يتصدر السرد الان في العراق ، ويتغلب على التلقي الشعري ، لاسباب في مقدمتها تراجع شعرية المتلقي ، ومكنة القراء ، وثبات الشعر نحو الغموض ، وشيوع قصيدة النثر ، وتسارع الأحداث ، مما يوفر مساحة الموضوع في السرد ، وكثرة الأحداث قياسا بالشعر .
وان اجازت لنا النقدية الحديثة ان نجنس الرواية ، او ننمطها ، فهي في العراق تقسم على رواية عامة ، ورواية عائلة ، ورواية تاريخيّة ، ورواية سجن ، ورواية مهمشين ، ورواية سجن ، ورواية تسجيلية ، وربما رومانسية ، ورواية حرب ، وهكذا إلى أخريات بحسب الموضوع .
يحلو لي الحديث عن محورين حول رواية ( شمال مدينة القصب ) .
المحور الاول انتماء هذه الرواية إلى النمط التسجيلي :
ترى الدكتورة نادية هناوي في كتابها ( الرواية التسجيلية اشتراطات النوع السردي ) أن هذا اللون من الرواية يمر بمرحلة تهميش تأسيسي ، ونقدي ، وتناولي . لذا جاء قليلا في العراق ، قياسا بالكتابة العربية التي تأسست على رواية شرق المتوسط لعبد الرحمن منيف بوصفها رواية سجن ، إلا أن المفارقة أن الناصرية تمتلك ثلاث محطات في الرواية التسجيلية ، أولها رواية ( ممر إلى الضفة الأخرى) التي كتبها احمد الباقري ، ونشرت عام ٢٠٠٤ في الكويت بعد سقوط النظام السابق ، وقد جنسها الكاتب ، وكتب رواية تسجيلية على غلافها ، ثم رواية ( نجيب الرافدين ) للكبير عبد الرحمن مجيد الربيعي، التي أراها بنسبة عالية انها رواية تسجيلية تقترب من تسجيل الذاكرة الخاصة بالشخصية العراقية ، التي زامنت الحرب العراقية الإيرانية. ثم المحطة الثالثة وهي رواية ( شمال مدينة القصب ) للروائي نعيم كرم الله . المهم جدا أن نصيب الناصرية من الرواية التسجيلية في العراق ثلاث روايات دونت مدن الوجع ، من قبيل سجن الحلة ، ونقل السجناء ، وتعذيبهم في ستينات القرن العشرين ولاسيما تعذيب المنتمين الشيوعيين ، وهذا ما ورد في رواية ممر الى الضفة الأخرى. ثم دونت رواية نجيب الرافدين الوجع العراقي ، والفقد الكبير جراء الحرب ، وفضح ممارسات السلطة تجاه شعبها ، وكيفية تصدير الناس دروعا بشرية . ثم تأتينا رؤية كرم الله لیفصح عن عذابات السجون العراقية للشخصيات المعارضة ولاسيما شخصيات مدينة القصب ، ولعله هنا يؤيد بها شخصيات الجنوب عامة ، او شخصيات مدن الحمار ، والطار ، والفهود ، والجبايش .
المحور الثاني : تقنيات التسجيل الروائي عند كرم الله :
أرى أن الوعي الروائي عنده لطف ، بدءا من اللطف في مجيء اسمه اسماً أدبياً ( نعيم كرم الله) وحتى ظننت انه اسم مصنوع، وحركي ، وفني ، وقد استفسرت منه ، فقال : اسمي ، واسم ابي هو كرم من الله، فجاء اسمه أدبيا ، من دون تسويق ، واشهار . حسبته روائيا من طراز فريد ، لاسباب ، انه يمتلك كثيرا من تقنيات السرد عاليا ، ثم تاتي قيمة العنوان : شمال مدينة القصب ،الذي يتضمن منحى سيميائيا صالحا للتحليل ، على وفق التاويل لهذه الثريا ، وإشارة إلى السلطة التي أودعت السجون في شمال مدينة القصب ، او أخذت بشخصيات هذه المدينة إلى الجهة الشمالية لتودعها الاذى . ثم السمة السردية الثالثة التي تبعث على القيمة السردية في هذه الرواية ، تتبلور في عدم تحديد عنوان الرواية ، بملحق كلمة ( تسجيلية ) وهذا يبعث على قيمة الأفق السردي ، وترك ذلك للقارئ. الأجمل في التقنيات أنه بقي ملاصقا للغة الواقعية ، وعدم الغوص في اللغة الجمالية ، فاراد أن يحافظ على صدق الحدث ، ولاسيما أن الأحداث موجعة ، فلا يريد أن يفسد المعنى او جزءا من المعنى عبر المجازات .مم المهم في هذه الرواية ليس لغتها ، بل شعريتها في قيمة موضوعها ، ونوعه ، وجدواه ، والرسالة التي يحملها ، فقد تعجز اللغة ربما عن وصف القهر في سجون الطاغية صدام . وقد التزم تقنية اخرى تقوم على مسار الإخفاء الذي تمثل بنقطتين الاول اخفاء الشخصية الرئيسة في الرواية ، فلم يشر اليها ، بل جعلها طيفا عابرا كما عبر الدكتور ضياء غني في وصفه لهذه الشخصية ، بل أراه سعيا منه لشمولية الحدث ، وتعميم الشخصية في انثر من مكان ، لانه أراد ان يدون حدثا سلطويا ، بعيدا عن الأنوية ،. ثم هنالك رمزية في الإخفاء الثاني البيانيات في إخفاء تفاصيل مدينة القصب ، فلم يشر ، ولم يضع قرائن تدل على مدينة الفهود ، أو الحمار ، او أي قرية من قرى الحمار .
المهم جدا أن الروائي يمتلك وعيا في تصدير خطابه ، فقد مال إلى عقلنة التاريخ ، أي انتمى إلى باشلار ، بحيث لم ير التاريخ في روايته بوصفه أحداثا ، ونقلا لمذاق تاريخي ، با أراد من المتلقي أن يستنتج معرفة اخرى ، مفادها تعمق السلطة في نبذ الانسانية ، والانتقام منها ، والنيل من وجودها ، وهذه لمسة ذكية ، تدل على وعي الانسان المجروح بوصفه راويا عليما ، فجعل التاريخ صانعا للرؤية ، ومحققا بصورة الدكتاتورية. مارس السارد العليم ، والروائي ، والشخصيات في الرواية صدقا لغويا ، بعيدا عن المبالغة ، والتصعيد ، وهذا التحقيق أفاد أنه شاهد عدل ، تسعفه ذاكرته أولا، لكونه سجينا حقيقيا ، ولكونه يتمتع بايتوس خطابي يدخله في باب الثقة ، والأخلاق التي من المحال أن تجعله شاهد زور ، بل عرفنا عن نعيم كرم الله صدقه ، فدعاه ذلك لان يشهر انتقامه على السلطة ، وان يدعو إلى عدم عودتها مرة اخرى ، بل أراد أن يعبر عن الحرية بلغة صادقة . مبارك للناصرية والعراق بالروائي الحاذق نعيم كرم الله، الذي سجل لنا رواية شمال مدينة القصب ، التي خرجت من الجنوب مدينة الوجع ، وزاد السجون ، وحطب السلطة .
سعاد المرنيصي
داود سلمان عجاج
التعليقات