بعدَ إِحدى وعشرينَ سنة مضينَ على تخرُّجهِ في كليّةَ الآدابِ زارها؛ ليهديَ عمادتَها نُسخةً من مجموعتهِ القصصيَّةِ، استوقفَتْهُ مسطبةٌ تسمَّرتْ عليها ساعاتُهُ وهو ينتظرُها، دَنَا منها فوَجَدَ في فمِها زوبعةَ الثَّكالى، وعلى ظهرِها طلاسمَ منسدلةً من قامةِ الأُفقِ المكسورةِ الخَصْرِ، وعلى الأَرضِ فنجاناً مقلوباً ينتظرُ عرَّافةً تعرفُ مسالكَهُ؛ لينسلَّ خِلْسَةً في ذاكرتِها التي غادرتْها ذاكرةُ المكانِ، دخلَ قاعةً تطلُّ نافذتُها على فِنَاءِ الكُليَّةِ، ستارٌ هنا مسدولٌ، وقلمٌ هناك لم يتقيأْ حبرَهُ بعد، ومقعدٌ لم يُمَشِطْ أَحدٌ جدائلَهُ بعدَهُ، وأَكداسُ أَوراقٍ لم تسلِّمْ أَحضانَها لعاملِ النَّظافةِ، ظلَّ يتنهَّدُ كأَنَّهُ ليلٌ يخلعُ آخرَ قمصانهِ، فإِذا بتدريسيٍّ يسأَلهُ مَنْ أَنت؟ قال: أَنا وريثُ هذهِ الأَشلاءِ.
ذاکرة المکان
مجلة الجمان
https://m-aljuman.com
ذاکرة المکان
بعدَ إِحدى وعشرينَ سنة مضينَ على تخرُّجهِ في كليّةَ الآدابِ زارها؛ ليهديَ عمادتَها نُسخةً من مجموعتهِ القصصيَّةِ، استوقفَتْهُ مسطبةٌ تسمَّرتْ عليها ساعاتُهُ وهو ينتظرُها، دَنَا منها فوَجَدَ في فمِها زوبعةَ الثَّكالى، وعلى ظهرِها طلاسمَ منسدلةً من قامةِ الأُفقِ المكسورةِ الخَصْرِ، وعلى الأَرضِ فنجاناً مقلوباً ينتظرُ عرَّافةً تعرفُ مسالكَهُ؛ لينسلَّ خِلْسَةً في ذاكرتِها التي غادرتْها ذاكرةُ المكانِ، دخلَ قاعةً تطلُّ نافذتُها على فِنَاءِ الكُليَّةِ، ستارٌ هنا مسدولٌ، وقلمٌ هناك لم يتقيأْ حبرَهُ بعد، ومقعدٌ لم يُمَشِطْ أَحدٌ جدائلَهُ بعدَهُ، وأَكداسُ أَوراقٍ لم تسلِّمْ أَحضانَها لعاملِ النَّظافةِ، ظلَّ يتنهَّدُ كأَنَّهُ ليلٌ يخلعُ آخرَ قمصانهِ، فإِذا بتدريسيٍّ يسأَلهُ مَنْ أَنت؟ قال: أَنا وريثُ هذهِ الأَشلاءِ.
أبو الحسنين الدعساوي
محمد حمود الياسين
ميرفت الخزاعي
التعليقات