ما بينِي و بينِي !

صورة الكاتب
بقلم: ‏إبراهيم علي الإدريسي
التاريخ: 10 أكتوبر 2026 عدد المشاهدات: 5
ما بينِي و بينِي !

‏لم يكنِ الغيابُ مسافةً قُطِعَتْ،
‏بل كانَ انكفاءَ النورِ .. على النور.
‏أقفُ الآنَ في عتمةِ الوعيِ الأول،
‏مذهولاً بملامحِها ..
‏وهي تفيضُ من باطنِ الفكرةِ.. كأولِ الفجر.
‏إنها ليستْ هناك ..
‏بل هي انسكابُ النورِ في مرآةِ روحيَ الهائمة.
‏ألمحُ وجهَها في طَيّاتِ الصمت،
‏فترتجفُ عتباتُ الوجود،
‏وتولدُ من دمعةِ الدهشةِ ..
‏أولى تراتيلِ الشوقْ، كخمرٍ أزليةٍ..
‏صُبَّتْ في كأسِ الطينِ.. قبلَ صياغةِ العوالم.

‏ينكسرُ البلور !
‏من رَحِمِ تلكَ الدهشةِ الشاعرية ..
‏فالجسدُ الذي يحملُ سرَّ المحبوب،
‏يعبرُ الآنَ.. وادي الكثافةِ والامتحان.
‏لقد مسَّ عارضٌ ثوبَها اللطيف،
‏ووقعَ حادثُ الوقتِ..
‏على قميصِ روحِها الشفيف،
‏فاهتزَّتْ أركانُ الوجودِ في ذاتي.
‏لا أرى جرحاً بالعينِ ..
‏بل ألمحُ انخسافاً في كوكبٍ باطنيّ،
‏وأنصتُ إلى أنينٍ خفيٍّ.. يعبرُ عروقي،
‏يعلنُ أنَّ الوجعَ الذي أصابَ رداءَها الطينيّ
‏قد تغلغلَ في مساماتِ وعيي.
‏
‏هذا الوجعُ المشعُّ في الهيكلِ الحسيّ،
‏ليسَ سوى حجابٍ كثيفٍ ..
‏يلفُّ جلالَها الخفيّ.
‏الابتلاءُ في عُرفِ العشقِ.. مكاشفةٌ قاسية؛
‏وتعريةٌ للروحِ..
‏من زينةِ العافيةِ الزائفة،
‏لتسفرَ عن نورِها المحض.
‏كلُّ أنةٍ تخرجُ من صدرِها المتعبِ..
‏في غيابِها القسريّ،
‏تتحولُ في فضائي الروحيّ..
‏إلى مِعولٍ يهدّمُ جدرانَ الوهم،
‏فتتضحُ الصورةُ أشدَّ جلاء:
‏إنها تذوبُ لتصفو.. وتتألمُ.. لتشرق!
‏
‏وحينَ يثقلُ كاهلُ الجسدِ ..
‏تحتَ وطأةِ السقمْ، تخرسُ الألسنُ،
‏ويولدُ من رَحِمِ الألمِ.. صمتٌ مقدس.
‏لم نعدْ بحاجةٍ إلى الكلامِ،
‏فالكلامُ حيلةُ الأجسادِ المعافاةِ المتباعدة،
‏أما الأرواحُ الممتزجةُ بالوجع..
‏فتلتقي في برزخِ الصمتِ السامي.
‏في هذا المقامِ ..
‏أنصتُ لضرباتِ قلبِها البعيد،
‏عبرَ ذبذباتِ السكون،
‏حيثُ يصيرُ النَفَسُ الواحدُ منا
‏هو ذاتُهُ .. صدى النَفَسِ الآخر.
‏
‏يفنى البُعدُ ..
‏من هيبةِ هذا الصمتِ الساكن،
‏وتتلاشى فكرةُ الغيابِ القسريّ.
‏إذا كانَ الهيكلُ الحسيُّ في مكانٍ ناءٍ،
‏فإنَّ العشقَ يرفعُ الذاتَ
‏إلى مرتبةِ اللا مكان.
‏لقد احترقَتِ المسافاتُ
‏بنارِ الهجرِ الشريفْ،
‏وما عادَ هناكَ
‏”أنا” يرتقبْ .. و”هي” تتألم؛
‏لقد فنيتُ في عِلَّتِها..
‏وبقيتْ هي العافيةَ..
‏المستقرةَ في أزليةِ وجودي.
‏
‏هذا الفناءُ المطبق ..
‏يلدُ تحرراً من قيدِ الزمانِ والمكان.
‏فالسائرونَ في طرقاتِ المادةِ..
‏ينتظرونَ الغدْ، أما العارفُ
‏فيختزلُ الآتي في لحظةِ “الآن” السرمدية.
‏في هذهِ النقطةِ المضيئةِ .. من عُمقِ الغياب،
‏ينبتُ الأزلُ والأبدُ معاً؛
‏فاللحظةُ التي تئنُّ روحُها
‏تحتَ وطأةِ السقمْ، هي ذاتُها اللحظةُ
‏التي تبرأُ فيها روحي .. بفيضِ وصالِها الغيبيّ.
‏
‏لكنَّ “الآن” المستقرَّ في النفس..
‏يعقبُهُ أنينُ الحنينِ الوجوديّ؛
‏كصوتِ نايٍ ..
‏قُطِعَ من منبتِهِ في الغاب،
‏ينوحُ بلا انقطاعٍ .. على شجيرتِهِ الأولى.
‏الغيابُ القسريّْ .. طَرَدَ الروحَ
‏إلى منافي الحيرةِ وغربتها،
‏غربةٌ لا تداويها الطمأنينة،
‏جعلتِ الكونَ شاحباً
‏والجسدَ فتاتَ ألمٍ،
‏ينتظرُ نفحةَ الشفاءِ..
‏مع إشراقِ وجهِ المحبوب.
‏
‏ومن رَحِمِ تلكَ الغربةِ .. ومرارتِها،
‏تنبثقُ نارُ التطهيرِ الكبرى.
‏إنَّ الألمَ الذي يكتنفُها الآن،
‏ألمَّ بثوبِها الأرضيّ،
‏هو النارُ الإبريزيةُ
‏التي تصهرُ الذهب.
‏فالمحبةُ لا تبلغُ كمالَها..
‏إلا إذا عُجِنَتْ بالدمع،
‏وتطهرتْ بالخوفِ الشريف.
‏إننا نُصهرُ معاً في تنّورِ الابتلاء،
‏فتخرجُ المحبةُ من طينِ العاطفةِ
‏إلى جوهرِ النورِ الخالص.
‏
‏وبعدَ انطفاءِ نارِ التطهيرْ،
‏يتجلى التناغمُ الوجوديُّ
‏في أبهى صورِهِ السيميائية.
‏لم يعدِ الألمُ معزولاً في جسدِها؛
‏إنَّ حركةَ النملةِ على الصخرةِ الصمّاء،
‏واهتزازَ أوراقِ الشجرِ في المغيب،
‏وثِقَلَ السحابِ الراحلِ في السماء،
‏كلَّها تتحركُ بإيقاعِ وجعِها.. ونبضِ شوقي.
‏أصبحنا نسيجاً واحداً.. يسري فيهِ السرُّ الخفيّ،
‏فإذا اشتكَتْ عضواً ..
‏تداعى لها الكونُ بالسهرِ والحُمّى.
‏
‏وفي منتهى السفرِ ..
‏وعُمقِ المكاشفة،
‏ألتفتُ لأبحثَ عنها.. في منافي الغياب،
‏وخلفَ قضبانهِ…
‏فلا أجدُها هناك !
‏أمدُّ يدي …
‏أقصى المدى لانتشالِها،
‏فلا تلمسُ أصابعي .. إلا شغافَ قلبي!
‏
‏لقد تلاشتِ المسافةُ بالكلية،
‏وانمحتِ الحدودُ .. بينَ المحِبِّ والمحبوب؛
‏وكانَ السفرُ كلُّهُ ..
‏طوافاً حَوْلَ كنزٍ قابعٍ في الصدر.
‏
‏ينتهي الطوافُ
‏في عينِ الحقيقة،
‏حيثُ يذوبُ الأنينُ في الرضا المطلق،
‏فلم تكنْ هي الغائبةَ
‏ولم أكنْ أنا المُنتظرَ؛
‏كانَ الغيابُ كلُّهُ..
‏طريقاً إلى ما لم يغبْ.
‏
‏وهناكَ،
‏حيثُ لا مسافةَ بينَ نورٍ ونورْ،
‏ذابتْ صورتُها في صورتي،
‏وذابَ انتظاري في حضورِها،
‏واستقرَّ الحبُّ في موضعِهِ الأولْ:
‏في القلبِ
‏حيثُ لا يطالُهُ زمانٌ،
‏ولا تمسُّهُ نوى،
‏ولا يغيبُ عنهُ مَن كانَ فيهِ منذُ البدءِ.
‏
‏فلم تكنْ هي الغائبةَ..
‏كانَ الغيابُ ما بيني وبيني !
‏

عن الکاتب / الکاتبة

‏إبراهيم علي الإدريسي
‏إبراهيم علي الإدريسي
شاعر / العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


ما بينِي و بينِي !

بقلم: ‏إبراهيم علي الإدريسي | التاريخ: 10 أكتوبر 2026

التصنيف: الشعر والنصوص الادبیة

‏لم يكنِ الغيابُ مسافةً قُطِعَتْ،
‏بل كانَ انكفاءَ النورِ .. على النور.
‏أقفُ الآنَ في عتمةِ الوعيِ الأول،
‏مذهولاً بملامحِها ..
‏وهي تفيضُ من باطنِ الفكرةِ.. كأولِ الفجر.
‏إنها ليستْ هناك ..
‏بل هي انسكابُ النورِ في مرآةِ روحيَ الهائمة.
‏ألمحُ وجهَها في طَيّاتِ الصمت،
‏فترتجفُ عتباتُ الوجود،
‏وتولدُ من دمعةِ الدهشةِ ..
‏أولى تراتيلِ الشوقْ، كخمرٍ أزليةٍ..
‏صُبَّتْ في كأسِ الطينِ.. قبلَ صياغةِ العوالم.

‏ينكسرُ البلور !
‏من رَحِمِ تلكَ الدهشةِ الشاعرية ..
‏فالجسدُ الذي يحملُ سرَّ المحبوب،
‏يعبرُ الآنَ.. وادي الكثافةِ والامتحان.
‏لقد مسَّ عارضٌ ثوبَها اللطيف،
‏ووقعَ حادثُ الوقتِ..
‏على قميصِ روحِها الشفيف،
‏فاهتزَّتْ أركانُ الوجودِ في ذاتي.
‏لا أرى جرحاً بالعينِ ..
‏بل ألمحُ انخسافاً في كوكبٍ باطنيّ،
‏وأنصتُ إلى أنينٍ خفيٍّ.. يعبرُ عروقي،
‏يعلنُ أنَّ الوجعَ الذي أصابَ رداءَها الطينيّ
‏قد تغلغلَ في مساماتِ وعيي.
‏
‏هذا الوجعُ المشعُّ في الهيكلِ الحسيّ،
‏ليسَ سوى حجابٍ كثيفٍ ..
‏يلفُّ جلالَها الخفيّ.
‏الابتلاءُ في عُرفِ العشقِ.. مكاشفةٌ قاسية؛
‏وتعريةٌ للروحِ..
‏من زينةِ العافيةِ الزائفة،
‏لتسفرَ عن نورِها المحض.
‏كلُّ أنةٍ تخرجُ من صدرِها المتعبِ..
‏في غيابِها القسريّ،
‏تتحولُ في فضائي الروحيّ..
‏إلى مِعولٍ يهدّمُ جدرانَ الوهم،
‏فتتضحُ الصورةُ أشدَّ جلاء:
‏إنها تذوبُ لتصفو.. وتتألمُ.. لتشرق!
‏
‏وحينَ يثقلُ كاهلُ الجسدِ ..
‏تحتَ وطأةِ السقمْ، تخرسُ الألسنُ،
‏ويولدُ من رَحِمِ الألمِ.. صمتٌ مقدس.
‏لم نعدْ بحاجةٍ إلى الكلامِ،
‏فالكلامُ حيلةُ الأجسادِ المعافاةِ المتباعدة،
‏أما الأرواحُ الممتزجةُ بالوجع..
‏فتلتقي في برزخِ الصمتِ السامي.
‏في هذا المقامِ ..
‏أنصتُ لضرباتِ قلبِها البعيد،
‏عبرَ ذبذباتِ السكون،
‏حيثُ يصيرُ النَفَسُ الواحدُ منا
‏هو ذاتُهُ .. صدى النَفَسِ الآخر.
‏
‏يفنى البُعدُ ..
‏من هيبةِ هذا الصمتِ الساكن،
‏وتتلاشى فكرةُ الغيابِ القسريّ.
‏إذا كانَ الهيكلُ الحسيُّ في مكانٍ ناءٍ،
‏فإنَّ العشقَ يرفعُ الذاتَ
‏إلى مرتبةِ اللا مكان.
‏لقد احترقَتِ المسافاتُ
‏بنارِ الهجرِ الشريفْ،
‏وما عادَ هناكَ
‏”أنا” يرتقبْ .. و”هي” تتألم؛
‏لقد فنيتُ في عِلَّتِها..
‏وبقيتْ هي العافيةَ..
‏المستقرةَ في أزليةِ وجودي.
‏
‏هذا الفناءُ المطبق ..
‏يلدُ تحرراً من قيدِ الزمانِ والمكان.
‏فالسائرونَ في طرقاتِ المادةِ..
‏ينتظرونَ الغدْ، أما العارفُ
‏فيختزلُ الآتي في لحظةِ “الآن” السرمدية.
‏في هذهِ النقطةِ المضيئةِ .. من عُمقِ الغياب،
‏ينبتُ الأزلُ والأبدُ معاً؛
‏فاللحظةُ التي تئنُّ روحُها
‏تحتَ وطأةِ السقمْ، هي ذاتُها اللحظةُ
‏التي تبرأُ فيها روحي .. بفيضِ وصالِها الغيبيّ.
‏
‏لكنَّ “الآن” المستقرَّ في النفس..
‏يعقبُهُ أنينُ الحنينِ الوجوديّ؛
‏كصوتِ نايٍ ..
‏قُطِعَ من منبتِهِ في الغاب،
‏ينوحُ بلا انقطاعٍ .. على شجيرتِهِ الأولى.
‏الغيابُ القسريّْ .. طَرَدَ الروحَ
‏إلى منافي الحيرةِ وغربتها،
‏غربةٌ لا تداويها الطمأنينة،
‏جعلتِ الكونَ شاحباً
‏والجسدَ فتاتَ ألمٍ،
‏ينتظرُ نفحةَ الشفاءِ..
‏مع إشراقِ وجهِ المحبوب.
‏
‏ومن رَحِمِ تلكَ الغربةِ .. ومرارتِها،
‏تنبثقُ نارُ التطهيرِ الكبرى.
‏إنَّ الألمَ الذي يكتنفُها الآن،
‏ألمَّ بثوبِها الأرضيّ،
‏هو النارُ الإبريزيةُ
‏التي تصهرُ الذهب.
‏فالمحبةُ لا تبلغُ كمالَها..
‏إلا إذا عُجِنَتْ بالدمع،
‏وتطهرتْ بالخوفِ الشريف.
‏إننا نُصهرُ معاً في تنّورِ الابتلاء،
‏فتخرجُ المحبةُ من طينِ العاطفةِ
‏إلى جوهرِ النورِ الخالص.
‏
‏وبعدَ انطفاءِ نارِ التطهيرْ،
‏يتجلى التناغمُ الوجوديُّ
‏في أبهى صورِهِ السيميائية.
‏لم يعدِ الألمُ معزولاً في جسدِها؛
‏إنَّ حركةَ النملةِ على الصخرةِ الصمّاء،
‏واهتزازَ أوراقِ الشجرِ في المغيب،
‏وثِقَلَ السحابِ الراحلِ في السماء،
‏كلَّها تتحركُ بإيقاعِ وجعِها.. ونبضِ شوقي.
‏أصبحنا نسيجاً واحداً.. يسري فيهِ السرُّ الخفيّ،
‏فإذا اشتكَتْ عضواً ..
‏تداعى لها الكونُ بالسهرِ والحُمّى.
‏
‏وفي منتهى السفرِ ..
‏وعُمقِ المكاشفة،
‏ألتفتُ لأبحثَ عنها.. في منافي الغياب،
‏وخلفَ قضبانهِ…
‏فلا أجدُها هناك !
‏أمدُّ يدي …
‏أقصى المدى لانتشالِها،
‏فلا تلمسُ أصابعي .. إلا شغافَ قلبي!
‏
‏لقد تلاشتِ المسافةُ بالكلية،
‏وانمحتِ الحدودُ .. بينَ المحِبِّ والمحبوب؛
‏وكانَ السفرُ كلُّهُ ..
‏طوافاً حَوْلَ كنزٍ قابعٍ في الصدر.
‏
‏ينتهي الطوافُ
‏في عينِ الحقيقة،
‏حيثُ يذوبُ الأنينُ في الرضا المطلق،
‏فلم تكنْ هي الغائبةَ
‏ولم أكنْ أنا المُنتظرَ؛
‏كانَ الغيابُ كلُّهُ..
‏طريقاً إلى ما لم يغبْ.
‏
‏وهناكَ،
‏حيثُ لا مسافةَ بينَ نورٍ ونورْ،
‏ذابتْ صورتُها في صورتي،
‏وذابَ انتظاري في حضورِها،
‏واستقرَّ الحبُّ في موضعِهِ الأولْ:
‏في القلبِ
‏حيثُ لا يطالُهُ زمانٌ،
‏ولا تمسُّهُ نوى،
‏ولا يغيبُ عنهُ مَن كانَ فيهِ منذُ البدءِ.
‏
‏فلم تكنْ هي الغائبةَ..
‏كانَ الغيابُ ما بيني وبيني !
‏