خلف الرداء الأبيض

صورة الكاتب
بقلم: ميرفت الخزاعي
التاريخ: 10 أكتوبر 2026 عدد المشاهدات: 8
خلف الرداء الأبيض

 

ثمةَ حوادث تمرُ بنا في هذه الحياة، فلا نعود بعدها كما كنا أبداً. تتغيرُ نفوسنا مائة وثمانين درجة، نغدو أشخاصاً آخرين غرباء حتى عن أنفسنا. قد تحولنا تلك الصدمات إلى بشرٍ طيبين كالملائكة، أو تسوقنا إلى جانبٍ مظلم وقاسٍ. لا يهم ما نصبح عليه، لكن الأكيد أن كياننا ينقلبُ تماماً. والمشكلة أن الناس من حولنا لا يعرفون السر وراء هذا التحول المفاجئ، لنبدو في عيونهم مجانين أو غريبي أطوار.
انتابتني هذه الخواطر حين أصيبت أمي بجلطةٍ قلبية مفاجئة. نقلناها على عجل إلى قسم العناية المركزة في مستشفى متخصص بأمراض القلب في مدينتنا. هناك، واجهنا إجراءات إدارية جافة؛ تعامل الكادر الطبي كان خالياً من التعاطف، والزيارة ممنوعة تماماً، وكل شيء يسير بتزمتٍ شديد.
الممرضون يتراكضون في الممرات، هامسين بخوف: “احذروا مدير المستشفى المجنون، إنه يتصرفُ بعصبية شديدة إذا رأى أي تجمع لأقارب المرضى، وقد يصرخ في وجوههم ويطردهم بنفسه”.
لهذا السبب، كان الطاقم الطبي يبالغ في التشدد وتطبيق القوانين خوفاً من غضبه.
لكننا عرفنا السبب لاحقاً. هذا الطبيب فقد ابنه الأكبر منذ أشهرِ قليلة، كان شاباً في مقتبل العمر، فتسببَ موته بصدمةٍ نفسية وعصبية حادة للأب.
حينها فهمت أن هناك تصرفات كثيرة تبدو لنا غريبة وغير منطقية، فقط لأننا نجهل الحكاية التي تختبئ وراءها. وتخيلت ما يحدث خلف تلك الأبواب المغلقة في قصةٍ عشتُ تفاصيلها بمخيلتي:
دخلَ الممرض مسرعاً وبيده إضبارة المريض الجديد. استقبله الطبيب بلهفةٍ متسائلاً:
— ما اسم المريض؟!
أجابهُ الممرض بنبرةٍ عادية:
— أحمد.. يا دكتور.
تسمرَ الطبيبُ في مكانه، واتسعت عيناه وكأن صاعقة أصابته:
— أحمد! هيا أسرعوا.. خذوه فوراً إلى غرفة إنعاش القلب، ركّبوا له جهاز مراقبة النبض، وقناع الأكسجين، واعطوه إبر الهيبارين حالاً!
تفاجأ الممرض وحاول تهدئته:
— لكنه لا يحتاج لكل هذا يا دكتور! المريض يعاني من تشنجات عضلية بسيطة فقط، وتخطيط القلب والأشعة أكدا أن قلبه سليم تماماً.
صرخ الطبيب بهستيرية وهو يرتجف:
— أعيدوا له الفحوصات والتحاليل! أحمد يجب أن يعيش.. لن ندعه يموت هذه المرة!
حاول الممرض التراجع خطوة إلى الوراء وهو يقول:
— دكتور، أرجوك انتظر، المريض لا يحتاج لكل هذه الإجراءات، أنت تضخّم الأمر.
لكن الطبيب اندفع نحوه ، وقبض بيده على ياقة قميصه البيضاء قائلاً بنبرة حادة:
— الآن.. وحالاً، ادخلوه إلى العناية المركزة! لن نفقد أحمد هذه المرة.. هيا تحركوا، سأشرف على علاجه بنفسي!
اندفع الطبيبُ نحو سرير المريض، وانحنى فوقه ، يقيسُ نبضه بيدين ترتعشان، وعيناه تفيضان بدموعٍ محبوسة كتمتها كبرياء الأبوة والمهنة. كان يوجه الأجهزة، ويربط الأسلاك بلهفة أبٍ.
في تلك اللحظة، كان الممرضون وبقية الكادر الطبي يقفون في الممر، يتحلقون حول الغرفة بنظرات مليئة بالذهول والأسى. توزعت ابتساماتٌ مريرة ومكتومة على وجوههم، فقد تآلفوا مع هذا المشهد.
هذا هو حال الطبيب في كل مرة يدخل فيها مريض يحمل اسم “أحمد”. يفقد توازنه، ويحارب بكل الوسائل والطرق، ويستعمل كل الأجهزة والتحاليل والقسطرة، دون أن يستثني شيئاً.
أحمد ابنه الراحل، كان غصناً طرياً كسرته رياح القدر بغتة. كان شاباً حالماً ينتظر استلامه لروب التخرج، وفناناً تعزف أنامله أعذب الألحان. لم يترسم خطى أبيه في الطب، بل اختار طريقاً يشبه روحه الفرحة والمحبة للحياة.
ورغم أن الابن رحل ولم يعد يعزف، إلا أن قلوب كل المرضى الذين اسمهم “أحمد” ظلت تنبضُ في هذا العالم؛ لأن هناك أباً محطماً، يرفض أن يتوقف هذا اللحن الغالي في صدرِ أيٍّ منهم.

عن الکاتب / الکاتبة

ميرفت الخزاعي
ميرفت الخزاعي
قاصة وكاتبة/ العراق

مقالات أخرى للكاتب

قراءة في فيلم “حصان تورينو”

قراءة في فيلم “حصان تورينو”

قراءة في فيلم “حصان تورينو” يُعد فيلم “حصان تورينو” (The Turin Horse) أنتج عام 2011،…

صورة الكاتب ميرفت الخزاعي
7 يوليو 2026
اقرأ المزيد
نساءُ موسم الأحزان

نساءُ موسم الأحزان

نساءُ موسم الأحزان قادتها قدماها خلفَ النسوة المتشحاتِ بالسواد، المُثقلاتِ الخطى، وهنّ يتنقّلن من بيتٍ…

صورة الكاتب ميرفت الخزاعي
21 يونيو 2026
اقرأ المزيد
مسلسل :” اسمي حسن”

مسلسل :” اسمي حسن”

لا نعرف الطريقة او الاسلوب الذي اعدم به ابن عمي بعد انتفاضة الشهيد الصدر 1999.…

صورة الكاتب ميرفت الخزاعي
15 مارس 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


خلف الرداء الأبيض

بقلم: ميرفت الخزاعي | التاريخ: 10 أكتوبر 2026

التصنيف: قصة قصيرة و قصيرة جدا

 

ثمةَ حوادث تمرُ بنا في هذه الحياة، فلا نعود بعدها كما كنا أبداً. تتغيرُ نفوسنا مائة وثمانين درجة، نغدو أشخاصاً آخرين غرباء حتى عن أنفسنا. قد تحولنا تلك الصدمات إلى بشرٍ طيبين كالملائكة، أو تسوقنا إلى جانبٍ مظلم وقاسٍ. لا يهم ما نصبح عليه، لكن الأكيد أن كياننا ينقلبُ تماماً. والمشكلة أن الناس من حولنا لا يعرفون السر وراء هذا التحول المفاجئ، لنبدو في عيونهم مجانين أو غريبي أطوار.
انتابتني هذه الخواطر حين أصيبت أمي بجلطةٍ قلبية مفاجئة. نقلناها على عجل إلى قسم العناية المركزة في مستشفى متخصص بأمراض القلب في مدينتنا. هناك، واجهنا إجراءات إدارية جافة؛ تعامل الكادر الطبي كان خالياً من التعاطف، والزيارة ممنوعة تماماً، وكل شيء يسير بتزمتٍ شديد.
الممرضون يتراكضون في الممرات، هامسين بخوف: “احذروا مدير المستشفى المجنون، إنه يتصرفُ بعصبية شديدة إذا رأى أي تجمع لأقارب المرضى، وقد يصرخ في وجوههم ويطردهم بنفسه”.
لهذا السبب، كان الطاقم الطبي يبالغ في التشدد وتطبيق القوانين خوفاً من غضبه.
لكننا عرفنا السبب لاحقاً. هذا الطبيب فقد ابنه الأكبر منذ أشهرِ قليلة، كان شاباً في مقتبل العمر، فتسببَ موته بصدمةٍ نفسية وعصبية حادة للأب.
حينها فهمت أن هناك تصرفات كثيرة تبدو لنا غريبة وغير منطقية، فقط لأننا نجهل الحكاية التي تختبئ وراءها. وتخيلت ما يحدث خلف تلك الأبواب المغلقة في قصةٍ عشتُ تفاصيلها بمخيلتي:
دخلَ الممرض مسرعاً وبيده إضبارة المريض الجديد. استقبله الطبيب بلهفةٍ متسائلاً:
— ما اسم المريض؟!
أجابهُ الممرض بنبرةٍ عادية:
— أحمد.. يا دكتور.
تسمرَ الطبيبُ في مكانه، واتسعت عيناه وكأن صاعقة أصابته:
— أحمد! هيا أسرعوا.. خذوه فوراً إلى غرفة إنعاش القلب، ركّبوا له جهاز مراقبة النبض، وقناع الأكسجين، واعطوه إبر الهيبارين حالاً!
تفاجأ الممرض وحاول تهدئته:
— لكنه لا يحتاج لكل هذا يا دكتور! المريض يعاني من تشنجات عضلية بسيطة فقط، وتخطيط القلب والأشعة أكدا أن قلبه سليم تماماً.
صرخ الطبيب بهستيرية وهو يرتجف:
— أعيدوا له الفحوصات والتحاليل! أحمد يجب أن يعيش.. لن ندعه يموت هذه المرة!
حاول الممرض التراجع خطوة إلى الوراء وهو يقول:
— دكتور، أرجوك انتظر، المريض لا يحتاج لكل هذه الإجراءات، أنت تضخّم الأمر.
لكن الطبيب اندفع نحوه ، وقبض بيده على ياقة قميصه البيضاء قائلاً بنبرة حادة:
— الآن.. وحالاً، ادخلوه إلى العناية المركزة! لن نفقد أحمد هذه المرة.. هيا تحركوا، سأشرف على علاجه بنفسي!
اندفع الطبيبُ نحو سرير المريض، وانحنى فوقه ، يقيسُ نبضه بيدين ترتعشان، وعيناه تفيضان بدموعٍ محبوسة كتمتها كبرياء الأبوة والمهنة. كان يوجه الأجهزة، ويربط الأسلاك بلهفة أبٍ.
في تلك اللحظة، كان الممرضون وبقية الكادر الطبي يقفون في الممر، يتحلقون حول الغرفة بنظرات مليئة بالذهول والأسى. توزعت ابتساماتٌ مريرة ومكتومة على وجوههم، فقد تآلفوا مع هذا المشهد.
هذا هو حال الطبيب في كل مرة يدخل فيها مريض يحمل اسم “أحمد”. يفقد توازنه، ويحارب بكل الوسائل والطرق، ويستعمل كل الأجهزة والتحاليل والقسطرة، دون أن يستثني شيئاً.
أحمد ابنه الراحل، كان غصناً طرياً كسرته رياح القدر بغتة. كان شاباً حالماً ينتظر استلامه لروب التخرج، وفناناً تعزف أنامله أعذب الألحان. لم يترسم خطى أبيه في الطب، بل اختار طريقاً يشبه روحه الفرحة والمحبة للحياة.
ورغم أن الابن رحل ولم يعد يعزف، إلا أن قلوب كل المرضى الذين اسمهم “أحمد” ظلت تنبضُ في هذا العالم؛ لأن هناك أباً محطماً، يرفض أن يتوقف هذا اللحن الغالي في صدرِ أيٍّ منهم.