أرواح الشياطين

صورة الكاتب
بقلم: أبو الحسنين الدعساوي
التاريخ: 17 أكتوبر 2026 عدد المشاهدات: 2883
أرواح الشياطين

 

في حي “الياسمين”، كان كل شيء يبدو مثالياً من الخارج. البيوت متراصة بنظام، الحدائق أمام المنازل منسقة بعناية، والوجوه تتبادل الابتسامات الصباحية المعتادة. لكن خلف الأبواب المغلقة، كانت هناك تفاصيل أخرى تماماً. لم يكن الحي يخلو من النميمة، الغيرة، والأسرار التي يدفنها أصحابها عميقاً خشية كلام الناس.

كان عامر رجلًا في أواخر الأربعينيات، يعمل محاسباً قانونياً، ويُعرف بين جيرانه بالهدوء والحكمة. كان هو الشخص الذي يلجأ إليه الجميع لفض النزاعات. لكن عامر كان يحمل عبئاً ثقيلاً؛ فقد كان يرى ما لا يراه الآخرون. لم يكن يؤمن بالخوارق، بل كان يؤمن بأن “الشياطين” ليست كائنات بقرون وأجنحة، بل هي تلك النوايا السيئة، والأحقاد، والرغبات المكبوتة التي تلبس ثوب البشر وتتحكم في تصرفاتهم.

في أحد الأيام، انتقلت عائلة جديدة للسكن في المنزل رقم (7)، وهو منزل ظل مهجوراً لسنوات. العائلة كانت تتكون من امرأة غامضة تدعى ندى وابنها الشاب يوسف. منذ وصولهما، بدأت وتيرة الحي تتغير. ندى لم تكن تختلط بأحد، ويوسف كان يقضي ساعاته طائفاً في الحي بنظرات حادة وكأنه يقرأ أفكار المارة.

سرت الشائعات كالنار في الهشيم. قالت أم أحمد بائعة الخضار: “إنهم يجلبون النحس، منذ جاؤوا ومشاكل الحي لا تنتهي”. وقال أبو طارق: “رأيت الشاب يخرج ليلاً ويسير بلا هدف، ربما هم هاربون من خطأ ما”.

تحول الحي الهادئ تدريجياً إلى ساحة من الشك المتبادل. الجار صار يتوجس من جاره. انقطعت الابتسامات، وحلت مكانها نظرات ترقب. عامر كان يراقب هذا التحول بكثير من القلق؛ شعر أن “أرواح الشياطين” – أي سوء الظن والشر الكامن في القلوب – قد استيقظت فجأة بمجرد دخول عنصر غريب إلى المعادلة.

قرر عامر أن يكسر هذا الطوق. توجه في مساء أحد الأيام إلى المنزل رقم (7) يحمل طبقاً من الحلوى كبادرة ترحيب اجتماعية. طرقت يده الباب الخشبي العتيق. انفتح الباب ببطء، وظهرت ندى. كانت ملامحها مرهقة، لكن عينيها كانتا تشعان بذكاء غريب.

رحبّت به بصوت خافت ودعته للدخول. المنزل من الداخل كان بسيطاً للغاية، مليئاً بالكتب واللوحات القديمة. جلس عامر وبدأ الحديث متسائلاً بلطف عن سبب عزلتهم وعن الأقاويل التي تدور في الحي.

ابتسمت ندى ابتسامة مريرة وقالت: “يا سيد عامر، الناس لا يحتاجون إلى سبب ليكرهوا أو يشكوا. إنهم فقط يبحثون عن شماعة يعلقون عليها شياطينهم الداخلية. نحن لم نؤذِ أحداً، لكننا رفضنا أن نرتدي الأقنعة التي يرتدونها”.

في تلك اللحظة، دخل يوسف إلى الغرفة. لم يكن يحمل نظرات حادة كما قيل، بل كانت عيناه مليئتين بالحزن والخوف. جلس بجانب والدته وقال لعامر: “أنا لا أخرج ليلاً لأؤذي أحداً يا عمي. أنا فقط أهرب من كوابيسي. لكن يبدو أن كوابيس هذا الحي تتغذى على وجودنا”.

خرج عامر من المنزل وهو يشعر بخلل كبير في الميزان الاجتماعي الذي كان يظن أنه يحميه. أدرك أن الشياطين ليست العائلة الجديدة، بل هي الأحكام المسبقة التي أطلقها أهل الحي، والخوف من المجهول الذي حوّل الأخيار إلى وحوش تتربص ببعضها.

في الليلة التالية، حدث ما لم يكن في الحسبان. شبّ حريق مفاجئ في ملحق منزل أبو طارق. تعالت الأصوات وتجمع الجيران. وبدلاً من أن يسارعوا للإطفاء، بدأت الأصابع تشير مباشرة إلى المنزل رقم (7). صرخ أحدهم: “إنه يوسف! رأيته يمر من هنا قبل قليل!”.

اندفعت الحشود نحو منزل ندى ويوسف والغضب يعمي أبصارهم. حاول عامر الوقوف في طريقهم وصرخ بأعلى صوته: “توقفوا! أنتم تحرقون أنفسكم وظنونكم! ليسوا هم من فعلها!”، لكن صوته ضاع وسط ضجيج الغضب الأعمى.

اقتحم الجيران حديقة المنزل رقم (7)، ودفعوا الباب بقوة. لكن المفاجأة شلت حركتهم…

كان البيت فارغاً تماماً. الأثاث مغطى بالأقمشة البيضاء، والكتب مصفوفة في صناديق كرتونية مغلقة، وكأن المكان لم يسكنه أحد منذ أسابيع. على الطاولة الرئيسية في غرفة المعيشة، كانت هناك رسالة واحدة مكتوبة بخط يد أنيق، وبجانبها مفتاح المنزل.

تقدم عامر بخطوات ثقيلة وسط صمت الجيران الوجوم. فتح الرسالة وقرأها بصوت مرتفع ليسمعه الجميع:
“إلى أهل حي الياسمين… شياطينكم لم تكن يوماً تسكن في بيتنا. لقد كانت دائماً تسكن في صدوركم، ونحن كنا فقط المرآة التي عكستها لكم. أعدنا إليكم الحي… فابحثوا عن أرواحكم”.

نظر الجيران إلى بعضهم البعض، وتراجعوا ببطء وعلامات الخزي والوجل تكسو وجوههم. انطفأ حريق ملحق أبو طارق بفعل جهود رجال الإطفاء الذين وصلوا متأخرين، لكن حريق الشك في قلوب أهل الحي لم ينطفئ.

وقف عامر وحده عند عتبة المنزل المهجور، ينظر إلى الشارع المظلم والبارد. كان يتأمل أزقة الحي وكيف تلاشت الطمأنينة المزيفة بمجرد أن تغيرت الظروف. أسند رأسه إلى الباب الخشبي، وأطلق تنهيدة طويلة محمّلة بأسى الفيلسوف الذي فهم حقيقة البشر، وتمتم في نفسه قائلاً:
“ليت النهر يسري عكس التيار، لكي أرى براعة الأسماك في التكيف مع التغيير…”

التفت حوله وشعر لأول مرة برعشة باردة. نظر إلى بيوت جيرانه التي أُغلقت مصابيحها واحداً تلو الآخر، وظل السؤال معلقاً في الفراغ: هل سيتعلم هذا الحي يوماً كيف يسبح ضد تيار مخاوفه وأحكامه المسبقة، أم أن أرواح الشياطين ستبقى كامنة في الركود، بانتظار عاصفة أخرى؟ هل كانت تلك العائلة حقيقة عابرة، أم مجرد انعكاس جماعي لضمير الحي المستتر؟

عن الکاتب / الکاتبة

أبو الحسنين الدعساوي
أبو الحسنين الدعساوي
قاص / العراق

مقالات أخرى للكاتب

……… سر الطريق……….

……… سر الطريق……….

……… سر الطريق………. في قلب مدينة آشور التاريخية حيث تجري مياه دجلة شاهدا على كبرياء…

صورة الكاتب أبو الحسنين الدعساوي
27 يوليو 2026
اقرأ المزيد
جنود الشيطان

جنود الشيطان

جنود الشيطان بدأ الأمر بضيق غريب وغير مبرر في صدره. كان يقف على عتبة بيته،…

صورة الكاتب أبو الحسنين الدعساوي
19 يوليو 2026
اقرأ المزيد
ثلاجة الموتى

ثلاجة الموتى

….. ثلاجة الموتى….. لم اكن اتخيل يوما ان عملي خلف هذه الابواب الحديدية الصامتة سيكون…

صورة الكاتب أبو الحسنين الدعساوي
15 يوليو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


أرواح الشياطين

بقلم: أبو الحسنين الدعساوي | التاريخ: 17 أكتوبر 2026

التصنيف: قصة قصيرة و قصيرة جدا

 

في حي “الياسمين”، كان كل شيء يبدو مثالياً من الخارج. البيوت متراصة بنظام، الحدائق أمام المنازل منسقة بعناية، والوجوه تتبادل الابتسامات الصباحية المعتادة. لكن خلف الأبواب المغلقة، كانت هناك تفاصيل أخرى تماماً. لم يكن الحي يخلو من النميمة، الغيرة، والأسرار التي يدفنها أصحابها عميقاً خشية كلام الناس.

كان عامر رجلًا في أواخر الأربعينيات، يعمل محاسباً قانونياً، ويُعرف بين جيرانه بالهدوء والحكمة. كان هو الشخص الذي يلجأ إليه الجميع لفض النزاعات. لكن عامر كان يحمل عبئاً ثقيلاً؛ فقد كان يرى ما لا يراه الآخرون. لم يكن يؤمن بالخوارق، بل كان يؤمن بأن “الشياطين” ليست كائنات بقرون وأجنحة، بل هي تلك النوايا السيئة، والأحقاد، والرغبات المكبوتة التي تلبس ثوب البشر وتتحكم في تصرفاتهم.

في أحد الأيام، انتقلت عائلة جديدة للسكن في المنزل رقم (7)، وهو منزل ظل مهجوراً لسنوات. العائلة كانت تتكون من امرأة غامضة تدعى ندى وابنها الشاب يوسف. منذ وصولهما، بدأت وتيرة الحي تتغير. ندى لم تكن تختلط بأحد، ويوسف كان يقضي ساعاته طائفاً في الحي بنظرات حادة وكأنه يقرأ أفكار المارة.

سرت الشائعات كالنار في الهشيم. قالت أم أحمد بائعة الخضار: “إنهم يجلبون النحس، منذ جاؤوا ومشاكل الحي لا تنتهي”. وقال أبو طارق: “رأيت الشاب يخرج ليلاً ويسير بلا هدف، ربما هم هاربون من خطأ ما”.

تحول الحي الهادئ تدريجياً إلى ساحة من الشك المتبادل. الجار صار يتوجس من جاره. انقطعت الابتسامات، وحلت مكانها نظرات ترقب. عامر كان يراقب هذا التحول بكثير من القلق؛ شعر أن “أرواح الشياطين” – أي سوء الظن والشر الكامن في القلوب – قد استيقظت فجأة بمجرد دخول عنصر غريب إلى المعادلة.

قرر عامر أن يكسر هذا الطوق. توجه في مساء أحد الأيام إلى المنزل رقم (7) يحمل طبقاً من الحلوى كبادرة ترحيب اجتماعية. طرقت يده الباب الخشبي العتيق. انفتح الباب ببطء، وظهرت ندى. كانت ملامحها مرهقة، لكن عينيها كانتا تشعان بذكاء غريب.

رحبّت به بصوت خافت ودعته للدخول. المنزل من الداخل كان بسيطاً للغاية، مليئاً بالكتب واللوحات القديمة. جلس عامر وبدأ الحديث متسائلاً بلطف عن سبب عزلتهم وعن الأقاويل التي تدور في الحي.

ابتسمت ندى ابتسامة مريرة وقالت: “يا سيد عامر، الناس لا يحتاجون إلى سبب ليكرهوا أو يشكوا. إنهم فقط يبحثون عن شماعة يعلقون عليها شياطينهم الداخلية. نحن لم نؤذِ أحداً، لكننا رفضنا أن نرتدي الأقنعة التي يرتدونها”.

في تلك اللحظة، دخل يوسف إلى الغرفة. لم يكن يحمل نظرات حادة كما قيل، بل كانت عيناه مليئتين بالحزن والخوف. جلس بجانب والدته وقال لعامر: “أنا لا أخرج ليلاً لأؤذي أحداً يا عمي. أنا فقط أهرب من كوابيسي. لكن يبدو أن كوابيس هذا الحي تتغذى على وجودنا”.

خرج عامر من المنزل وهو يشعر بخلل كبير في الميزان الاجتماعي الذي كان يظن أنه يحميه. أدرك أن الشياطين ليست العائلة الجديدة، بل هي الأحكام المسبقة التي أطلقها أهل الحي، والخوف من المجهول الذي حوّل الأخيار إلى وحوش تتربص ببعضها.

في الليلة التالية، حدث ما لم يكن في الحسبان. شبّ حريق مفاجئ في ملحق منزل أبو طارق. تعالت الأصوات وتجمع الجيران. وبدلاً من أن يسارعوا للإطفاء، بدأت الأصابع تشير مباشرة إلى المنزل رقم (7). صرخ أحدهم: “إنه يوسف! رأيته يمر من هنا قبل قليل!”.

اندفعت الحشود نحو منزل ندى ويوسف والغضب يعمي أبصارهم. حاول عامر الوقوف في طريقهم وصرخ بأعلى صوته: “توقفوا! أنتم تحرقون أنفسكم وظنونكم! ليسوا هم من فعلها!”، لكن صوته ضاع وسط ضجيج الغضب الأعمى.

اقتحم الجيران حديقة المنزل رقم (7)، ودفعوا الباب بقوة. لكن المفاجأة شلت حركتهم…

كان البيت فارغاً تماماً. الأثاث مغطى بالأقمشة البيضاء، والكتب مصفوفة في صناديق كرتونية مغلقة، وكأن المكان لم يسكنه أحد منذ أسابيع. على الطاولة الرئيسية في غرفة المعيشة، كانت هناك رسالة واحدة مكتوبة بخط يد أنيق، وبجانبها مفتاح المنزل.

تقدم عامر بخطوات ثقيلة وسط صمت الجيران الوجوم. فتح الرسالة وقرأها بصوت مرتفع ليسمعه الجميع:
“إلى أهل حي الياسمين… شياطينكم لم تكن يوماً تسكن في بيتنا. لقد كانت دائماً تسكن في صدوركم، ونحن كنا فقط المرآة التي عكستها لكم. أعدنا إليكم الحي… فابحثوا عن أرواحكم”.

نظر الجيران إلى بعضهم البعض، وتراجعوا ببطء وعلامات الخزي والوجل تكسو وجوههم. انطفأ حريق ملحق أبو طارق بفعل جهود رجال الإطفاء الذين وصلوا متأخرين، لكن حريق الشك في قلوب أهل الحي لم ينطفئ.

وقف عامر وحده عند عتبة المنزل المهجور، ينظر إلى الشارع المظلم والبارد. كان يتأمل أزقة الحي وكيف تلاشت الطمأنينة المزيفة بمجرد أن تغيرت الظروف. أسند رأسه إلى الباب الخشبي، وأطلق تنهيدة طويلة محمّلة بأسى الفيلسوف الذي فهم حقيقة البشر، وتمتم في نفسه قائلاً:
“ليت النهر يسري عكس التيار، لكي أرى براعة الأسماك في التكيف مع التغيير…”

التفت حوله وشعر لأول مرة برعشة باردة. نظر إلى بيوت جيرانه التي أُغلقت مصابيحها واحداً تلو الآخر، وظل السؤال معلقاً في الفراغ: هل سيتعلم هذا الحي يوماً كيف يسبح ضد تيار مخاوفه وأحكامه المسبقة، أم أن أرواح الشياطين ستبقى كامنة في الركود، بانتظار عاصفة أخرى؟ هل كانت تلك العائلة حقيقة عابرة، أم مجرد انعكاس جماعي لضمير الحي المستتر؟