لم أدخل هذا الديوان كما يدخل القارئ كتاباً، بل كما يدخل شيءٌ في الدم دون استئذان، دون أن يعرّف نفسه، دون أن يقول من أين جاء، لكنه يبدأ فوراً بتغيير الإيقاع الداخلي، يبطئ شيئاً ويسرّع شيئاً آخر، يجعل الكلمات التي أعرفها تبدو كأنها لم تعد تخصّني تماماً، أو كأنها خرجت لتوّها من مكان أبعد من اللغة.
“هذه القصائد لتدريب نفسك على أن تبدو شاعراً أقل مما ترى وأكثر نبلاً مما تستند عليه”
ولم يكن هذا الدخول قراءة بقدر ما كان اختباراً خفياً لي أنا، كأن ما يُسمّى فيه تمارين لا يدرّب اللغة وحدها، بل يدرّب القارئ أيضاً على أن يتراجع عن نفسه.
مكان لا تصل إليه القراءة الأولى، ولا الثانية، بل يحتاج إلى نوع من الإقامة، إلى نوع من البقاء داخل النص لا خارجه، إلى نوع من التسليم البطيء، كأنك لا تقرأ بقدر ما تُقرأ، ولا تقترب من النص بقدر ما يقترب منك، ويبدأ بإعادة ترتيبك من الداخل دون أن يعلن ذلك.
منذ الصفحات الأولى، لم أشعر أنني أمام نص يريد أن يُقرأ، بل أمام نص يريد أن يدرّبني على أن أتراجع خطوة عن نفسي، أن أخفف من تلك الرغبة الخفية بأن أكون واضحاً أو مكتملاً، تلك الرغبة التي نظنها فضيلة بينما هي في كثير من الأحيان شكل من أشكال العجلة التي تفسد التجربة قبل أن تتكوّن، كأن النص يعرف مسبقاً أن القارئ يأتي وهو محمّل بفكرة الفهم، فيحاول أن يخلّصه منها بهدوء، لا بالصدمة، بل بالتدرّج، بأن يجعله يشك قليلاً فيما اعتاد عليه من طرق القراءة. وكما يوحي النص منذ بدايته، لا يقدّم نفسه بوصفه كتابة، بل بوصفه تمريناً على التخفّف من الادعاء؛ لذلك لم أتعامل مع الجملة كمقدمة، بل كنوع من الشك الذي يدخل القراءة منذ بدايتها.
كأن النص لا يثق بالقارئ قبل أن يثق بنفسه، أو كأنه يعرف أن الخطر لا يكمن في سوء الفهم، بل في الفهم السريع، في تلك السرعة التي تقتل التجربة قبل أن تنضج، قبل أن تتحول من معنى يُفهم إلى أثر يُعاش.
شيء ما في هذا الديوان يشتغل ضد فكرة الاكتمال، ضد تلك اللحظة التي يشعر فيها الشاعر أو القارئ أنه أمسك بالخيط، أنه صار يعرف ماذا يقول النص وماذا يريد. “كم من قصيدة دعوتَها لتكون الأخيرة… ثم أتبعتها بقصائد أخرى” لأن هذه اللحظة بالذات هي اللحظة التي يتحول فيها الشعر إلى يقين، واليقين هنا هو المشكلة، هو الشكل الأكثر تهذيباً من أشكال الموت الداخلي، ذلك الموت الذي لا يأتي فجأة، بل يتسلل بهدوء حين نظن أننا وصلنا، حين نطمئن إلى الفهم، فنفقد بذلك تلك الهشاشة التي تجعلنا قابلين لأن نهتز من جديد.
لم أستطع أن أفصل وأنا أقرأ بين المتنبّي وصدّام كما يضعهما الشاعر، لا لأن المقارنة غريبة، بل لأنها دقيقة بشكل مقلق، تفتح جرحاً لا نحب أن نلمسه: جرح النجاح حين يتحول إلى تضخم، حين يصبح الإنسان أكبر من حساسيته، وأفقر إلى الشك، حين يبدأ بالتعامل مع صوته كما لو أنه الحقيقة، لا احتمالاً من احتمالاتها.
“المرء أحياناً يجد نفسه كما لو أنه يكافح لكي لا يصبح المتنبّي أو صدّام”، هذه الجملة لم تتركني، لأنها لا تتكلم عن شاعر أو طاغية، بل عن إمكانية كامنة في كل إنسان، عن تلك اللحظة التي يعلو فيها الصوت الداخلي أكثر مما ينبغي، فيفقد قدرته على الإصغاء، لا إلى الآخرين فقط، بل إلى ذلك الصوت الخافت الذي يتراجع كلما ارتفع صوت اليقين.
هنا لم يعد السؤال: كيف نكتب؟ بل كيف نمنع أنفسنا من أن نتحول إلى ما لا نريد أن نكونه؟ وكيف نحمي تلك المنطقة الهشة فينا من أن تُسحق تحت ثقل ما نعتقد أننا نعرفه؟
ولهذا لا تبدو وصيته: “ابقَ شاعراً صغيراً ومنطفئاً، لأن الفراشات سيسعدها اللعب حولك إلى الأبد” مجرد صورة رقيقة، بل تصوراً كاملاً لما يجب أن يكون عليه الشاعر: كائن لا يُخيف الكائنات الهشة، ولا يدوسها من أجل استعارة، ولا يحتاج أن يعلو لكي يُرى.
من هنا، على الأقل كما بدا لي، بدأت أرى أن القوة في هذا الديوان لا تعني الاتساع، بل القدرة على الامتناع، لا أن يقول الشاعر كل ما يستطيع قوله، بل أن يعرف ما الذي يجب أن يتركه غير منطوق، كي لا تتحول اللغة إلى سلطة أخرى تشبه ما يحاول أن يفلت منه.
وكلما تقدمت في القراءة، شعرت أن الديوان لا يكتب الشعر بقدر ما يحاول أن يضع له حدوداً، يخفف اندفاعه، ويمنعه من أن يتحول إلى أداة سيطرة أو وسيلة لتجميل القسوة، كأن الشاعر لا يثق بالشعر تماماً، أو يعرف أنه يمكن أن ينحرف بسهولة إذا تُرك لنفسه دون مقاومة.
حين يقول: “لابد للشعر أن يقسو على البشرية ليخلف قتلى أو جرحى”، لا يبالغ، بل يكشف تلك المنطقة التي لا نحب أن نراها في الشعر، حيث يتحول الجمال إلى غطاء، والبلاغة إلى طريقة لتمرير شيء أكثر قسوة مما نريد أن نعترف به، حيث يمكن للكلمة أن تكون أكثر إيذاءً من الفعل لأنها تمرّ دون أن تُرى.
هذه الجملة، كلما عدت إليها، شعرت أنها تضعني في موضع لا أرتاح له: موضع القارئ الذي يستمتع أحياناً بما يؤذيه دون أن ينتبه، الذي يتواطأ مع الجمال حين يخفي عنفاً ما، أو يمرره بطريقة لا تثير الشك. لكن هذا الافتراض نفسه يحتاج إلى حذر، لأن تحميل الجمال مسؤولية الأذى قد يكون بدوره شكلاً آخر من التبسيط الذي يدّعي النص مقاومته.
هنا يبدأ النص بفضح تلك العلاقة الملتبسة بيننا وبين الشعر، بيننا وبين الجمال نفسه، ذلك الجمال الذي لا يكون بريئاً دائماً، والذي قد يحمل في داخله شيئاً من القسوة التي نتغاضى عنها لأننا معجبون بصورته.
“جسدي ليس سوى تمرين للنسيان”
في لحظة ما، لم يعد الجسد في هذا الديوان جسداً بالمعنى الذي اعتدناه، لم يعد مكاناً للعيش أو للمتعة أو حتى للألم فقط، بل صار شيئاً يمكن فكه، يمكن النظر إليه من الخارج، كما لو أن الشاعر يضعه على الطاولة ليختبره، ليرى إلى أي حد يمكن أن يبقى متماسكاً، أو إلى أي حد يمكن أن ينفلت من نفسه دون أن ينهار، كأن الجسد هنا ليس معطى ثابتاً بل تجربة مفتوحة قابلة لأن تُعاد صياغتها في كل مرة ننظر إليها.
كأن الجسد هنا ليس ما نحمله، بل ما نحاول أن نخففه دون أن ننجح. كأن الجسد نفسه لا يُوثق به، ليس ما نحن عليه بقدر ما هو ما نحاول أن نتركه خلفنا دون أن ننجح تماماً، أو ما نحاول أن نخففه من ثقلنا دون أن نستطيع أن نخلعه بالكامل.
هنا لا يعود الجسد هو الهوية، بل يصبح شيئاً يُستعمل، يُجرَّب، يُتعب، ثم يُترك، أو يُعاد إليه من جديد وكأننا لم نغادره أصلاً، علاقة لا تقوم على الاستقرار بل على الذهاب والإياب، على اقتراب وابتعاد في الوقت نفسه.
وحين يقول: “مددت جسدي في التابوت لئلا أتذكر”، شعرت أن الذاكرة هي العبء الحقيقي، لا الحياة، وأن الموت، في هذا السياق، ليس نهاية بل محاولة للتخفف، محاولة للانسحاب من ثقل لا يمكن احتماله كاملاً، أو ربما لتجميد هذا الثقل في لحظة واحدة بدل أن يستمر في التراكم داخلنا دون توقف.
الموت نفسه لم يعد في هذا الديوان ما كان عليه في قراءاتي السابقة، لا يأتي ككارثة ولا كذروة درامية، بل كشيء قريب، شبه مألوف، يتحرك بهدوء داخل النص كما لو أنه جزء من الحياة اليومية، أو يقيم في الهامش القريب منا دون أن نلتفت إليه دائماً.
“يدبّ الموت على أطراف أصابعه”، هذه الصورة لا تخيف بل تُربك، المسافة التي كانت تمنحنا وهم السيطرة، أو على الأقل وهم التأجيل.
لم يعد هناك فرق واضح بين ما نعيشه وما ينتظرنا، كأن الاثنين يسيران جنباً إلى جنب دون أن يتصادما، أو كأن الحياة نفسها تحتوي الموت منذ البداية دون أن تعلن ذلك.
وفي موضع آخر: “اشتر له قميصاً وحذاءً… هذا موتك”، لم أعد أستطيع بعد هذه الجملة أن أتعامل مع الموت كفكرة مجردة، بل صار شيئاً يمكن أن يُسمّى، أن يُقترب منه، أن يُمنح شكلاً، وأن يُعامل ككائن له حضور، لا كحدث مفاجئ.
وهذا ما يجعل حضوره أخفّ من جهة، لأنه يفقد تلك الفجائية الصادمة، لكنه في الوقت نفسه أكثر التصاقاً بالحياة، أكثر قدرة على التسلل إلى تفاصيلها الصغيرة، إلى ما نظنه عادياً ويومياً، دون أن ننتبه أنه يحمل في داخله نهايته.
الحب أيضاً لا ينجو من هذا التفكيك، لا يظهر كخلاص ولا كملاذ، بل كحالة معقدة لا تكتمل إلا بنقصها، أو لا تعيش إلا بقدر ما يظل فيها شيء غير محسوم، شيء يبقيها معلّقة على حافة لا تستقر.
“الحب يحتاج إلى الاستدلال بموت ما لإنعاش نفسه”، هذه الجملة جعلتني أرى الحب من زاوية لم أعتدها، زاوية لا تسمح له بأن يكون نقياً تماماً، حيث يبدو اكتماله قريباً من موته، وما يمنحه حيويته هو هذا التهديد الخفي الذي يسكنه.
لا يعيش الحب هنا إلا على حافة شيء مهدد، على حافة فقدٍ ما، وهذا الفقد هو ما يمنحه معناه، أو على الأقل تلك الكثافة التي تجعلنا نتمسك به رغم معرفتنا بأنه لا يدوم على حال واحدة.
هنا لا يعود الحب حالة طمأنينة، بل حالة يقظة، نوعاً من الانتباه الدائم إلى ما يمكن أن ينكسر في أي لحظة.
وفي موضع آخر: “سداد الديون ليس بالأمر السهل في عالم العشاق المفلسين”، شعرت أن الحب هنا ليس علاقة بين اثنين، بل علاقة مع نقص مستمر، مع شيء لا يكتمل مهما اقتربنا منه، أو ربما كلما اقتربنا منه ازداد ابتعاداً، كأننا ندور حوله دون أن ندخله تماماً.
هذا الإحساس نفسه، بشكل أو بآخر، انتقل معي وأنا أقرأ مقاطع الوطن، كما لو أن ما يحدث للحب يحدث للوطن أيضاً، وكأن الاثنين يخضعان لقاعدة واحدة: لا اكتمال، لا امتلاك نهائي.
أما الوطن، فلم يظهر في هذا الديوان كقيمة ثابتة أو كملجأ، بل كشيء يستهلك الإنسان أكثر مما يمنحه، كعلاقة يُستنزف فيها الإنسان أكثر مما يُنصَف، لا يستطيع أن يخرج منها كما دخل.
“أنا غير راضٍ عن بلادي وأنت أيضاً”
“وجدت نفسي قد استهلكت أياماً من أجل بلد زهيد” هذه الجملة تجرح، لأنها لا تترك مكاناً للتجميل، لا تسمح لك بأن تحب دون أن ترى الثمن، أو أن تنتمي دون أن تشعر بما يُسحب منك في المقابل.
الوطن هنا ليس فكرة عالية، بل تجربة مرهقة، شيء يُنزف فيه العمر دون أن يعود كما خرج، أو دون أن يعود أصلاً.
وفي موضع آخر: “بلدي هو ذلك البلد الذي تزورينه ولا تجدينني هناك”، يبدو الانتماء نفسه مفككاً، لم يعد الإنسان يقيم في المكان بقدر ما يمرّ به، أو يبقى فيه جسدياً ويغادره من الداخل، فيبقى عالقاً بين حضور لا يكتمل وغياب لا يتحقق.
ما كان يربكني أكثر وأنا أقرأ هو إحساسي بأن اللغة نفسها غير مطمئنة، كأنها تتشقق، تعرف أنها تأتي دائمًا متأخرة، وأنها مهما حاولت لن تصل إلى اللحظة الأولى،
تلك اللحظة التي يحدث فيها الشيء قبل أن يُسمّى، قبل أن يُكتب، قبل أن يُفهم.
هنا لا تأتي اللغة لتلحق بالحدث، بل بظلّه، بما تبقّى منه بعد أن يبرد ويفقد حرارته الأولى، فيتحوّل إلى شيء يُفكَّر فيه بدل أن يُعاش.
“لم لا أكتب قصيدتي إلا بعد أيام من الكارثة؟” بعد أن يفقد الحدث حدّته الأولى، وتتحول الصدمة إلى مادة قابلة للصياغة.
هنا لا يعود الشعر فعلاً، بل أثراً، لا يعود مواجهة، بل محاولة لفهم ما لم نستطع أن نواجهه في حينه، أو ربما نوعاً من التأبين لما لم نستطع إنقاذه.
في منتصف القراءة، لم أعد أبحث عن ثيمة محددة، بل عن الإيقاع الذي يجمع هذه العناصر كلها، عن ذلك الخيط الخفي الذي يجعل الجسد والموت والحب والوطن واللغة ممكنة معاً في هذا التوتر، دون أن تذوب في معنى واحد أو تستقر في تفسير نهائي.
شعرت أن النص لا يريد أن يقول شيئاً واحداً، بل أن يبقي الأشياء كلها في حالة عدم استقرار، حيث كل فكرة تُفتح على أخرى، وكل معنى يُقوّض نفسه من الداخل قبل أن يكتمل. وربما لهذا بدت لي الجملة:
“أنا وأنت طفلان دون ذاكرة… بدأنا نهرم”
كأنها تصف هذا الانتقال نفسه، هذا الخروج من براءة لا نعرفها إلى وعي لا نثق به تماماً، وعي يأتي متأخراً دائماً، يعرف أكثر مما يحتمل.
في الصفحات الأخيرة، لم أشعر أن الديوان يقترب من نهاية، بل من نوع آخر من البداية، كأن كل ما سبق كان محاولة لتهيئة هذا الإحساس بأن لا شيء يكتمل، وأن المعنى لا يُعطى دفعة واحدة، وأن الشاعر الحقيقي ليس من يعرف ماذا يقول، بل من يعرف كيف يتوقف قبل أن يقول كل شيء، كيف يترك فراغاً يعمل بدل أن يملأه.
“حياتي آمنة لكن موتي هو الذي يتعرض للخطر” هذه الجملة، رغم غرابتها، بدت لي كأنها تلخص هذا العالم كله، عالم مقلوب لا يعمل بمنطقه المعتاد، حيث لا يعود الخطر في ما نعيشه، بل في ما نظنه مضموناً، في تلك الأشياء التي نعتقد أنها ثابتة، بينما هي في الحقيقة الأكثر هشاشة.
في نهايته، لا يمنحك النص خلاصة، بل يعيدك إلى السؤال.
خرجت من هذا الديوان دون أن أشعر أنني فهمته، وربما هذه هي المرة الأولى التي لا أرى في ذلك نقصاً، لأن النص لم يُكتب ليُفهم بالكامل، بل ليُغيّر شيئاً في طريقة النظر، في طريقة التعامل مع اللغة، مع الذات، مع ذلك الصوت الداخلي الذي يميل دائماً إلى أن يعلو أكثر مما ينبغي.
لم أشعر أنني قرأت ديواناً، بل أنني دخلت في تمرين طويل على أن أكون أقل يقيناً، أقل رغبة في أن أقول الجملة الأخيرة، أقل ميلاً إلى أن أصدق أن الشعر يمكن أن يكتمل.
ما يبقى من هذه القراءة ليس فكرة، بل أثر.
شيء تغيّر في الداخل،
شيء كان يميل إلى أن يكتمل، فجاء هذا النص ليعيده إلى حالته الأولى: حالة السؤال.
وربما هذا هو الشيء الوحيد الذي يمكن الاحتفاظ به بعد هذه القراءة: أن أبقى في هذا السؤال، أن لا أخرج منه بسرعة، أن أتركه يعمل في داخلي كما عمل هذا الديوان، ببطء، وبلا ادعاء.
وهنا بالضبط، يتوقف النص عن أن يكون موضوع قراءة، ويصبح شرطاً للنظر.
ما لا يكتمل فينا قد يكون هو الشيء الوحيد القابل لأن يستمر.
أيار – مايو 2026
شاهر خضرة
شاعر وكاتب سوري – ألمانيا
د. اسماعيل مروة
سعاد المرنيصي
التعليقات