أثر الزمان والمكان في قصص السريان

صورة الكاتب
بقلم: کریم اینا
التاريخ: 17 أكتوبر 2026 عدد المشاهدات: 3663
أثر الزمان والمكان في قصص السريان

 

مقدمة

يكتسب الأدب هويته القومية ممّا يعتمد عليه من لغة.. ويتمثل من نماذج.. ويترجم إلى أوضاع ويصوّر من ملامح البيئة التي يوجد فيها.

وبقدر ما يكون الأدب أصيلاً واعياً بقدر ما تنفرد به بيئته وتتعدًد أرضه وطبوغرافيته وتاريخه مساراً ومنجزاً حضاريينْ. بقدر ما تكون رسالة الأمة إلى غيرها من الأمم ونافذة تطلّ الأمم الأخرى على موجود هذه الأمة ووعيها الاجتماعي ودورها الحضاري.

والقصة كما نعلم هي إحدى فنون الأدب يصنعها الواقع أو يخترعها الخيال وهي بهذا لا تعرض علينا الواقع كما تعرضه كتب التاريخ والسير وإنما تبسط أمامنا صورة مموّهة منه ولا يفرض في الكاتب الذي يتجه اتجاهاً واقعياً في قصته أن يعرض علينا من الحوادث ما سبق وقوعه فعلاً، أو ما ثبتت صحته بالوثائق والمستندات ولا من الشخصيات ما له ذكرى في سجل المواليد والوفيات، ولكن على القاص أن يضعنا في مكان حدوث مثل هذه الحوادث ووجود مثل هذه الشخصيات في الحياة التي نحياها ونعرفها. فالسرد يعني تتبع حدث أو مجموعة أحداث ونقلها من شخص إلى آخر، وأكثرية القصص تحملُ في مضمونها رسالة أو عبرة أو معلومة يصل إليها القارىء في نهاية القصة.

الحقيقة الزمانية والمكانية للقصة

بيئة القصة في حقيقتها الزمانية والمكانية، هي كل ما يتّصل بوسطها الطبيعي وبأخلاق الشخصيات وشمائلهم، وأساليبهم في الحياة. وقد لا تختلف بيئة القصة أحياناً عن المؤثرات المسرحية التي يعتمد عليها الكاتب المسرحي لتساعده على إبراز الشخصيات وتحريكها بحيوية ونشاط.

وهكذا فإنّ البيئة القصصية هي الجو إذا ما تحدّثنا بلغة الفن وهي المحيط إذا إستعرضنا مصطلحات العلوم.

والكاتب يستعين في رسم بيئة قصته بالوسائل نفسها التي يستعين بها في سرد الحوادث أو رسم الشخصيات وهو يلتقطها كما يلتقط هذه بالملاحظة والمشاهدة أو من خلال قراءاته الخاصة، أو ينسجها بخياله نسجاً مسلطاً عليه قوة الاختراع والإبداع معتمداً على ما يلتقطهُ أثناء تجاربه في الحياة. وليس الأمر كذلك في القصص التاريخية فإن الكاتب هنا يبحث عن بيئة في كتب التاريخ حيث يعثر على أوصاف البيئة الطبيعية والإجتماعية، وحيث يلتقط أوصاف الملابس وأخلاق الناس وعاداتهم في تلك الفترة وهو لا يتقيّد بها تماماً إنّما يستعينُ بها على تصوّرِ الفترة  ويترك لخياله اللمسات الفنية الأخيرة الساحرة التي تصهر هذه المادة وتمزجها مزجاً تاماً وتحيلها إلى مهاد ملائم تتحرك عليه الحوادث وتسعى فيه الشخصيات.

ويتجه بعض الكتاب إلى البيئة المحلية ويعتنون بها أعظم عناية ويحاولون أن يعكسوا أثر البيئة الطبيعية التي يحيون بها. وقد يتجهون إلى تصوير طبقة معينة من الناس. ومهما يكن من أمر فلابّد للكاتب أن يعي البيئة وعياً تاماً وأن يتبيّن  تفاعلها مع الشخصيات مؤثرة كانت أم متأثرة وهناك كثير من القصص التي تستمد روعتها من تصويرها الصادق لبيئة من البيئات أو لطبقة من الطبقات الاجتماعية ومن هذا النوع قصص نجيب محفوظ ويحيى حقي. هناك شواهد رئيسية تتعلّقُ بمفهوم الزمان والمكان عند سكان وادي الرافدين القدماء وذلك إنطلاقاً من الوثائق المادية المتجسدة في الأدبيات المكتوبة بالمسمارية، ومنها ما يتعلّق بالأدبيات ذات الطابع الأسطوري، وهناكَ رُقيم طيني أكتشفَ مؤخراً وهو من الرقم المكملة لأسطورة أثرخاسيس، وأيضاً لهُ علاقة بقصة الطوفان. وملخص أسطورة أثرخاسيس بعد ترجمة “جان بوتيرو” هو البحث في أصل الإنسان ومعنى الوجود البشري والحياة البشرية. إنّ إنتهاء قصّة طوفان تمثلُ الأرض كوحدة مكانية منظمة ومشتركة، ذلك ولأنّهُ كما تعكسهُ الأسطورة يمثلُ أداة أو آلة النجاة وسلاحه، تحتَ تصرّف أوتونابشتم ومعيته. وأيضاً أسطورة الخليقة ( الإينوماإيليش).

القصة السريانية وتطوّرها

القصة السريانية من الآداب السريانية التي ورثها الإنسان الرافديني من أجداده عن طريق الحكايات الشفهية والتراث الشعبي أو عن طريق الملاحم والأساطير وإستمدّت قدمها من قدم الأدب نفسه، والأدب السرياني ورث القصة من أجداده القدماء وهم الآشوريون والبابليون وقبلهم السومريون والأكديون وقد وردت حكايات وقصص قديمة في أسفار العهد القديم،  ثم أخذت طابعاً أرامياً سريانياً بعد إشراق نور الإنجيل في منطقة بيث نهرين. وبعد هذه الحقبة أخذت القصة تأخذ طابعاً دينياً بعد القرون الأولى المسيحية وقسم من هذه القصص أتّصل بالمرحلة الأولى التبشيرية للدين المسيحي في الرها، كما هو الحال في سيرة مار أدّي وقصّة منديل المسيح لهُ المجد والملك أبجر.

يمكن تقسيم مراحل تطور القصة السريانية نسبة إلى الفترة التي مرت بها إلى قسمين:

الأول:- قبل انتشار المسيحية والثاني:- بعد إنتشار المسيحية  فمنها ما هو قيم جداً لصلتها بكبار المفكرين وأصحاب العبقريات فقد تطورت القصة منذ تلك الفترة ومن أبرز تلك النماذج قصص ومقطوعات أدبية منها: فيضان نهر ديصان / خطاب مارا بن سرابيون / حكم وأمثال وقصّة حياة أحيقار / كتابات حدياب الحرّاني. خلال القرون الميلادية الأولى، تُعبرُ عن ولادة جديدة نتيجة تراكم حضاري عميق وواسع ممّا خلّفتهُ الحضارات التي قامت أو أثرت في تلك المنطقة، وخاصة الآشورية والبابلية والآرامية واليونانية، يضاف إليها نشوء أدب ديني يهودي متقدّم من خلال ( 39) سفراً في التوراة عدا تفاسيرها،

إنّ أقدم نصوص القصص الآرامية السريانية إطلاقاً والتي لا مجال للشك فيها “أحيقار كاتب الملك الآشوري سنحاريب وحامل أختامه” سجلها بخط آرامي على أحدى عشرة ورقة من البردي عثر عليها سنة 1908 في جزيرة الفيلة قرب أسوان وهي ترقى إلى القرن الخامس ق.م وهي من أروع القصص الحكمية في الشرق. مراحل تطور القصة السريانية بدأت بجذورها في الأدب الآرامي القديم، ثمّ تطوّرت مع إنتشار المسيحية وظهور اللغة السريانية كلغةٍ أدبية رئيسية في المنطقة، شهدت تطوراً في العصور الوسطى، مع ظهور كتابات فلسفية ولاهوتية هامة، ثمّ تراجعت مع إنتشار اللغة العربية،

أصل الأدب السرياني:

1- الجذور الآرامية:

تعودُ أصول الأدب السرياني إلى الأدب الآرامي القديم، وتحديداً في القرن الخامس ق.م مع قصّة أحيقار.

2- الرها كمركز أدبي:

إزدهرت القصة السريانية بإزدهار اللغة السريانية في الرها ( إديسا) وأصبحت مركزاً هاماً للأدب المسيحي، حيث ترجمت الأناجيل والعديد من النصوص الدينية إلى السريانية.

3- العصر الذهبي:

شهدت الفترة بين القرنين الرابع والسادس الميلادي إزدهاراً للأدب السرياني، مع ظهور كتابات فلسفية ولاهوتية هامة مثل كتابات يعقوب السروجي وأفرام السرياني.

4- التأثير العربي:

مع إنتشار الإسلام واللغة العربية، بدأت اللغة السريانية بالتراجع تدريجياً كلغة محكية، لكنّها إستمرت كلغة كنسية وأدبية.

5- النهضة الحديثة:

شهدت اللغة السريانية نهضة في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، حيث ظهرت مطابع وصحف باللغة السريانية، ممّا ساهم في إحياء الأدب السرياني.

6- الأدب السرياني المعاصر:

يُواصلُ الأدباء السريان كتابة القصص والروايات والأشعار باللغة السريانية، مستلهمين من التراث السرياني ومواكبة القضايا المعاصرة. واللغة السريانية هي لغة مقدسة لدى المسيحيين السريان، وهناكَ لهجتان رئيسيتان للغة السريانية: اللهجة الشرقية ( الآثورية / الكلدانية) واللهجة الغربية ( الآرامية).

7- الصحافة السريانية:

كان للصحافة السريانية دور هام في تطوير اللغة والأدب السرياني، خاصة القصة السريانية حيث أتاحت منصة للنشر والتعبير.

8- التهديدات:

تعرّض الأدب السرياني واللغة السريانية للتهديد بسبب الحروب والصراعات والتهجير، ممّا أدّى إلى تراجع عدد المتحدثين بها.

9- الجهود المبذولة:

هُناك جهود مستمرة للحفاظ على اللغة السريانية وتراثها، من خلال التعليم والترجمة والنشر.

منحت الآداب السريانية صورة مشرقة للشعوب ما بينَ النهرين، فالأدب السرياني هو تحول جديد في الآداب الآرامية والبابلية القديمة، والصور التي تتكرر هي الصور نفسها في الآداب الآرامية، كقصة أحيقار، وملحمة كلكامش، وأساطير إنانا، وقصة الراعي والفلاح وملاحم أخرى في أسطورة (عشتار) التي نالت شهرتها في أربيل وبابل ونينوى ومناطق أخرى في بلاد ما بينَ النهرين، الأدب السرياني كانَ يُعرف ما قبلَ الميلاد بالأدب الآرامي، ومن ضمن الآداب السريانية يظهر شاعر كبير برديصان هو أولّ من كتب الشعر باللغة السريانية، وأنشأ مدرسة في مدينة ( الرها)،

 

 

نشأة القصة السريانية

يعتبر الأدب السرياني الوريث الشرعي للأدب الآرامي. وللقصة مكانة في الأدب الآرامي تعود إلى العصور القديمة حيث وجدت اللغة الآرامية ميداناً فسيحاً لها في الشرق الأدنى القديم وبرزت قصة أحيقار الحكيم في زمن سنحاريب الملك الآشوري، ثم أبنه أسرحدون في حدود 681 – 669 ق.م.

وهناك قصص أقدم من هذا التاريخ مثل قصة الخليقة والفردوس وقصة الإنسان الأول وقصة الطوفان وقصة تمرّد الشيطان وقصة الملك أطنا ملك كيش الذي نقل إلى السماء على أجنحة النسر. وقد إستفادت البشرية من هذه القصص في تكوين المعرفة والحكمة منذ الأزمنة السابقة واللاحقة أما قصة كلكامش التي كتبت في الألف الرابع ق.م فلها أثرها في المعاني الإنسانية وأصبح بطلها ( أنكيدو) رمزاً لقوة الإنسان وعظمته وتقرير مصيره ثم كفاحه من أجل البقاء والخلود وبذلك أصبحت مصدراً للحكمة والمعرفة.

وكل هذه القصص هي إنجازات خالدة في تاريخ البشرية وغرس روح الإيمان لدى الإنسان بعظمة الخالق والوحدانية الإلهية ووحدة العائلة البشرية ملؤها السلام والمحبة والألفة.

بعد سقوط  دولة بابل  سنة (539ق.م ) وآشور سنة (612 ق.م )  وقعت الأمة السريانية تحت نير الغرباء وإنقسمت تلك الأمة إلى أمة ثقافية دينية وتحولت إلى ممالك ودويلات آرامية صغيرة على الرغم من توحيد هذه الأمة وذلك بالتعاون بين الآراميين والآشوريين في القرن الثالث عشر ق.م والموجة الأخيرة لها كانت دولة أبجر في الرها وحرّان وحدياب وتدمر والأنباط والخليل في لبنان.

وقد أثرت هذه الموجات المتعاقبة على الأدب وفنونه وأصبح الأدب السرياني بعد القرن الثاني الميلادي ذا شأن وذلك لظهور بعض القصص من مؤلفات برديصان 154 – 222 م ومار ماروثا المافارقيني 350 – 420 م الذي إهتمّ بجمع القصص التي رُويت لهُ أو كتبت عنهم في مختلف الأماكن.

بدأت القصة السريانية في القرن الخامس الميلادي تهتم بالنواحي الدينية ومنه ما يتصل بالتبشير في الرها كما هو الحال في سيرة ما أدّي ومار ماري عند إنتشار المسيحية في بلاد السريان وما هو متصل بقصص الكتاب المقدس “العهد القديم والعهد الجديد”.

وهناك قصص نشأت أساساً في الرها مثل مغارة الكنوز ويوسف الصديق وإنتشرت في الغرب عن طريق اليونانيين واللاتين مثل قصة الكسيوس وقصة شفاء قسطنطين من داء البرص وقصة أهل الكهف وقصة برلام يوسف.

وهناك قصص أخرى دخلت إلى السريانية عن طريق اليونان كالأوديسا والألياذة لهوميروس الأعمى والشاهنامة للفيروزي، ومثل قصة إكتشاف الصليب سنة 312م من قبل الملكة هيلانه وإبنها الملك قسطنطين وقصّة مريم وقصص الشهداء. أما قصة مغارة الكنوز فيقال أن آدم إختبأ فيها بعد طرده من الجنة وقصة برلام تعتبر من أشهر القصص في العصور الوسطى في عصر السريان الذهبي وإشتهرت بفضل إتجاهها الأدبي والأخلاقي وعن طريق اليونان وصلت إلى الغرب ثم نقلت إلى الحبشة وأرمينيا ونقلَ النص اليوناني يوحنا الدمشقي أما قصة هيلانة وعثورها على الصليب فهي قصة سريانية إنتقلت إلى الشرق والغرب وإستخدمت الكثير من المسائل الجدلية أما قصة مريم فقد وضعت بالسريانية في نصيبين وفي نصوص مختلفة حوالي (500 م) وقد تأثرت بقصة أبجر أوكومو ملك الرها.

دخل الأدب السرياني فترة الركود ابتداءً من القرن العاشر وحتى القرن الرابع عشر إلا أنه ظهرت كتابات عديدة في تلك الفترة حاولت التخلص من هذا الضغط الشديد من قبل العربية على السريانية فوضع سليمان البصري كتاب النحلة وبرزت مقالات شعرية لخاميس قرداحي وكيوركيس ووضع عبد يشوع الطوباوي كتاب فردوس عدن 1290 م وإشتهر ميخائيل السرياني وإبن العبري في القرن الثالث عشر الميلادي وأطلق عليه دار معارف القرن الثالث عشر،

ودخل الأدب السرياني مرحلة الخمول والهبوط لأسباب سياسية بعد غزو المغول والتتر لبلاد النهرين. وهناك أفراد قليلون يمكن ذكرهم في القرن الخامس عشر وحتى القرن التاسع عشر ومنهم البطريرك يوسف الثاني والقس خدر الموصلي وبهنام الأول 1455 م الذي كان عالماً كبيراً، وبدأ بعد القرن التاسع عشر عهداً جديداً من الآداب السريانية وبرز فيه  البطريرك مار أفرام برصوم الأول 1945 الذي جمع في كتابه الموسوم اللؤلؤ المنثور كل روائع الأدب السرياني وعلومهم على يد العلماء السريان منذُ ظهورهم في عمق التاريخ إلى عام 1945 وإستمدّ هذه المادة من المتاحف والمكتبات العالمية والعربية والمطران  مار أدّي شير والمطران توما أودو ويعقوب أوجين منّا ومن السريان الغربيين نعوم فائق ويعقوب ساكا وميخائيل مراد والمطران بولص بهنام وعلى يد هؤلاء علا شأن الأدب السرياني مرة أخرى وظهرت بوادر نهضة جديدة لا زالت مستمرة حتى وقتنا الحاضر. ومن الممالك والمدن التي كانت حاضنة للثقافة المشرقية أو السريانية، مملكة الرها، مملكة حدياب، مدينة نصيبين، مدينة جنديشابور، مملكة الحيرة، بصرى والجابية، مدينة رصافا أو سرجيوبوليس.

الزمكانية وأثرها على القصاصين السريان

الإطار الزمني في القصة يتّضح عند السريان منذ الوهلة الأولى فبواسطة الزمن تتوضح الحركة ويتمّ إظهار الأحداث وإتّصال بعضها ببعض بغير لبس ولا غموض حيث كان الكاتب السرياني يصور نقل الحوادث المستحدثة من واقع الحياة أو المخيلة بعد أن ينسق بين جزيئاتها المختلفة ويعمل فيها فنه وإبداعه لتأتي القصة نابضة بالحركة والحياة. والحركة في العمل القصصي تقوم على نقطة إبتداء ونقطة إنتهاء وغالباً ما تكون نقطة البداية تختلف عن نقطة النهاية. فالزمان يحدّدُ الفترة الزمنية التي تدورُ فيها أحداث القصة، سواء كانت ماضية أو حاضرة أو مستقبلية. ومن خلال الزمان تتشكّل تسلسل الأحداث وتطورها، حيث يُحددُ متى تبدأ؟ ومتى تنتهي؟، وما هي الفترة الزمنية التي تفصل بينهما، ويشملُ الزمان: 1- الزمن التاريخي: مثل زمن الحرب العالمية الأولى، 2- الزمن السردي: هو زمن الأحداث كما تُروى في الرواية، وقد يكونُ خطياً أو دائرياً أو متشعباً. 3- الزمن النفسي: هو الزمن الذي يَحُسُ بهِ الشخصيات، وقد يختلف عن الزمن السردي، أمّا المكان هو الفضاء الذي تدورُ فيه أحداث الرواية، ويشمل: 1- المكان الجغرافي: مثل مدينة القاهرة، أو قرية نائية، 2- المكان الإجتماعي: مثل الطبقة الإجتماعية التي تنتمي إليها الشخصيات، 3- المكان النفسي: الذي تشعرُ به الشخصيات، وقد يكونُ مكاناً داخلياً أو خارجياً، وتظهرُ براعة الكاتب في إستخدامه الزمان والمكان لخلق جو من السحر والواقعية للقارىء. تُعد اللغة والقصة السريانية جزءاً لا يتجزأ من التراث الثقافي لشعوب الشرق الأوسط، ولها دور هام في الحفاظ على الهوية والتاريخ، بالإضافة إلى تأثيرها على مجالات متنوعة مثل الأدب والترجمة واللاهوت، اللغة السريانية هي ركيزة أساسية في الحفاظ على الهوية الثقافية للآشوريين / السريان / الكلدان، حيث تعتبرُ وسيلة لنقل التراث والتقاليد من جيل إلى جيل. لعبت القصة السريانية دور مهم في نقل المعرفة من اليونانية إلى العربية، حيث تم ترجمة العديد من النصوص اليونانية الهامة إلى السريانية، إنّ تأثير القصة السريانية شملت مجموعة متنوعة من النصوص الدينية والأدبية، بما في ذلك النصوص الكتابية واللاهوتية والشعر والنثر، تحملُ القصة السريانية تراثاً غنياً من القصص والأساطير، والتي تعكسُ جوانب من ثقافة وتقاليد الشعب السرياني.

القاص السرياني يبدع أدباً قصصياً مضمّخاً بسماته المحلية دون أن يخاصم القيم الإنسانية الشاملة بل يتفاعل معها في الجوانب الإيجابية.  وأنّ الحديث عن المكان غير موَشّى بزمان أمر يرفضه العمل الفني ذاته بإعتباره كلاً لا يقبل التجزئة أو التشريح شغل القاص السرياني برصد المكان بإعتباره مؤثراً فكرياً يلعب دوراً فاعلاً في تشكيل الذاكرة الجماعية للمنتمين إليه، وغني برصد تجلّياته في فضاء السرد، وموقف شخوصه منه إستجابة أو تمرّداً  أو خنوعاً، وهي عناية تجلّت منذ الولادة الأولى لفنّ القص لديه، وبدت عبر صور متعددة وأطوار فنية متعاقبة. وقد إخترتُ قصّة من قصص الشاعر والقاص السرياني الآشوري د.  روبن بيت شموئيل عن مجموعته ” أحلام تبحثُ عن رأس” قصّة الرفش  كنموذج لبحثي وترجمته من اللغة السريانية إلى العربية.

 

………………………

 

رفش (مذرية)

روبن بيت شاموئيل

حملَ رفشتهُ (مذريتهُ) على كتفه، ومنجله على خاصرته (جنبه) وشدّها بإحكام على عظام ظهره، وعيناهُ تحدّقان بنظرات حادة نحو الأفق (العقار). هناك دجاجاتٌ وبعض الديكة توصوصُ من بعيد، وكلابٌ أخرى خارج القرية تؤمّن طريقهُ بدون نباح، بكل خطوة وإجتياز وهي تتقدّمه، كانت رفشتهُ تتقدّم وتصل هدفه قبل وصوله إلى المكان الذي كان يبتغيه.

– الله يعطيك ويمنحك القوة يا عمي (أبروهوم).

* أبوك وأمّك في الجنّة (محمد).

– لماذا أنت إلى هذه الدرجة تثرثرُ وتزعجُ نفسك هكذا(بتملّق) وإعجاب، لا أحد يستطيع أن يرجع أوقات السقي في الكنيسة. اليوم الساقية كلّها أمامك.

* هكذا هي يا إبن عمّي، ممتلكات الكنيسة المؤمنة هي من مكاسبنا وأن نتمتّع بها لأنّها منافعنا وينبغي أن لا ندع لحظة واحدة تعبرُ على نوبة الكنيسة.

– ها يا شورايا ها.. أنت تنصتُ من بين دفّات الكتب المقدّسة لتستجيب خدمة الله ولوعدهِ الذي لم يأت للظهور والرؤية.

– لا أرى أحداً يعمل في الساقية (يا نيسان).

* لكن قد وقعت عيناي على عمّي (أبروهوم) وهو نازلٌ ومستمرٌ بالسقي.

– مسكين عمي (أبروهوم) أنّه يسجد للأرض والأصل سجوداً. وعندما فتح مجرى الساقية قلتُ في نفسي أنّ الدم الجديد ما زال يجري في عروقه وشرايينه.

آلام ومصائب الوطن وهمومه لم تمنعه أو توقف أكتافه من (حضن توأمهُ (الرفش).

* لا تتعب قلبك يا خالي أوشعنا: عمي (أبروهوم) ما زال في قوته.

– لو لم يكن هناك غرباء ساكنون في بلدتنا: إنّ عمّك أبروهوم لما كان يشيبُ أبداً بهذه السرعة ولن يصيبهُ أيّ مكروه.

* أتعلم كم يؤلمني قلبي مراراً ويقلق أملي ومصيري عندما أنظر بوجوه الوجهاء الشيوخ الباقين في الوطن وأقول: رأيتُ آثار وعلامات الموت في الوطن ولم أرَ علامات الحياة الحقّة.

فإنّها تدلّ وترمزُ إلى نقصان شبابها. ومرة ثانية قال: أغلب بلداتنا قد إبيضّت أغصانها (شعرها).

مياه تبذّر بلا هوادة وبلا نظام وبإسراف. هناك بعض السواقي تسبحُ في الماء، وبعض ممدودون أمام أشعة الشمس يُغطّون بغطاء الملاءة (الجودلية) الملونة بالطين والحصى كبذور الله. وطيور الأرض الكثيرة تركع لتشرب الماء وتسبّح للسماء. إنخفاض العقار لم يكن كعادته مثل ذلك الفجر التشريني.. ذلك الجزء الصغير من الساقية التي تمرّ في البلدة كان يجتاز أمام بوّابة حديقة الكنيسة.

وكان يغيّرُ ويبدّلُ واجبهُ في ذلك الفجر الذي لا يُنسى! لم تكاد أن تحمل الماء من بطنها كشريعة الله! كان ينقصها فرش واحد ليغطّي جسد عمّي (أبروهوم) الذي كان نائماً ممدوداً منهُ النوم الأخير ورفشتهُ كانت منتصبة على صدره. وندبة جرح أحمر يسيلُ من خلف رأسه حتى إحمرّت ضمائر الرجال الحيّة. ومياه مباركة منذ زمن الرسل نمت وكبرت من ترس الساقية، كان يغسلُ جسدهُ المتصلّب (المتخشّب)، وبشرف يمتزج دمهُ كالرضيع تُشرّبهُ بشفاه التاريخ الصائم. ولحسن الحظ كانت مقدّمة حافة الساقية مقابلة لإرتخاء وتشتيت اليوم.

الوقت المخصّص للكنيسة قد مضى. والحياة على أراضيها بدأت (دبّت) والشمسُ من الشرق تغرّبت، الناقوس قد دقّ ضربات متقطّعة في ذكرى أحد الرجال المؤمنين الذي كان يعمل ضمن أوقاف  وممتلكات الكنيسة لمدّة نصف قرن تقريباً ولم يصل صدى الناقوس على مدى الآذان ولا إلى البلدة. كان رجلاً بارداً ضعيفاً وبريئاً لذلك سكتت الجبال له إبتهلت الأصوات بخطوات دقيقة ومحرجة التي كانت تقطع الجبال ولم يقدروا أن يبكوا على إبنهم الشرعي. في ذلك الفجر لبست القرية كلّها الحزن: حيثُ حمامات بيضاء لم تطير في ذلك اليوم الحزين وزميلاتها بقيت تحلّقُ متنقّلة ما بين الساقيات وعلى سطوح أخرى.

الطرق لم تعد تنقلُ أصحابها إلى بيوتهم. كل صفات وخصوصيات البلدة قد تبدّلت وأصبحت هويتها: وحدها أصبحت متّصلة ومتعلّقة بحجارة قبورها. وبعد أيّام قليلة بدأ أعداء الحياة يأخذون الرفشة الحمراء من على صدر عمّي (أبروهوم) بينما كان يبتهجُ بدمه التي لم يحملها على أكتافه كحكم الطبيعة: وبأكتافه هذه لم يكن متعوّداً حمل حاجيات وأدوات الحياة ولكن كان متعوّداً ومتعلّماً على حمل بندقية (كلاشنكوف) فقط. وبدأ قاتلي عمّي أبروهوم بالصلاة على فرش حجر قبره وهم يحدّقون طويلاً إلى ذلك المسجد رمز المسلمين.

 

كتبت في بغداد / 1998 – بطل القصّة أبروهوم.

عن الکاتب / الکاتبة

کریم اینا
کریم اینا
کاتب . شاعر / العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


أثر الزمان والمكان في قصص السريان

بقلم: کریم اینا | التاريخ: 17 أكتوبر 2026

التصنيف: النقد الأدبي

 

مقدمة

يكتسب الأدب هويته القومية ممّا يعتمد عليه من لغة.. ويتمثل من نماذج.. ويترجم إلى أوضاع ويصوّر من ملامح البيئة التي يوجد فيها.

وبقدر ما يكون الأدب أصيلاً واعياً بقدر ما تنفرد به بيئته وتتعدًد أرضه وطبوغرافيته وتاريخه مساراً ومنجزاً حضاريينْ. بقدر ما تكون رسالة الأمة إلى غيرها من الأمم ونافذة تطلّ الأمم الأخرى على موجود هذه الأمة ووعيها الاجتماعي ودورها الحضاري.

والقصة كما نعلم هي إحدى فنون الأدب يصنعها الواقع أو يخترعها الخيال وهي بهذا لا تعرض علينا الواقع كما تعرضه كتب التاريخ والسير وإنما تبسط أمامنا صورة مموّهة منه ولا يفرض في الكاتب الذي يتجه اتجاهاً واقعياً في قصته أن يعرض علينا من الحوادث ما سبق وقوعه فعلاً، أو ما ثبتت صحته بالوثائق والمستندات ولا من الشخصيات ما له ذكرى في سجل المواليد والوفيات، ولكن على القاص أن يضعنا في مكان حدوث مثل هذه الحوادث ووجود مثل هذه الشخصيات في الحياة التي نحياها ونعرفها. فالسرد يعني تتبع حدث أو مجموعة أحداث ونقلها من شخص إلى آخر، وأكثرية القصص تحملُ في مضمونها رسالة أو عبرة أو معلومة يصل إليها القارىء في نهاية القصة.

الحقيقة الزمانية والمكانية للقصة

بيئة القصة في حقيقتها الزمانية والمكانية، هي كل ما يتّصل بوسطها الطبيعي وبأخلاق الشخصيات وشمائلهم، وأساليبهم في الحياة. وقد لا تختلف بيئة القصة أحياناً عن المؤثرات المسرحية التي يعتمد عليها الكاتب المسرحي لتساعده على إبراز الشخصيات وتحريكها بحيوية ونشاط.

وهكذا فإنّ البيئة القصصية هي الجو إذا ما تحدّثنا بلغة الفن وهي المحيط إذا إستعرضنا مصطلحات العلوم.

والكاتب يستعين في رسم بيئة قصته بالوسائل نفسها التي يستعين بها في سرد الحوادث أو رسم الشخصيات وهو يلتقطها كما يلتقط هذه بالملاحظة والمشاهدة أو من خلال قراءاته الخاصة، أو ينسجها بخياله نسجاً مسلطاً عليه قوة الاختراع والإبداع معتمداً على ما يلتقطهُ أثناء تجاربه في الحياة. وليس الأمر كذلك في القصص التاريخية فإن الكاتب هنا يبحث عن بيئة في كتب التاريخ حيث يعثر على أوصاف البيئة الطبيعية والإجتماعية، وحيث يلتقط أوصاف الملابس وأخلاق الناس وعاداتهم في تلك الفترة وهو لا يتقيّد بها تماماً إنّما يستعينُ بها على تصوّرِ الفترة  ويترك لخياله اللمسات الفنية الأخيرة الساحرة التي تصهر هذه المادة وتمزجها مزجاً تاماً وتحيلها إلى مهاد ملائم تتحرك عليه الحوادث وتسعى فيه الشخصيات.

ويتجه بعض الكتاب إلى البيئة المحلية ويعتنون بها أعظم عناية ويحاولون أن يعكسوا أثر البيئة الطبيعية التي يحيون بها. وقد يتجهون إلى تصوير طبقة معينة من الناس. ومهما يكن من أمر فلابّد للكاتب أن يعي البيئة وعياً تاماً وأن يتبيّن  تفاعلها مع الشخصيات مؤثرة كانت أم متأثرة وهناك كثير من القصص التي تستمد روعتها من تصويرها الصادق لبيئة من البيئات أو لطبقة من الطبقات الاجتماعية ومن هذا النوع قصص نجيب محفوظ ويحيى حقي. هناك شواهد رئيسية تتعلّقُ بمفهوم الزمان والمكان عند سكان وادي الرافدين القدماء وذلك إنطلاقاً من الوثائق المادية المتجسدة في الأدبيات المكتوبة بالمسمارية، ومنها ما يتعلّق بالأدبيات ذات الطابع الأسطوري، وهناكَ رُقيم طيني أكتشفَ مؤخراً وهو من الرقم المكملة لأسطورة أثرخاسيس، وأيضاً لهُ علاقة بقصة الطوفان. وملخص أسطورة أثرخاسيس بعد ترجمة “جان بوتيرو” هو البحث في أصل الإنسان ومعنى الوجود البشري والحياة البشرية. إنّ إنتهاء قصّة طوفان تمثلُ الأرض كوحدة مكانية منظمة ومشتركة، ذلك ولأنّهُ كما تعكسهُ الأسطورة يمثلُ أداة أو آلة النجاة وسلاحه، تحتَ تصرّف أوتونابشتم ومعيته. وأيضاً أسطورة الخليقة ( الإينوماإيليش).

القصة السريانية وتطوّرها

القصة السريانية من الآداب السريانية التي ورثها الإنسان الرافديني من أجداده عن طريق الحكايات الشفهية والتراث الشعبي أو عن طريق الملاحم والأساطير وإستمدّت قدمها من قدم الأدب نفسه، والأدب السرياني ورث القصة من أجداده القدماء وهم الآشوريون والبابليون وقبلهم السومريون والأكديون وقد وردت حكايات وقصص قديمة في أسفار العهد القديم،  ثم أخذت طابعاً أرامياً سريانياً بعد إشراق نور الإنجيل في منطقة بيث نهرين. وبعد هذه الحقبة أخذت القصة تأخذ طابعاً دينياً بعد القرون الأولى المسيحية وقسم من هذه القصص أتّصل بالمرحلة الأولى التبشيرية للدين المسيحي في الرها، كما هو الحال في سيرة مار أدّي وقصّة منديل المسيح لهُ المجد والملك أبجر.

يمكن تقسيم مراحل تطور القصة السريانية نسبة إلى الفترة التي مرت بها إلى قسمين:

الأول:- قبل انتشار المسيحية والثاني:- بعد إنتشار المسيحية  فمنها ما هو قيم جداً لصلتها بكبار المفكرين وأصحاب العبقريات فقد تطورت القصة منذ تلك الفترة ومن أبرز تلك النماذج قصص ومقطوعات أدبية منها: فيضان نهر ديصان / خطاب مارا بن سرابيون / حكم وأمثال وقصّة حياة أحيقار / كتابات حدياب الحرّاني. خلال القرون الميلادية الأولى، تُعبرُ عن ولادة جديدة نتيجة تراكم حضاري عميق وواسع ممّا خلّفتهُ الحضارات التي قامت أو أثرت في تلك المنطقة، وخاصة الآشورية والبابلية والآرامية واليونانية، يضاف إليها نشوء أدب ديني يهودي متقدّم من خلال ( 39) سفراً في التوراة عدا تفاسيرها،

إنّ أقدم نصوص القصص الآرامية السريانية إطلاقاً والتي لا مجال للشك فيها “أحيقار كاتب الملك الآشوري سنحاريب وحامل أختامه” سجلها بخط آرامي على أحدى عشرة ورقة من البردي عثر عليها سنة 1908 في جزيرة الفيلة قرب أسوان وهي ترقى إلى القرن الخامس ق.م وهي من أروع القصص الحكمية في الشرق. مراحل تطور القصة السريانية بدأت بجذورها في الأدب الآرامي القديم، ثمّ تطوّرت مع إنتشار المسيحية وظهور اللغة السريانية كلغةٍ أدبية رئيسية في المنطقة، شهدت تطوراً في العصور الوسطى، مع ظهور كتابات فلسفية ولاهوتية هامة، ثمّ تراجعت مع إنتشار اللغة العربية،

أصل الأدب السرياني:

1- الجذور الآرامية:

تعودُ أصول الأدب السرياني إلى الأدب الآرامي القديم، وتحديداً في القرن الخامس ق.م مع قصّة أحيقار.

2- الرها كمركز أدبي:

إزدهرت القصة السريانية بإزدهار اللغة السريانية في الرها ( إديسا) وأصبحت مركزاً هاماً للأدب المسيحي، حيث ترجمت الأناجيل والعديد من النصوص الدينية إلى السريانية.

3- العصر الذهبي:

شهدت الفترة بين القرنين الرابع والسادس الميلادي إزدهاراً للأدب السرياني، مع ظهور كتابات فلسفية ولاهوتية هامة مثل كتابات يعقوب السروجي وأفرام السرياني.

4- التأثير العربي:

مع إنتشار الإسلام واللغة العربية، بدأت اللغة السريانية بالتراجع تدريجياً كلغة محكية، لكنّها إستمرت كلغة كنسية وأدبية.

5- النهضة الحديثة:

شهدت اللغة السريانية نهضة في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، حيث ظهرت مطابع وصحف باللغة السريانية، ممّا ساهم في إحياء الأدب السرياني.

6- الأدب السرياني المعاصر:

يُواصلُ الأدباء السريان كتابة القصص والروايات والأشعار باللغة السريانية، مستلهمين من التراث السرياني ومواكبة القضايا المعاصرة. واللغة السريانية هي لغة مقدسة لدى المسيحيين السريان، وهناكَ لهجتان رئيسيتان للغة السريانية: اللهجة الشرقية ( الآثورية / الكلدانية) واللهجة الغربية ( الآرامية).

7- الصحافة السريانية:

كان للصحافة السريانية دور هام في تطوير اللغة والأدب السرياني، خاصة القصة السريانية حيث أتاحت منصة للنشر والتعبير.

8- التهديدات:

تعرّض الأدب السرياني واللغة السريانية للتهديد بسبب الحروب والصراعات والتهجير، ممّا أدّى إلى تراجع عدد المتحدثين بها.

9- الجهود المبذولة:

هُناك جهود مستمرة للحفاظ على اللغة السريانية وتراثها، من خلال التعليم والترجمة والنشر.

منحت الآداب السريانية صورة مشرقة للشعوب ما بينَ النهرين، فالأدب السرياني هو تحول جديد في الآداب الآرامية والبابلية القديمة، والصور التي تتكرر هي الصور نفسها في الآداب الآرامية، كقصة أحيقار، وملحمة كلكامش، وأساطير إنانا، وقصة الراعي والفلاح وملاحم أخرى في أسطورة (عشتار) التي نالت شهرتها في أربيل وبابل ونينوى ومناطق أخرى في بلاد ما بينَ النهرين، الأدب السرياني كانَ يُعرف ما قبلَ الميلاد بالأدب الآرامي، ومن ضمن الآداب السريانية يظهر شاعر كبير برديصان هو أولّ من كتب الشعر باللغة السريانية، وأنشأ مدرسة في مدينة ( الرها)،

 

 

نشأة القصة السريانية

يعتبر الأدب السرياني الوريث الشرعي للأدب الآرامي. وللقصة مكانة في الأدب الآرامي تعود إلى العصور القديمة حيث وجدت اللغة الآرامية ميداناً فسيحاً لها في الشرق الأدنى القديم وبرزت قصة أحيقار الحكيم في زمن سنحاريب الملك الآشوري، ثم أبنه أسرحدون في حدود 681 – 669 ق.م.

وهناك قصص أقدم من هذا التاريخ مثل قصة الخليقة والفردوس وقصة الإنسان الأول وقصة الطوفان وقصة تمرّد الشيطان وقصة الملك أطنا ملك كيش الذي نقل إلى السماء على أجنحة النسر. وقد إستفادت البشرية من هذه القصص في تكوين المعرفة والحكمة منذ الأزمنة السابقة واللاحقة أما قصة كلكامش التي كتبت في الألف الرابع ق.م فلها أثرها في المعاني الإنسانية وأصبح بطلها ( أنكيدو) رمزاً لقوة الإنسان وعظمته وتقرير مصيره ثم كفاحه من أجل البقاء والخلود وبذلك أصبحت مصدراً للحكمة والمعرفة.

وكل هذه القصص هي إنجازات خالدة في تاريخ البشرية وغرس روح الإيمان لدى الإنسان بعظمة الخالق والوحدانية الإلهية ووحدة العائلة البشرية ملؤها السلام والمحبة والألفة.

بعد سقوط  دولة بابل  سنة (539ق.م ) وآشور سنة (612 ق.م )  وقعت الأمة السريانية تحت نير الغرباء وإنقسمت تلك الأمة إلى أمة ثقافية دينية وتحولت إلى ممالك ودويلات آرامية صغيرة على الرغم من توحيد هذه الأمة وذلك بالتعاون بين الآراميين والآشوريين في القرن الثالث عشر ق.م والموجة الأخيرة لها كانت دولة أبجر في الرها وحرّان وحدياب وتدمر والأنباط والخليل في لبنان.

وقد أثرت هذه الموجات المتعاقبة على الأدب وفنونه وأصبح الأدب السرياني بعد القرن الثاني الميلادي ذا شأن وذلك لظهور بعض القصص من مؤلفات برديصان 154 – 222 م ومار ماروثا المافارقيني 350 – 420 م الذي إهتمّ بجمع القصص التي رُويت لهُ أو كتبت عنهم في مختلف الأماكن.

بدأت القصة السريانية في القرن الخامس الميلادي تهتم بالنواحي الدينية ومنه ما يتصل بالتبشير في الرها كما هو الحال في سيرة ما أدّي ومار ماري عند إنتشار المسيحية في بلاد السريان وما هو متصل بقصص الكتاب المقدس “العهد القديم والعهد الجديد”.

وهناك قصص نشأت أساساً في الرها مثل مغارة الكنوز ويوسف الصديق وإنتشرت في الغرب عن طريق اليونانيين واللاتين مثل قصة الكسيوس وقصة شفاء قسطنطين من داء البرص وقصة أهل الكهف وقصة برلام يوسف.

وهناك قصص أخرى دخلت إلى السريانية عن طريق اليونان كالأوديسا والألياذة لهوميروس الأعمى والشاهنامة للفيروزي، ومثل قصة إكتشاف الصليب سنة 312م من قبل الملكة هيلانه وإبنها الملك قسطنطين وقصّة مريم وقصص الشهداء. أما قصة مغارة الكنوز فيقال أن آدم إختبأ فيها بعد طرده من الجنة وقصة برلام تعتبر من أشهر القصص في العصور الوسطى في عصر السريان الذهبي وإشتهرت بفضل إتجاهها الأدبي والأخلاقي وعن طريق اليونان وصلت إلى الغرب ثم نقلت إلى الحبشة وأرمينيا ونقلَ النص اليوناني يوحنا الدمشقي أما قصة هيلانة وعثورها على الصليب فهي قصة سريانية إنتقلت إلى الشرق والغرب وإستخدمت الكثير من المسائل الجدلية أما قصة مريم فقد وضعت بالسريانية في نصيبين وفي نصوص مختلفة حوالي (500 م) وقد تأثرت بقصة أبجر أوكومو ملك الرها.

دخل الأدب السرياني فترة الركود ابتداءً من القرن العاشر وحتى القرن الرابع عشر إلا أنه ظهرت كتابات عديدة في تلك الفترة حاولت التخلص من هذا الضغط الشديد من قبل العربية على السريانية فوضع سليمان البصري كتاب النحلة وبرزت مقالات شعرية لخاميس قرداحي وكيوركيس ووضع عبد يشوع الطوباوي كتاب فردوس عدن 1290 م وإشتهر ميخائيل السرياني وإبن العبري في القرن الثالث عشر الميلادي وأطلق عليه دار معارف القرن الثالث عشر،

ودخل الأدب السرياني مرحلة الخمول والهبوط لأسباب سياسية بعد غزو المغول والتتر لبلاد النهرين. وهناك أفراد قليلون يمكن ذكرهم في القرن الخامس عشر وحتى القرن التاسع عشر ومنهم البطريرك يوسف الثاني والقس خدر الموصلي وبهنام الأول 1455 م الذي كان عالماً كبيراً، وبدأ بعد القرن التاسع عشر عهداً جديداً من الآداب السريانية وبرز فيه  البطريرك مار أفرام برصوم الأول 1945 الذي جمع في كتابه الموسوم اللؤلؤ المنثور كل روائع الأدب السرياني وعلومهم على يد العلماء السريان منذُ ظهورهم في عمق التاريخ إلى عام 1945 وإستمدّ هذه المادة من المتاحف والمكتبات العالمية والعربية والمطران  مار أدّي شير والمطران توما أودو ويعقوب أوجين منّا ومن السريان الغربيين نعوم فائق ويعقوب ساكا وميخائيل مراد والمطران بولص بهنام وعلى يد هؤلاء علا شأن الأدب السرياني مرة أخرى وظهرت بوادر نهضة جديدة لا زالت مستمرة حتى وقتنا الحاضر. ومن الممالك والمدن التي كانت حاضنة للثقافة المشرقية أو السريانية، مملكة الرها، مملكة حدياب، مدينة نصيبين، مدينة جنديشابور، مملكة الحيرة، بصرى والجابية، مدينة رصافا أو سرجيوبوليس.

الزمكانية وأثرها على القصاصين السريان

الإطار الزمني في القصة يتّضح عند السريان منذ الوهلة الأولى فبواسطة الزمن تتوضح الحركة ويتمّ إظهار الأحداث وإتّصال بعضها ببعض بغير لبس ولا غموض حيث كان الكاتب السرياني يصور نقل الحوادث المستحدثة من واقع الحياة أو المخيلة بعد أن ينسق بين جزيئاتها المختلفة ويعمل فيها فنه وإبداعه لتأتي القصة نابضة بالحركة والحياة. والحركة في العمل القصصي تقوم على نقطة إبتداء ونقطة إنتهاء وغالباً ما تكون نقطة البداية تختلف عن نقطة النهاية. فالزمان يحدّدُ الفترة الزمنية التي تدورُ فيها أحداث القصة، سواء كانت ماضية أو حاضرة أو مستقبلية. ومن خلال الزمان تتشكّل تسلسل الأحداث وتطورها، حيث يُحددُ متى تبدأ؟ ومتى تنتهي؟، وما هي الفترة الزمنية التي تفصل بينهما، ويشملُ الزمان: 1- الزمن التاريخي: مثل زمن الحرب العالمية الأولى، 2- الزمن السردي: هو زمن الأحداث كما تُروى في الرواية، وقد يكونُ خطياً أو دائرياً أو متشعباً. 3- الزمن النفسي: هو الزمن الذي يَحُسُ بهِ الشخصيات، وقد يختلف عن الزمن السردي، أمّا المكان هو الفضاء الذي تدورُ فيه أحداث الرواية، ويشمل: 1- المكان الجغرافي: مثل مدينة القاهرة، أو قرية نائية، 2- المكان الإجتماعي: مثل الطبقة الإجتماعية التي تنتمي إليها الشخصيات، 3- المكان النفسي: الذي تشعرُ به الشخصيات، وقد يكونُ مكاناً داخلياً أو خارجياً، وتظهرُ براعة الكاتب في إستخدامه الزمان والمكان لخلق جو من السحر والواقعية للقارىء. تُعد اللغة والقصة السريانية جزءاً لا يتجزأ من التراث الثقافي لشعوب الشرق الأوسط، ولها دور هام في الحفاظ على الهوية والتاريخ، بالإضافة إلى تأثيرها على مجالات متنوعة مثل الأدب والترجمة واللاهوت، اللغة السريانية هي ركيزة أساسية في الحفاظ على الهوية الثقافية للآشوريين / السريان / الكلدان، حيث تعتبرُ وسيلة لنقل التراث والتقاليد من جيل إلى جيل. لعبت القصة السريانية دور مهم في نقل المعرفة من اليونانية إلى العربية، حيث تم ترجمة العديد من النصوص اليونانية الهامة إلى السريانية، إنّ تأثير القصة السريانية شملت مجموعة متنوعة من النصوص الدينية والأدبية، بما في ذلك النصوص الكتابية واللاهوتية والشعر والنثر، تحملُ القصة السريانية تراثاً غنياً من القصص والأساطير، والتي تعكسُ جوانب من ثقافة وتقاليد الشعب السرياني.

القاص السرياني يبدع أدباً قصصياً مضمّخاً بسماته المحلية دون أن يخاصم القيم الإنسانية الشاملة بل يتفاعل معها في الجوانب الإيجابية.  وأنّ الحديث عن المكان غير موَشّى بزمان أمر يرفضه العمل الفني ذاته بإعتباره كلاً لا يقبل التجزئة أو التشريح شغل القاص السرياني برصد المكان بإعتباره مؤثراً فكرياً يلعب دوراً فاعلاً في تشكيل الذاكرة الجماعية للمنتمين إليه، وغني برصد تجلّياته في فضاء السرد، وموقف شخوصه منه إستجابة أو تمرّداً  أو خنوعاً، وهي عناية تجلّت منذ الولادة الأولى لفنّ القص لديه، وبدت عبر صور متعددة وأطوار فنية متعاقبة. وقد إخترتُ قصّة من قصص الشاعر والقاص السرياني الآشوري د.  روبن بيت شموئيل عن مجموعته ” أحلام تبحثُ عن رأس” قصّة الرفش  كنموذج لبحثي وترجمته من اللغة السريانية إلى العربية.

 

………………………

 

رفش (مذرية)

روبن بيت شاموئيل

حملَ رفشتهُ (مذريتهُ) على كتفه، ومنجله على خاصرته (جنبه) وشدّها بإحكام على عظام ظهره، وعيناهُ تحدّقان بنظرات حادة نحو الأفق (العقار). هناك دجاجاتٌ وبعض الديكة توصوصُ من بعيد، وكلابٌ أخرى خارج القرية تؤمّن طريقهُ بدون نباح، بكل خطوة وإجتياز وهي تتقدّمه، كانت رفشتهُ تتقدّم وتصل هدفه قبل وصوله إلى المكان الذي كان يبتغيه.

– الله يعطيك ويمنحك القوة يا عمي (أبروهوم).

* أبوك وأمّك في الجنّة (محمد).

– لماذا أنت إلى هذه الدرجة تثرثرُ وتزعجُ نفسك هكذا(بتملّق) وإعجاب، لا أحد يستطيع أن يرجع أوقات السقي في الكنيسة. اليوم الساقية كلّها أمامك.

* هكذا هي يا إبن عمّي، ممتلكات الكنيسة المؤمنة هي من مكاسبنا وأن نتمتّع بها لأنّها منافعنا وينبغي أن لا ندع لحظة واحدة تعبرُ على نوبة الكنيسة.

– ها يا شورايا ها.. أنت تنصتُ من بين دفّات الكتب المقدّسة لتستجيب خدمة الله ولوعدهِ الذي لم يأت للظهور والرؤية.

– لا أرى أحداً يعمل في الساقية (يا نيسان).

* لكن قد وقعت عيناي على عمّي (أبروهوم) وهو نازلٌ ومستمرٌ بالسقي.

– مسكين عمي (أبروهوم) أنّه يسجد للأرض والأصل سجوداً. وعندما فتح مجرى الساقية قلتُ في نفسي أنّ الدم الجديد ما زال يجري في عروقه وشرايينه.

آلام ومصائب الوطن وهمومه لم تمنعه أو توقف أكتافه من (حضن توأمهُ (الرفش).

* لا تتعب قلبك يا خالي أوشعنا: عمي (أبروهوم) ما زال في قوته.

– لو لم يكن هناك غرباء ساكنون في بلدتنا: إنّ عمّك أبروهوم لما كان يشيبُ أبداً بهذه السرعة ولن يصيبهُ أيّ مكروه.

* أتعلم كم يؤلمني قلبي مراراً ويقلق أملي ومصيري عندما أنظر بوجوه الوجهاء الشيوخ الباقين في الوطن وأقول: رأيتُ آثار وعلامات الموت في الوطن ولم أرَ علامات الحياة الحقّة.

فإنّها تدلّ وترمزُ إلى نقصان شبابها. ومرة ثانية قال: أغلب بلداتنا قد إبيضّت أغصانها (شعرها).

مياه تبذّر بلا هوادة وبلا نظام وبإسراف. هناك بعض السواقي تسبحُ في الماء، وبعض ممدودون أمام أشعة الشمس يُغطّون بغطاء الملاءة (الجودلية) الملونة بالطين والحصى كبذور الله. وطيور الأرض الكثيرة تركع لتشرب الماء وتسبّح للسماء. إنخفاض العقار لم يكن كعادته مثل ذلك الفجر التشريني.. ذلك الجزء الصغير من الساقية التي تمرّ في البلدة كان يجتاز أمام بوّابة حديقة الكنيسة.

وكان يغيّرُ ويبدّلُ واجبهُ في ذلك الفجر الذي لا يُنسى! لم تكاد أن تحمل الماء من بطنها كشريعة الله! كان ينقصها فرش واحد ليغطّي جسد عمّي (أبروهوم) الذي كان نائماً ممدوداً منهُ النوم الأخير ورفشتهُ كانت منتصبة على صدره. وندبة جرح أحمر يسيلُ من خلف رأسه حتى إحمرّت ضمائر الرجال الحيّة. ومياه مباركة منذ زمن الرسل نمت وكبرت من ترس الساقية، كان يغسلُ جسدهُ المتصلّب (المتخشّب)، وبشرف يمتزج دمهُ كالرضيع تُشرّبهُ بشفاه التاريخ الصائم. ولحسن الحظ كانت مقدّمة حافة الساقية مقابلة لإرتخاء وتشتيت اليوم.

الوقت المخصّص للكنيسة قد مضى. والحياة على أراضيها بدأت (دبّت) والشمسُ من الشرق تغرّبت، الناقوس قد دقّ ضربات متقطّعة في ذكرى أحد الرجال المؤمنين الذي كان يعمل ضمن أوقاف  وممتلكات الكنيسة لمدّة نصف قرن تقريباً ولم يصل صدى الناقوس على مدى الآذان ولا إلى البلدة. كان رجلاً بارداً ضعيفاً وبريئاً لذلك سكتت الجبال له إبتهلت الأصوات بخطوات دقيقة ومحرجة التي كانت تقطع الجبال ولم يقدروا أن يبكوا على إبنهم الشرعي. في ذلك الفجر لبست القرية كلّها الحزن: حيثُ حمامات بيضاء لم تطير في ذلك اليوم الحزين وزميلاتها بقيت تحلّقُ متنقّلة ما بين الساقيات وعلى سطوح أخرى.

الطرق لم تعد تنقلُ أصحابها إلى بيوتهم. كل صفات وخصوصيات البلدة قد تبدّلت وأصبحت هويتها: وحدها أصبحت متّصلة ومتعلّقة بحجارة قبورها. وبعد أيّام قليلة بدأ أعداء الحياة يأخذون الرفشة الحمراء من على صدر عمّي (أبروهوم) بينما كان يبتهجُ بدمه التي لم يحملها على أكتافه كحكم الطبيعة: وبأكتافه هذه لم يكن متعوّداً حمل حاجيات وأدوات الحياة ولكن كان متعوّداً ومتعلّماً على حمل بندقية (كلاشنكوف) فقط. وبدأ قاتلي عمّي أبروهوم بالصلاة على فرش حجر قبره وهم يحدّقون طويلاً إلى ذلك المسجد رمز المسلمين.

 

كتبت في بغداد / 1998 – بطل القصّة أبروهوم.