نعيم كرم الله روائي حاذق 

صورة الكاتب
بقلم: أ. د خالد حوير الشمس
التاريخ: 17 أكتوبر 2026 عدد المشاهدات: 3881
نعيم كرم الله روائي حاذق 

يتصدر السرد الان في العراق ، ويتغلب على التلقي الشعري ، لاسباب في مقدمتها تراجع شعرية المتلقي ، ومكنة القراء ، وثبات الشعر نحو الغموض ، وشيوع قصيدة النثر ، وتسارع الأحداث ، مما يوفر مساحة الموضوع في السرد ، وكثرة الأحداث قياسا بالشعر .
وان اجازت لنا النقدية الحديثة ان نجنس الرواية ، او ننمطها ، فهي في العراق تقسم على رواية عامة ، ورواية عائلة ، ورواية تاريخيّة ، ورواية سجن ، ورواية مهمشين ، ورواية سجن ، ورواية تسجيلية ، وربما رومانسية ، ورواية حرب ، وهكذا إلى أخريات بحسب الموضوع .
يحلو لي الحديث عن محورين حول رواية ( شمال مدينة القصب ) .
المحور الاول انتماء هذه الرواية إلى النمط التسجيلي :
ترى الدكتورة نادية هناوي في كتابها ( الرواية التسجيلية اشتراطات النوع السردي ) أن هذا اللون من الرواية يمر بمرحلة تهميش تأسيسي ، ونقدي ، وتناولي . لذا جاء قليلا في العراق ، قياسا بالكتابة العربية التي تأسست على رواية شرق المتوسط لعبد الرحمن منيف بوصفها رواية سجن ، إلا أن المفارقة أن الناصرية تمتلك ثلاث محطات في الرواية التسجيلية ، أولها رواية ( ممر إلى الضفة الأخرى) التي كتبها احمد الباقري ، ونشرت عام ٢٠٠٤ في الكويت بعد سقوط النظام السابق ، وقد جنسها الكاتب ، وكتب رواية تسجيلية على غلافها ، ثم رواية ( نجيب الرافدين ) للكبير عبد الرحمن مجيد الربيعي، التي أراها بنسبة عالية انها رواية تسجيلية تقترب من تسجيل الذاكرة الخاصة بالشخصية العراقية ، التي زامنت الحرب العراقية الإيرانية. ثم المحطة الثالثة وهي رواية ( شمال مدينة القصب ) للروائي نعيم كرم الله . المهم جدا أن نصيب الناصرية من الرواية التسجيلية في العراق ثلاث روايات دونت مدن الوجع ، من قبيل سجن الحلة ، ونقل السجناء ، وتعذيبهم في ستينات القرن العشرين ولاسيما تعذيب المنتمين الشيوعيين ، وهذا ما ورد في رواية ممر الى الضفة الأخرى. ثم دونت رواية نجيب الرافدين الوجع العراقي ، والفقد الكبير جراء الحرب ، وفضح ممارسات السلطة تجاه شعبها ، وكيفية تصدير الناس دروعا بشرية . ثم تأتينا رؤية كرم الله لیفصح عن عذابات السجون العراقية للشخصيات المعارضة ولاسيما شخصيات مدينة القصب ، ولعله هنا يؤيد بها شخصيات الجنوب عامة ، او شخصيات مدن الحمار ، والطار ، والفهود ، والجبايش .
المحور الثاني : تقنيات التسجيل الروائي عند كرم الله :
أرى أن الوعي الروائي عنده لطف ، بدءا من اللطف في مجيء اسمه اسماً أدبياً ( نعيم كرم الله) وحتى ظننت انه اسم مصنوع، وحركي ، وفني ، وقد استفسرت منه ، فقال : اسمي ، واسم ابي هو كرم من الله، فجاء اسمه أدبيا ، من دون تسويق ، واشهار . حسبته روائيا من طراز فريد ، لاسباب ، انه يمتلك كثيرا من تقنيات السرد عاليا ، ثم تاتي قيمة العنوان : شمال مدينة القصب ،الذي يتضمن منحى سيميائيا صالحا للتحليل ، على وفق التاويل لهذه الثريا ، وإشارة إلى السلطة التي أودعت السجون في شمال مدينة القصب ، او أخذت بشخصيات هذه المدينة إلى الجهة الشمالية لتودعها الاذى . ثم السمة السردية الثالثة التي تبعث على القيمة السردية في هذه الرواية ، تتبلور في عدم تحديد عنوان الرواية ، بملحق كلمة ( تسجيلية ) وهذا يبعث على قيمة الأفق السردي ، وترك ذلك للقارئ. الأجمل في التقنيات أنه بقي ملاصقا للغة الواقعية ، وعدم الغوص في اللغة الجمالية ، فاراد أن يحافظ على صدق الحدث ، ولاسيما أن الأحداث موجعة ، فلا يريد أن يفسد المعنى او جزءا من المعنى عبر المجازات .مم المهم في هذه الرواية ليس لغتها ، بل شعريتها في قيمة موضوعها ، ونوعه ، وجدواه ، والرسالة التي يحملها ، فقد تعجز اللغة ربما عن وصف القهر في سجون الطاغية صدام . وقد التزم تقنية اخرى تقوم على مسار الإخفاء الذي تمثل بنقطتين الاول اخفاء الشخصية الرئيسة في الرواية ، فلم يشر اليها ، بل جعلها طيفا عابرا كما عبر الدكتور ضياء غني في وصفه لهذه الشخصية ، بل أراه سعيا منه لشمولية الحدث ، وتعميم الشخصية في انثر من مكان ، لانه أراد ان يدون حدثا سلطويا ، بعيدا عن الأنوية ،. ثم هنالك رمزية في الإخفاء الثاني البيانيات في إخفاء تفاصيل مدينة القصب ، فلم يشر ، ولم يضع قرائن تدل على مدينة الفهود ، أو الحمار ، او أي قرية من قرى الحمار .
المهم جدا أن الروائي يمتلك وعيا في تصدير خطابه ، فقد مال إلى عقلنة التاريخ ، أي انتمى إلى باشلار ، بحيث لم ير التاريخ في روايته بوصفه أحداثا ، ونقلا لمذاق تاريخي ، با أراد من المتلقي أن يستنتج معرفة اخرى ، مفادها تعمق السلطة في نبذ الانسانية ، والانتقام منها ، والنيل من وجودها ، وهذه لمسة ذكية ، تدل على وعي الانسان المجروح بوصفه راويا عليما ، فجعل التاريخ صانعا للرؤية ، ومحققا بصورة الدكتاتورية. مارس السارد العليم ، والروائي ، والشخصيات في الرواية صدقا لغويا ، بعيدا عن المبالغة ، والتصعيد ، وهذا التحقيق أفاد أنه شاهد عدل ، تسعفه ذاكرته أولا، لكونه سجينا حقيقيا ، ولكونه يتمتع بايتوس خطابي يدخله في باب الثقة ، والأخلاق التي من المحال أن تجعله شاهد زور ، بل عرفنا عن نعيم كرم الله صدقه ، فدعاه ذلك لان يشهر انتقامه على السلطة ، وان يدعو إلى عدم عودتها مرة اخرى ، بل أراد أن يعبر عن الحرية بلغة صادقة . مبارك للناصرية والعراق بالروائي الحاذق نعيم كرم الله، الذي سجل لنا رواية شمال مدينة القصب ، التي خرجت من الجنوب مدينة الوجع ، وزاد السجون ، وحطب السلطة .

 

 

عن الکاتب / الکاتبة

أ. د خالد حوير الشمس
أ. د خالد حوير الشمس
ناقد . أکادیمي / العراق

مقالات أخرى للكاتب

الهُويَّة التاريخية في شعر حيدر أحمد عبد الصاحب

الهُويَّة التاريخية في شعر حيدر أحمد عبد الصاحب

حيدر أحمد شاعر، وابن شاعر، تعود بداياته إلى تلك الجماعة التي يسمونها جماعة الموصل الشعرية،…

صورة الكاتب أ. د خالد حوير الشمس
3 أكتوبر 2026
اقرأ المزيد
الإنسان في كتاب مشافهة الندوب والصور قراءة في الذاكرة والمكان والتجربة

الإنسان في كتاب مشافهة الندوب والصور قراءة في الذاكرة والمكان والتجربة

لم تكن علاقتي وطيدة بمدينة البطحاء، بحكم بُعد المسافة بيني وبينها؛ إلى أن شاء القدر…

صورة الكاتب أ. د خالد حوير الشمس
22 أغسطس 2026
اقرأ المزيد
مجموعة (مصادقة الحيتان) دراسة في النقد الأخلاقي

مجموعة (مصادقة الحيتان) دراسة في النقد الأخلاقي

مجموعة (مصادقة الحيتان) دراسة في النقد الأخلاقي هذه محاولة في بيان تبعية الأدب، والسرد القصصي…

صورة الكاتب أ. د خالد حوير الشمس
29 يونيو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


نعيم كرم الله روائي حاذق 

بقلم: أ. د خالد حوير الشمس | التاريخ: 17 أكتوبر 2026

التصنيف: النقد الأدبي

يتصدر السرد الان في العراق ، ويتغلب على التلقي الشعري ، لاسباب في مقدمتها تراجع شعرية المتلقي ، ومكنة القراء ، وثبات الشعر نحو الغموض ، وشيوع قصيدة النثر ، وتسارع الأحداث ، مما يوفر مساحة الموضوع في السرد ، وكثرة الأحداث قياسا بالشعر .
وان اجازت لنا النقدية الحديثة ان نجنس الرواية ، او ننمطها ، فهي في العراق تقسم على رواية عامة ، ورواية عائلة ، ورواية تاريخيّة ، ورواية سجن ، ورواية مهمشين ، ورواية سجن ، ورواية تسجيلية ، وربما رومانسية ، ورواية حرب ، وهكذا إلى أخريات بحسب الموضوع .
يحلو لي الحديث عن محورين حول رواية ( شمال مدينة القصب ) .
المحور الاول انتماء هذه الرواية إلى النمط التسجيلي :
ترى الدكتورة نادية هناوي في كتابها ( الرواية التسجيلية اشتراطات النوع السردي ) أن هذا اللون من الرواية يمر بمرحلة تهميش تأسيسي ، ونقدي ، وتناولي . لذا جاء قليلا في العراق ، قياسا بالكتابة العربية التي تأسست على رواية شرق المتوسط لعبد الرحمن منيف بوصفها رواية سجن ، إلا أن المفارقة أن الناصرية تمتلك ثلاث محطات في الرواية التسجيلية ، أولها رواية ( ممر إلى الضفة الأخرى) التي كتبها احمد الباقري ، ونشرت عام ٢٠٠٤ في الكويت بعد سقوط النظام السابق ، وقد جنسها الكاتب ، وكتب رواية تسجيلية على غلافها ، ثم رواية ( نجيب الرافدين ) للكبير عبد الرحمن مجيد الربيعي، التي أراها بنسبة عالية انها رواية تسجيلية تقترب من تسجيل الذاكرة الخاصة بالشخصية العراقية ، التي زامنت الحرب العراقية الإيرانية. ثم المحطة الثالثة وهي رواية ( شمال مدينة القصب ) للروائي نعيم كرم الله . المهم جدا أن نصيب الناصرية من الرواية التسجيلية في العراق ثلاث روايات دونت مدن الوجع ، من قبيل سجن الحلة ، ونقل السجناء ، وتعذيبهم في ستينات القرن العشرين ولاسيما تعذيب المنتمين الشيوعيين ، وهذا ما ورد في رواية ممر الى الضفة الأخرى. ثم دونت رواية نجيب الرافدين الوجع العراقي ، والفقد الكبير جراء الحرب ، وفضح ممارسات السلطة تجاه شعبها ، وكيفية تصدير الناس دروعا بشرية . ثم تأتينا رؤية كرم الله لیفصح عن عذابات السجون العراقية للشخصيات المعارضة ولاسيما شخصيات مدينة القصب ، ولعله هنا يؤيد بها شخصيات الجنوب عامة ، او شخصيات مدن الحمار ، والطار ، والفهود ، والجبايش .
المحور الثاني : تقنيات التسجيل الروائي عند كرم الله :
أرى أن الوعي الروائي عنده لطف ، بدءا من اللطف في مجيء اسمه اسماً أدبياً ( نعيم كرم الله) وحتى ظننت انه اسم مصنوع، وحركي ، وفني ، وقد استفسرت منه ، فقال : اسمي ، واسم ابي هو كرم من الله، فجاء اسمه أدبيا ، من دون تسويق ، واشهار . حسبته روائيا من طراز فريد ، لاسباب ، انه يمتلك كثيرا من تقنيات السرد عاليا ، ثم تاتي قيمة العنوان : شمال مدينة القصب ،الذي يتضمن منحى سيميائيا صالحا للتحليل ، على وفق التاويل لهذه الثريا ، وإشارة إلى السلطة التي أودعت السجون في شمال مدينة القصب ، او أخذت بشخصيات هذه المدينة إلى الجهة الشمالية لتودعها الاذى . ثم السمة السردية الثالثة التي تبعث على القيمة السردية في هذه الرواية ، تتبلور في عدم تحديد عنوان الرواية ، بملحق كلمة ( تسجيلية ) وهذا يبعث على قيمة الأفق السردي ، وترك ذلك للقارئ. الأجمل في التقنيات أنه بقي ملاصقا للغة الواقعية ، وعدم الغوص في اللغة الجمالية ، فاراد أن يحافظ على صدق الحدث ، ولاسيما أن الأحداث موجعة ، فلا يريد أن يفسد المعنى او جزءا من المعنى عبر المجازات .مم المهم في هذه الرواية ليس لغتها ، بل شعريتها في قيمة موضوعها ، ونوعه ، وجدواه ، والرسالة التي يحملها ، فقد تعجز اللغة ربما عن وصف القهر في سجون الطاغية صدام . وقد التزم تقنية اخرى تقوم على مسار الإخفاء الذي تمثل بنقطتين الاول اخفاء الشخصية الرئيسة في الرواية ، فلم يشر اليها ، بل جعلها طيفا عابرا كما عبر الدكتور ضياء غني في وصفه لهذه الشخصية ، بل أراه سعيا منه لشمولية الحدث ، وتعميم الشخصية في انثر من مكان ، لانه أراد ان يدون حدثا سلطويا ، بعيدا عن الأنوية ،. ثم هنالك رمزية في الإخفاء الثاني البيانيات في إخفاء تفاصيل مدينة القصب ، فلم يشر ، ولم يضع قرائن تدل على مدينة الفهود ، أو الحمار ، او أي قرية من قرى الحمار .
المهم جدا أن الروائي يمتلك وعيا في تصدير خطابه ، فقد مال إلى عقلنة التاريخ ، أي انتمى إلى باشلار ، بحيث لم ير التاريخ في روايته بوصفه أحداثا ، ونقلا لمذاق تاريخي ، با أراد من المتلقي أن يستنتج معرفة اخرى ، مفادها تعمق السلطة في نبذ الانسانية ، والانتقام منها ، والنيل من وجودها ، وهذه لمسة ذكية ، تدل على وعي الانسان المجروح بوصفه راويا عليما ، فجعل التاريخ صانعا للرؤية ، ومحققا بصورة الدكتاتورية. مارس السارد العليم ، والروائي ، والشخصيات في الرواية صدقا لغويا ، بعيدا عن المبالغة ، والتصعيد ، وهذا التحقيق أفاد أنه شاهد عدل ، تسعفه ذاكرته أولا، لكونه سجينا حقيقيا ، ولكونه يتمتع بايتوس خطابي يدخله في باب الثقة ، والأخلاق التي من المحال أن تجعله شاهد زور ، بل عرفنا عن نعيم كرم الله صدقه ، فدعاه ذلك لان يشهر انتقامه على السلطة ، وان يدعو إلى عدم عودتها مرة اخرى ، بل أراد أن يعبر عن الحرية بلغة صادقة . مبارك للناصرية والعراق بالروائي الحاذق نعيم كرم الله، الذي سجل لنا رواية شمال مدينة القصب ، التي خرجت من الجنوب مدينة الوجع ، وزاد السجون ، وحطب السلطة .