لم يكنِ الغيابُ مسافةً قُطِعَتْ،
بل كانَ انكفاءَ النورِ .. على النور.
أقفُ الآنَ في عتمةِ الوعيِ الأول،
مذهولاً بملامحِها ..
وهي تفيضُ من باطنِ الفكرةِ.. كأولِ الفجر.
إنها ليستْ هناك ..
بل هي انسكابُ النورِ في مرآةِ روحيَ الهائمة.
ألمحُ وجهَها في طَيّاتِ الصمت،
فترتجفُ عتباتُ الوجود،
وتولدُ من دمعةِ الدهشةِ ..
أولى تراتيلِ الشوقْ، كخمرٍ أزليةٍ..
صُبَّتْ في كأسِ الطينِ.. قبلَ صياغةِ العوالم.
ينكسرُ البلور !
من رَحِمِ تلكَ الدهشةِ الشاعرية ..
فالجسدُ الذي يحملُ سرَّ المحبوب،
يعبرُ الآنَ.. وادي الكثافةِ والامتحان.
لقد مسَّ عارضٌ ثوبَها اللطيف،
ووقعَ حادثُ الوقتِ..
على قميصِ روحِها الشفيف،
فاهتزَّتْ أركانُ الوجودِ في ذاتي.
لا أرى جرحاً بالعينِ ..
بل ألمحُ انخسافاً في كوكبٍ باطنيّ،
وأنصتُ إلى أنينٍ خفيٍّ.. يعبرُ عروقي،
يعلنُ أنَّ الوجعَ الذي أصابَ رداءَها الطينيّ
قد تغلغلَ في مساماتِ وعيي.
هذا الوجعُ المشعُّ في الهيكلِ الحسيّ،
ليسَ سوى حجابٍ كثيفٍ ..
يلفُّ جلالَها الخفيّ.
الابتلاءُ في عُرفِ العشقِ.. مكاشفةٌ قاسية؛
وتعريةٌ للروحِ..
من زينةِ العافيةِ الزائفة،
لتسفرَ عن نورِها المحض.
كلُّ أنةٍ تخرجُ من صدرِها المتعبِ..
في غيابِها القسريّ،
تتحولُ في فضائي الروحيّ..
إلى مِعولٍ يهدّمُ جدرانَ الوهم،
فتتضحُ الصورةُ أشدَّ جلاء:
إنها تذوبُ لتصفو.. وتتألمُ.. لتشرق!
وحينَ يثقلُ كاهلُ الجسدِ ..
تحتَ وطأةِ السقمْ، تخرسُ الألسنُ،
ويولدُ من رَحِمِ الألمِ.. صمتٌ مقدس.
لم نعدْ بحاجةٍ إلى الكلامِ،
فالكلامُ حيلةُ الأجسادِ المعافاةِ المتباعدة،
أما الأرواحُ الممتزجةُ بالوجع..
فتلتقي في برزخِ الصمتِ السامي.
في هذا المقامِ ..
أنصتُ لضرباتِ قلبِها البعيد،
عبرَ ذبذباتِ السكون،
حيثُ يصيرُ النَفَسُ الواحدُ منا
هو ذاتُهُ .. صدى النَفَسِ الآخر.
يفنى البُعدُ ..
من هيبةِ هذا الصمتِ الساكن،
وتتلاشى فكرةُ الغيابِ القسريّ.
إذا كانَ الهيكلُ الحسيُّ في مكانٍ ناءٍ،
فإنَّ العشقَ يرفعُ الذاتَ
إلى مرتبةِ اللا مكان.
لقد احترقَتِ المسافاتُ
بنارِ الهجرِ الشريفْ،
وما عادَ هناكَ
”أنا” يرتقبْ .. و”هي” تتألم؛
لقد فنيتُ في عِلَّتِها..
وبقيتْ هي العافيةَ..
المستقرةَ في أزليةِ وجودي.
هذا الفناءُ المطبق ..
يلدُ تحرراً من قيدِ الزمانِ والمكان.
فالسائرونَ في طرقاتِ المادةِ..
ينتظرونَ الغدْ، أما العارفُ
فيختزلُ الآتي في لحظةِ “الآن” السرمدية.
في هذهِ النقطةِ المضيئةِ .. من عُمقِ الغياب،
ينبتُ الأزلُ والأبدُ معاً؛
فاللحظةُ التي تئنُّ روحُها
تحتَ وطأةِ السقمْ، هي ذاتُها اللحظةُ
التي تبرأُ فيها روحي .. بفيضِ وصالِها الغيبيّ.
لكنَّ “الآن” المستقرَّ في النفس..
يعقبُهُ أنينُ الحنينِ الوجوديّ؛
كصوتِ نايٍ ..
قُطِعَ من منبتِهِ في الغاب،
ينوحُ بلا انقطاعٍ .. على شجيرتِهِ الأولى.
الغيابُ القسريّْ .. طَرَدَ الروحَ
إلى منافي الحيرةِ وغربتها،
غربةٌ لا تداويها الطمأنينة،
جعلتِ الكونَ شاحباً
والجسدَ فتاتَ ألمٍ،
ينتظرُ نفحةَ الشفاءِ..
مع إشراقِ وجهِ المحبوب.
ومن رَحِمِ تلكَ الغربةِ .. ومرارتِها،
تنبثقُ نارُ التطهيرِ الكبرى.
إنَّ الألمَ الذي يكتنفُها الآن،
ألمَّ بثوبِها الأرضيّ،
هو النارُ الإبريزيةُ
التي تصهرُ الذهب.
فالمحبةُ لا تبلغُ كمالَها..
إلا إذا عُجِنَتْ بالدمع،
وتطهرتْ بالخوفِ الشريف.
إننا نُصهرُ معاً في تنّورِ الابتلاء،
فتخرجُ المحبةُ من طينِ العاطفةِ
إلى جوهرِ النورِ الخالص.
وبعدَ انطفاءِ نارِ التطهيرْ،
يتجلى التناغمُ الوجوديُّ
في أبهى صورِهِ السيميائية.
لم يعدِ الألمُ معزولاً في جسدِها؛
إنَّ حركةَ النملةِ على الصخرةِ الصمّاء،
واهتزازَ أوراقِ الشجرِ في المغيب،
وثِقَلَ السحابِ الراحلِ في السماء،
كلَّها تتحركُ بإيقاعِ وجعِها.. ونبضِ شوقي.
أصبحنا نسيجاً واحداً.. يسري فيهِ السرُّ الخفيّ،
فإذا اشتكَتْ عضواً ..
تداعى لها الكونُ بالسهرِ والحُمّى.
وفي منتهى السفرِ ..
وعُمقِ المكاشفة،
ألتفتُ لأبحثَ عنها.. في منافي الغياب،
وخلفَ قضبانهِ…
فلا أجدُها هناك !
أمدُّ يدي …
أقصى المدى لانتشالِها،
فلا تلمسُ أصابعي .. إلا شغافَ قلبي!
لقد تلاشتِ المسافةُ بالكلية،
وانمحتِ الحدودُ .. بينَ المحِبِّ والمحبوب؛
وكانَ السفرُ كلُّهُ ..
طوافاً حَوْلَ كنزٍ قابعٍ في الصدر.
ينتهي الطوافُ
في عينِ الحقيقة،
حيثُ يذوبُ الأنينُ في الرضا المطلق،
فلم تكنْ هي الغائبةَ
ولم أكنْ أنا المُنتظرَ؛
كانَ الغيابُ كلُّهُ..
طريقاً إلى ما لم يغبْ.
وهناكَ،
حيثُ لا مسافةَ بينَ نورٍ ونورْ،
ذابتْ صورتُها في صورتي،
وذابَ انتظاري في حضورِها،
واستقرَّ الحبُّ في موضعِهِ الأولْ:
في القلبِ
حيثُ لا يطالُهُ زمانٌ،
ولا تمسُّهُ نوى،
ولا يغيبُ عنهُ مَن كانَ فيهِ منذُ البدءِ.
فلم تكنْ هي الغائبةَ..
كانَ الغيابُ ما بيني وبيني !
حامد عبدالحسین حمیدي
أمل عايد البابلي
د.مسلم الطعان
التعليقات