لا مجرد أثر كتابة.. – قراءة في مختارات “احتيال على الفصول” للشاعر العراقي حسين الهاشمي-

بقلم: شاهر خضرة | التاريخ: 19 سبتمبر 2026

التصنيف: الشعر والنصوص الادبیة

ثمة كتب نقرأها بوصفها لحظة مكتملة، تبدأ من سطرها الأول وتمضي حتى نهايتها في نسق واحد، وثمة كتب نقرأها بوصفها سيرة موزعة على سنوات طويلة، تتجاور فيها الأزمنة كما تتجاور الندوب على جسد واحد.

وتحمل هذه المختارات عنوان “احتيال على الفصول”، وهو في الأصل عنوان أحد دواوين حسين الهاشمي الأخيرة، وقد اختير هنا ليظلّل التجربة كلها، كأن عنوان المرحلة الأخيرة انسحب بأثره على ما سبقها من طبقات الكتابة ؛ فالكتاب ليس مجموعة وُلدت في مناخ واحد، ولا نصاً خرج دفعة واحدة من رحم تجربة واحدة، بل مختارات تمتد من عام 1990 حتى 2020؛ ثلاثون عاماً من الكتابة يعيد الشاعر ترتيبها بعين تعرف ما الذي نجا من الزمن، وما الذي استحق البقاء.

هنا لا نقرأ القصيدة في لحظة ولادتها، بل بعد أن عبرت امتحان الزمن وعادت إلى صاحبها ليختارها من جديد. وهذه العودة ليست حركة عابرة، بل مراجعة عميقة للذات وهي تتأمل أثرها في المرآة، تتفقد خرائبها القديمة، وتعيد النظر فيما بقي صالحاً من اللغة بعد كل هذا العبور.

فالشاعر حين يعود إلى نصوصه بعد هذا الامتداد الطويل لا يعود إليها بعين الكاتب الأولى، بل بعينٍ جرّبت وخسرت وعرفت ما لم تكن تعرفه ساعة الكتابة. هناك مسافة صنعتها الأيام، ومسّتها الخسارات، حتى صار النص القديم نصاً آخر في مرآة الزمن، كأن القصيدة نفسها تقدمت في العمر مع صاحبها، واكتسبت من رحلته هدوءاً أكثر ومرارة أصفى.

وفي هذا يكمن سرّ المختارات؛ فهي ليست جمعاً لما كُتب، بل فرزاً لما استطاع أن يبقى حياً بعد كل هذا الزمن، وما صمد أمام محكمة السنوات، تلك المحكمة التي لا تُبقي إلا ما نبت عميقاً في الروح.

من هذه الزاوية يغدو الكتاب مساحة زمنية مفتوحة، وكل قصيدة تقيم في طبقة من عمر مختلف، تحمل طقسها الخاص، ورائحتها، وظلالها، وأصواتها التي لم تنطفئ. وما يفعله حسين الهاشمي هنا أنه يضع أمامنا هذا الامتداد الطويل، لنرى كيف ظل الشعر عنده أداة مقاومة ضد التآكل، وضد الخسارات التي تتخفى في هيئة أيام عادية.

في هذه المختارات لا يظهر الشاعر كمن يسرد حياته، بل كمن يلتقط شظاياها ويتركها تتكلم وحدها. الحرب تمر بين السطور، الغياب يقيم في العبارات، الزمن يترك بصمته على الجسد والروح، واللغة تواصل عملها في ترميم ما تصدّع، أو في تسمية ما تعذر ترميمه.

لهذا تبدو قراءة هذا الكتاب أشبه بالدخول إلى ذاكرة متعددة الجهات، وكلما توغلنا فيها اكتشفنا أن الاحتيال الذي يقترحه العنوان ليس لعبة لغوية، بل حيلة وجودية مارسها الشاعر طويلاً لينجو من قسوة الفصول، ومن تقلّبات العالم، ومن انكساراته الخاصة.

وهكذا يغدو العنوان، على الرغم من انتمائه إلى ديوان بعينه، مفتاحاً واسعاً لقراءة المختارات كلها، لأنه يختصر العلاقة الطويلة بين الشاعر والزمن.فمنذ الوهلة الأولى يضعنا حسين الهاشمي أمام فعل مراوغ، فيه شيء من النجاة وشيء من المكابدة: كيف يحتال المرء على الفصول؟ وكيف يخفف من وطأة الزمن إذا كان الزمن نفسه هو الذي يصوغ ملامحه؟..

العنوان ليس زينة خارجية، بل مفتاح عميق لفهم التجربة؛ لأن الاحتيال لا يخص الطبيعة وحدها، بل ما تفعله الفصول في الإنسان: ما تتركه من خسارات، ومن غياب، وما تحفره من أخاديد في الروح.

منذ الصفحات الأولى يضعنا الشاعر أمام وجع قديم، حين يقول:

( ربما يكفي
لإطفاءِ الحروب
أن أجنّدَ القمرَ الحائرَ
في غفلةٍ منها

وأُلقيهِ
في بُركةٍ راكدة ..)

في هذا المقطع تتضح طبيعة التجربة؛ الحرب ليست خبراً خارجياً، بل حالة تسكن الداخل، والقمر، بما يحمله من براءة، يتحول إلى مجنَّد صغير في معركة لا تنتهي. هنا تتحول الرقة إلى قوة رمزية، ويصير الأمل، مهما بدا أعزل، جزءاً من مقاومة مستمرة، كأن النجاة نفسها تحتاج إلى شيء من الوهم الجميل.

وفي موضع آخر يقول:

(لستُ من هواةِ أوراقِ اليانصيب
ينثرها صبيٌّ نزقٌ
رفقةَ جوقٍ للإنشاد..)

هنا نلمح رفضاً واضحاً للمصادفة. الشاعر لا يسلّم نفسه للحظ، ولا يراهن على عابر. هناك صلابة خفية في نبرته، كأن القصيدة نفسها موقف من الفوضى، ومحاولة لحماية ما تبقى من توازن داخلي.

وحين نعلم أن هذه النصوص مختارة من دواوين متباعدة، فإننا لا نقرأها بوصفها قصائد متجاورة، بل كأثر ممتد لروح واحدة عبر طبقات العمر. كل نص يحمل زمنه الخاص، غير أن ما يجمعها ذلك التوتر الخفي بين النجاة والانكسار، كأن الشاعر، وهو يعود إلى هذه النصوص، كان يفتش عمّا بقي حياً في رماده.

وهكذا يغدو هذا العنوان، المستعار من إحدى محطات التجربة المتأخرة، فعلاً مضاعفاً: احتيالاً على الفصول، واحتيالاً على الزمن أيضاً. ولعل استعادته هنا، ليظلّل مختارات تمتد على ثلاثة عقود، تكشف كيف أن ما كان يخصّ مرحلة بعينها صار صالحاً لقراءة الرحلة كلها. فالكتابة نفسها بدت، عبر هذه السنوات، صورة من هذا الاحتيال؛ محاولة لتأخير الانطفاء، وإبقاء شيء من المعنى حياً وسط ما يتساقط. كأن حسين الهاشمي لم يكن يدوّن أيامه فقط، بل كان يخبئ نفسه بين الكلمات، حتى لا يأخذه الزمن كاملاً.

في هذه المختارات تبدو لغة حسين الهاشمي مشغولة بكشف العالم عبر قابليته للكسر. ليست لغة عالية النبرة، ولا مثقلة بالزينة، بل تمضي بخفة تخفي تحتها طبقات كثيفة من الألم. الصورة عنده لا تأتي مكتملة؛ تترك فراغاً واسعاً يشارك القارئ في ملئه، وهذا واحد من أسرار شعره: أن المعنى لا يُعطى جاهزاً، بل يُستدرج على مهل. كأن الشاعر، بعد هذا العمر الطويل من الكتابة، صار يعرف أن الحقيقة حين تُقال دفعة واحدة تفقد بعض وهجها، أما حين تتسلل ببطء فإنها تستقر أعمق في الروح.

وحين يبلغ الشاعر هذا المقام من النضج، لا يعود معنياً بالصوت العالي ولا بالدهشة المصنوعة، بل بذلك الوميض الخافت الذي يعرف كيف يضيء الخراب من الداخل. وهذا ما نلمحه في مختارات الهاشمي؛ لغة رجل خبر الحياة أكثر مما ينبغي، وصار يرى الأشياء من نهاياتها لا من بداياتها:

(لا تقلْ كلَّ شيءٍ
في نافذةِ القصيدة
دعها تفتحُ الشرفة
نيابةً عنك .. )

كأنَّ الشاعر يضع وصيته الشعرية هنا. القصيدة ليست مكاناً للإفراط في القول، بل فسحة يعمل فيها البياض، وتتحرك فيها الريح، ويبقى جزء من المعنى معلقاً خارج القبض عليه. لهذا تبدو كتابته قادرة على الإيحاء أكثر من التصريح، وعلى إبقاء حرارة الغياب داخل اللغة. وما لا يُقال في نصوصه يبدو أوسع أحياناً مما يُقال، وهذه سمة لا يبلغها إلا شاعر تصالح مع نقص العبارة، وعرف أن الصمت جزء من المعنى.

وفي مقطع آخر :

( في المقهى
لم نلتقِ
ولم نلتقطْ صورتنا بعدُ.. )

المشهد هنا صغير في ظاهره، لكنه يفتح فراغاً واسعاً. لقاء مؤجل، صورة ناقصة، ومقهى معلق بين الانتظار والغياب. حسين الهاشمي يلتقط التفاصيل اليومية كما لو أنها شظايا حياة كاملة، يمنحها بعداً يتجاوز حجمها، حتى تصبح الأشياء البسيطة مثقلة بعبء وجودي عميق. وهذه من خبرة الشعراء الكبار: أن يروا الكارثة في التفاصيل الصغيرة، وأن يمنحوا اللحظة العابرة ما تستحقه من خلود.

وفي موضع آخر يبدّل العالم مواضعه :

(الحربُ في إجازةٍ
تقيمُ في البيوتِ الآن
بينما السلامُ
يلتحقُ الجبهات..)

هنا تبلغ الصورة ذروتها. كل شيء فقد مكانه الطبيعي؛ الحرب صارت مقيمة في الداخل، والسلام خرج يفتش عن موطئ له. هذا الانقلاب يكشف طريقة الشاعر في رؤية زمنه: زمن مضطرب فقد توازنه، وصارت الأشياء فيه تمشي ضد طبيعتها.

في نصوص كثيرة لا تظهر الحرب بوصفها حدثاً عابراً، بل كجوهر خفي يسكن التجربة كلها. أحياناً نراها بصورتها المباشرة، وأحياناً تتخفى في هيئة غياب أو خراب يومي يلتهم التفاصيل الصغيرة. لذلك لا يكتب حسين الهاشمي الحرب ذاتها، بل ما تتركه في الجسد والذاكرة. فهو يعرف، بعد كل هذه العقود، أن الطعنة لا تكمن في الواقعة وحدها، بل في أثرها الطويل:

( يكفي أنّنا نرتجفُ بلا طقسٍ
وبينما الحياةُ
نغمةٌ في الكواليس
يصبحُ الموتُ
منصّةَ إنشادٍ وفضيحة.. !)

هذا الارتجاف لا يأتي من الطقس وحده، بل من كل ما يحمله من احتمالات. كأن الإنسان يعيش دائماً على حافة ارتباك، فيما الحياة تمضي بعيداً، كأنها لحن لا يلتفت إلى ما يحدث ، بينما الموت يستعرض نفسه كفضيحة !

ويتكثف هذا المعنى أكثر حين يصوره هكذا :

( نحنُ المحاربينَ بلا نزاعٍ
يُسقطُنا الندى .. )

هذا من أكثر المقاطع كشفاً لجوهر التجربة؛ المحارب هنا بلا خصم واضح، والنزاع غائب، لكن السقوط حاضر، ويحدث من أضعف الأشياء: الندى، وهذه من أقسى صور الهشاشة؛ أن يهزمك ما يبدو طرياً وعابراً، وكأن الشاعر يقول إن الإنسان لا تكسره العواصف الكبرى دائماً، بل ما يتسرب إليه بصمت.

هكذا تتجمع في هذه المختارات خرائط الفقد والخيبة، والإنسان وهو يكتشف قابليته للكسر أمام العالم، وكل ذلك يمر من غير صراخ. حسين الهاشمي يكتب خراباً هادئاً، وهذا ما يجعل أثره أعمق، لأنه لا يستعطف، بل يترك الجرح مفتوحاً ليتكلم وحده.

وفي مواضع أخرى تخفُّ حركة العالم، ويعلو صوت النفس أكثر وضوحاً. لا يعود الخراب مشهداً خارجياً فقط، بل يتحول إلى مادة داخلية، إلى تأمل طويل في معنى البقاء، وفي معنى أن يحمل الإنسان نفسه كل هذا الطريق:

( احتفاءً بما تبقّى..
كوني وديعةً
وسالكة
يا سنتي الجديدة..
لا تخطفي قدمي الأخرى
فهي ليست لي..!)

في هذا المقطع تتجلى واحدة من أكثر لحظات الهاشمي شفافية. إنه لا يخاطب سنة جديدة بوصفها بداية واعدة، بل ككائن قد يحمل معه خسارة أخرى. الخطاب هنا مشبع بوعي موجع؛ ما تبقّى أقل مما مضى، وما نجا ليس ملكاً كاملاً لصاحبه، كأن العمر نفسه صار شيئاً مستعاراً، يمكن أن يُنتزع في أية لحظة. وهذا من أشد ما يقوله شاعر يكتب من قلب مصابه الشخصي؛ فالإحساس هنا لا يأتي من تأمل مجرد في الزمن، بل من تماس مباشر مع خسارة جسدية ووجودية جعلت ما تبقّى من العمر أكثر هشاشة وأشد وضوحاً.

هذا الوعي بالفقد يعود في أكثر من موضع بصيغ مختلفة، لكنه يحتفظ بجوهر واحد: الزمن لا يمنح شيئاً كاملاً، وما يتركه لنا غالباً يكون ناقصاً أو مهدداً بالغياب.

وفي نص آخر:

( للزمنِ
إرثٌ يتخفّي..
كثيراً ما يواجهُكَ
في الممرّ إلى الفضيلة
في الممرّ إلى الإفلاس
في الممرّ إلى الحفيد
بعيونٍ واسعةٍ للغربة .. )

هنا يتحول الزمن إلى وارث وغائب في آنٍ واحد. الإرث لا يُسلَّم صافياً، بل يتبدد في الطريق، والممرات ليست متساوية؛ بعضها يقود إلى المعنى، وبعضها إلى الخسارة، وبعضها إلى الامتداد الإنساني. كأن الحياة، في وعي الشاعر، شبكة عبور لا تمنح استقراراً حقيقياً، وكلّ ممر يحمل حصته من الفقد، حتى حين يقود إلى الامتداد.

وفي مقطع آخر يطرح سؤاله العاري:

( كيف بوسعي
أنْ أوقفَ إجراءَ الهَدم ..؟)

هذا السؤال وحده يحمل ثقل التجربة كلها. فالهدم هنا ليس حادثة عابرة، ولا ضربة واحدة يمكن تجاوزها، بل فعل مستمر، قانون خفي يشتغل في كل شيء: في الجسد، في الذاكرة، في العلاقات، وفي اللغة نفسها.

ومن خلال هذه النصوص نرى حسين الهاشمي أقل انشغالاً بالوقائع ذاتها، وأكثر انشغالاً بما تتركه في أعماق الإنسان. ما يهمه ليس الحدث، بل أثره؛ ليس السقوط، بل ما يبقى بعده. وربما هنا تبلغ التجربة ذروتها؛ حين لا يعود الشاعر مشغولاً بما جرى، بل بما صنعه الجريان في روحه.

هذا ما يمنح هذه المختارات عمقها الحقيقي؛ أنها لا توثق ما حدث فقط، بل ما بقي من أثره في الداخل، في تلك المنطقة الصامتة التي يقف فيها الإنسان أمام نفسه، ويكتشف أن الفصول لا تمر خارجه وحده، بل تمر فيه أيضاً. هناك، في تلك الطبقة الخفية من الروح، حيث لا يسمع الإنسان إلا صدى عمره، تتجلى القصيدة عند الهاشمي بوصفها شهادة بقاء، لا مجرد أثر كتابة.

ويزداد هذا المعنى اتساعاً حين نتذكر أن هذه المختارات تجمع ثلاثين عاماً من التجربة الشعرية، من 1990 إلى 2020. وهذه السنوات ليست مجرد أرقام، بل طبقات من التحول، والنضج، وتبدل الرؤية، والصراع الطويل مع النفس والعالم. حين تجتمع هذه النصوص تحت غلاف واحد، فإن ما يتجمع فيها ليس الشعر وحده، بل خرائط عمر كامل، من البدايات المتوترة إلى النبرة الأكثر رسوخاً، ومن رعشة البدايات إلى سكينة مَن عرفَ الطريق وأثقاله.

هذا ما يمنح هذه المختارات ثقلها؛ فالتجربة لم تولد في موسم واحد، بل تراكمت طبقة بعد أخرى، حتى غدت أشبه بخلاصة عمر شعري لا يبحث عن الكثرة، بل عن الجوهر، عن النصوص التي استطاعت أن تبقى بعد كل هذا العبور؛ وهذا البقاء ليس أمراً يسيراً؛ فكم من نصوص يبتلعها الزمن، وكم من كلمات تفقد بريقها، غير أن ما يبقى دائماً هو ما كُتب من عمق الحاجة، لا من فائض الرغبة.

وحين نصل إلى الصفحة الأخيرة، لا نشعر أننا أنهينا قراءة مختارات شعرية، بل كأننا خرجنا من تجربة ظلت مأهولة بعقود ثلاثة من العبور، والخذلان، والانتظار، والمكابدة؛ تجربة لم تُبنَ بالحوادث وحدها، بل بما تراكم في روح الشاعر من شروخ وأسئلة وأزمنة.

ما يميز “احتيال على الفصول” أن الشاعر لم يجمع نصوصه ليؤرشفها، بل ليعيد مساءلة نفسه من خلالها. كلّ قصيدة تحمل أثر زمنها، وكل مقطع يشبه ندبة صغيرة في جسد التجربة، غير أن اجتماعها يمنحنا صورة أوضح: شاعر لم يكن يكتب ليهرب من العالم، بل ليحتمله، ويجد في اللغة صيغة أقل قسوة للعيش فيه.

وهكذا يتأكد أن الشعر عند حسين الهاشمي ليس ترفاً لغوياً، ولا تمريناً على المجاز، بل طريقة عيش، وطريقة بقاء. كأن القصيدة كانت وسيلته الوحيدة ليخفف من وطأة الخراب، ويؤجل سقوطه أمام ما لا يُردّ؛ وربما هذه هي المهمة الأعمق للشعر: أن يمنح الإنسان فرصة أخرى لمواجهة ما لا يستطيع تغييره.

ومن هنا يبدو استدعاء هذا العنوان بالذات ، من بين أعماله كلها ، فعلاً دالاً؛ كأن الشاعر اختار من مراحله المتأخرة العبارة الأقدر على تلخيص رحلته كلّها؛ تلك القدرة الغامضة على أن يمرّ الإنسان من النار وفي يده قبضة رماد، يقول للعالم: هذا ما تبقّى مني.

وحين نغادر هذه المختارات لا يبقى الكتاب خلفنا تماماً، بل يظل شيء منه عالقاً فينا؛ كأن القصائد، بعد كل هذا العبور، لا تنتهي عند قارئها، بل تبدأ فيه من جديد، وهذا هو الامتحان الحقيقي لكل شعر حيّ: أن يغادر صاحبه ويستقر في أرواح الآخرين.

ويبقى السؤال معلّقا في الهواء:

هل كان الشاعر يحتال على الفصول فعلاً؟
أم أن الفصول، في النهاية، هي التي كانت تحتال عليه ليكتب كل هذا الشعر؟

………..

* ( احتيال على الفصول- قصائد مختارة 1990 / 2020)  عن دار جسد للنشر والتوزيع
– بغداد 2025