(عوني كرومي…وسيط الثقافات) كتابٌ يطرح سؤالاً أكبر مما يجيب عنه

صورة الكاتب
بقلم: حيدر عبدالله الشطري
التاريخ: 24 أكتوبر 2026 عدد المشاهدات: 3562
(عوني كرومي…وسيط الثقافات) كتابٌ يطرح سؤالاً أكبر مما يجيب عنه

يستهلّ د. بشار عليوي كتابه (عوني كرومي وسيط الثقافات) بسؤال يضع العنوان نفسه موضع الاختبار:
هل كان عوني كرومي بالفعل وسيط الثقافات؟
ويعلن المؤلف في الصفحة التاسعة أن اللقب سيكون مدخلاً لقراءة مشروع كرومي المسرحي والفكري والتحقق من الأسس التي يستند إليها ومن هذا الإعلان تتكوّن توقعات القارئ فالسؤال الذي يفتتح الكتاب يستدعي في نهايته خلاصة توضّح ما الذي أثبتته الوثائق وما الذي ظلّ موضع احتمال غير أن الكتاب على الرغم من مادته التوثيقية الواسعة لا ينتهي إلى مناقشة ختامية تجمع الأدلة وتختبرها في ضوء السؤال الأول وتبقى المسافة قائمة بين طرح القضية في المقدمة وتقديم حصيلة نقدية واضحة لها، ويمكن قراءة هذا الأمر على وجهين هما فالاول ربما أراد المؤلف تجنّب حكم قاطع على تجربة معقدة تتداخل فيها الممارسة المسرحية والتعليم والترجمة والعمل الثقافي والثاني قد يكون ذلك نقصاً في استكمال المنهج الذي أعلنه والفرق بين الاحتمالين إن ترك السؤال مفتوحاً يصبح موقفاً نقدياً حين يوضّح المؤلف أسباب ذلك وحدوده أما حين يغيب التوضيح فيظل القارئ أمام احتمالين.
فالوساطة الثقافية تُقاس بطبيعة التبادل الذي تحقّق خلالها وباتجاهاته ومدى وصوله إلى الجمهور والمؤسسات في الثقافتين وليس بكثرة المحطات وحدها.
وإذا تتبعنا اتجاه العبور في الأعمال التي يعرضها الكتاب وجدنا حضوراً واضحاً للمسرح الأوروبي في تجربة كرومي العربية فقد أخرج أعمالاً لكتّاب من بينهم (بريشت وسترندبرغ وماترلينك وكامو وتشيخوف ومكسيم فريش) إلى جانب عمله الأكاديمي واهتمامه بنقل المعارف المسرحية إلى الطلبة وفي المقابل يقدّم الكتاب نماذج من انتقال أعمال عربية إلى الفضاء المسرحي الألماني منها (مسافر ليل ) لصلاح عبد الصبور فضلاً عن (السيد والعبد) المقتبسة عن نص بابلي قديم ومشروع (بغداد–برلين) عام 2005.
وهذه المعطيات تتيح طرح سؤال عن مدى التكافؤ بين اتجاهي التبادل لكنها لا تكفي وحدها لقياسه قياساً نهائياً فعدد العروض ومكان تقديمها وطبيعة المؤسسة المستضيفة وحجم التلقي النقدي والجماهيري عناصر مختلفة ينبغي التمييز بينها ومع ذلك فإن شهادة الباحثة والناقدة الألمانية (سابينه كبير) تفتح باباً مهماً للنقاش إذ تشير إلى أن المسارح الكبرى في ألمانيا الاتحادية لم تكن قد قدّمت عملاً مسرحياً لكاتب عربي في حين شهدت ألمانيا الديمقراطية تجربتين من هذا النوع كما تتناول تجربة (مسافر ليل) في سياق المسرح المستقل.
وتكتسب هذه الشهادة أهميتها من أنها صادرة عن قراءة من داخل الوسط الثقافي الألماني وتكشف أن حضور كرومي في ألمانيا لم يكن بالضرورة دليلاً على تحقق الاعتراف المؤسسي نفسه الذي كان يحظى به المسرح الأوروبي في السياق العربي وهنا تظهر مفارقة تستحق أن تدخل في صلب التحليل وهي
كيف يمكن تقدير لقب (وسيط الثقافات) في ضوء تفاوت فرص الوصول إلى المؤسسات المسرحية في الطرفين؟
وهل كان نجاح كرومي في بناء جسور فردية وفنية قادراً على تجاوز محدودية الاعتراف المؤسسي؟
وهذه الاسئلة تساعد على فهم طبيعة الإنجاز وحدوده ولا تنتقص من التجربة.
وتزداد أهمية هذه الأسئلة عند الانتقال إلى مشروع (بغداد–برلين) عام 2005 الذي يحتل مكانة بارزة في سرد الكتاب لتجربة كرومي ففي المتن يظهر المشروع بوصفه محاولة للتعريف بالمسرح العراقي داخل ألمانيا وإتاحة لقاء بين فنانين من البلدين وربط النشاط المسرحي بالحوار الثقافي. أما الملحق فيضم مقال (كريستيانه كول) المنشور في صحيفة (taz) بتاريخ 10 آب/أغسطس 2005 والذي يقدم قراءة نقدية لبعض جوانب المشروع التنظيمية والحوارية.
تذكر كول أن المشروع كان مقرراً تحت عنوان (الحرية المدهشة) وأنه استهدف جمع فنانين عراقيين وألمان للعمل المشترك والتعرف إلى المؤسسات الثقافية لكنها تتوقف عند صعوبات في التنظيم وتورد تصريحات للفنانة العراقية فرح طه درويش تعبّر فيها عن رغبة الفنانين في إثبات قدرتهم على مواصلة العمل بدلاً من تقديم أنفسهم باعتبارهم محتاجين إلى المساعدة كما تنتقد كول محدودية مشاركة الجمهور في النقاش حول اختلاف الرؤى وتشير إلى إقامة محاضرة عن واقع المسرح العراقي من دون توفير الترجمة بين العربية والألمانية ثم تذكر أن العرض قُدّم في النهاية من دون العنوان الذي كان مقرراً له.
ويُحسب للمؤلف أنه أدرج هذه المادة النقدية ضمن كتابه مع أنها تضع بعض جوانب المشروع موضع مساءلة غير أن إدراج الشهادة يختلف عن تحليلها فقد كان يمكن للمؤلف أن يقارن بصورة مباشرة بين أهداف المشروع كما عُرضت في المتن وبين ما سجلته كول من صعوبات وأن يوضح ما إذا كانت هذه الصعوبات قد أثرت في النتائج الفنية أو في طبيعة الحوار الذي أُريد للمشروع أن يحققه.
ومع ذلك ينبغي التعامل مع مقال كول في حدود مادته فهو شهادة صحفية تتناول التحضير والتنظيم والتواصل مع الجمهور ولا تكفي وحدها لإصدار حكم شامل على المشروع أو على القيمة الفنية لجميع الأعمال المشاركة فيه كما أن المقال ينقل إشارات إلى شائعات عن خلافات بين عوني كرومي و(غيزو كاكوشكه) لكنه لا يثبت تلك الشائعات ولا يحمّل كرومي وحده مسؤولية ما جرى وفي المقابل تنقل كول عن عواطف نعيم تعبيرها عن سعادتها بما أتاحته الإقامة في برلين من حرية وأمان وهو ما يكشف تعدد التجارب داخل المشروع نفسه.
وهكذا تكمن المسألة في ضرورة جمع الشهادات ومقارنتها فمشروع يقدَّم باعتباره نموذجاً للحوار الثقافي يستحق أن يُختبر من خلال آراء منظميه والمشاركين فيه والجمهور الذي استهدفه إلى جانب ما كتبته الصحافة الألمانية عنه ومن دون هذه المقارنة يبقى وصف المشروع بأنه ذروة تجربة الوساطة حكماً يحتاج إلى مزيد من البرهنة.
ويتصل بذلك اعتماد الكتاب المتكرر على حوار عوني كرومي مع مجلة (Die Deutsche Bühne) عام 2003 وهو مصدر مهم لفهم رؤيته للمسرح وعلاقته ببريشت والمجتمع والمنفى غير أن قيمة هذا الحوار لا تلغي ضرورة مراعاة زمنه فهو شهادة متأخرة نسبياً على تجربة امتدت لعقود ويمكن الاستفادة منه لفهم الطريقة التي كان كرومي يفسر بها مشروعه في أواخر حياته لكنه يحتاج إلى مصادر معاصرة عندما يُستعمل لتفسير تفاصيل عروض أسبق أو لإثبات طبيعة الممارسة المسرحية في السبعينيات والثمانينيات.
فالقول إن بريشت منهج لا نموذج جاهزاً أو إن النقل الحرفي للنص لا يصنع مسرحاً قد يعبّر عن رؤية فكرية وجمالية واضحة لكنه لا يثبت وحده أن هذه الرؤية طُبّقت بالطريقة نفسها في كل عرض وتظل برامج العروض والمراجعات الصحفية المعاصرة وشهادات الممثلين والطلبة والوثائق الإخراجية مصادر ضرورية لاختبار العلاقة بين التصور النظري والممارسة الفعلية. وبهذا يصبح الحوار المتأخر مفتاحاً للفهم وفرضية للتحقق لا بديلاً عن الأدلة التي تخص المراحل السابقة.
ويظهر تكرار هذه الرؤية في بعض الصيغ التي يستخدمها الكتاب عند وصف تعامل كرومي مع النص المسرحي إذ تتكرر أحكام متقاربة تؤكد انتقاله من التعامل مع النص باعتباره مادة جاهزة إلى إعادة بنائه وفق رؤية إخراجية وتظهر هذه الصيغة في مناقشة أكثر من تجربة ومنها أعمال مرتبطة ببريشت وهي صيغة مفهومة في سياق شرح منهج كرومي لكن تكرارها يثير سؤالاً عن مقدار التمايز الذي تمنحه القراءة لكل عرض فالأعمال المتباينة تحتاج إلى تحليل يوضح اختلاف شروطها الدرامية والجمالية لا إلى حكم عام يصلح لها جميعاً.
وهنا تتعلق الملاحظة بطريقة العرض والتحليل أكثر مما تتعلق بصحة الفكرة الأساسية فالتأكيد على أن كرومي أعاد قراءة النصوص لا يكفي وحده إذ ينبغي بيان الكيفية التي حدثت بها هذه الإعادة وما الذي تغيّر في بنية العرض وعلاقة الممثل بالمتفرج وتشكيل الفضاء وإيقاع الأداء والسياق الثقافي الذي نُقل إليه العمل.
وتبرز مسألة مشابهة عند تناول الكتاب قول إن كرومي كان (أول من أدخل المنهج البريشتي إلى المسرح العراقي ضمن سياقات أكاديمية) فهذا حكم واسع يحتاج إلى تحديد المقصود بالأولية فالكتاب نفسه يذكر أن كرومي مثّل في مسرحية (القاعدة والاستثناء) لبريشت عام 1964 من إخراج (رفيق علي) كما يشير إلى رسالة (سالم مهدي الأعرجي) عام 1989 التي تناولت فهم المؤلف والمخرج العراقي لمنهج بريشت.
ولا تثبت هذه المعلومات وحدها أن المنهج البريشتي كان قد ترسخ قبل كرومي فتقديم نص لبريشت يختلف عن تطبيق منهجه كما يختلف التطبيق الفني عن التدريس الأكاديمي المنظم لكنها تجعل تحديد معنى الأولوية ضرورة علمية وربما كان الأدق أن يحدّد المؤلف إسهام كرومي في إدخال المنهج البريشتي إلى التعليم المسرحي الجامعي إذا كانت الوثائق المقارنة تسند هذا التحديد بدلاً من إطلاق حكم يحتمل أكثر من معنى.
وتحتاج الفقرة التي تعرض هذا الادعاء كذلك إلى وضوح أكبر في نسبة القول إلى مصدره إذ ترد صياغة مطولة بين علامتي تنصيص مع إحالة إلى أطروحة (نجاة عيسى حسن )وينبغي أن يعرف القارئ بدقة أين ينتهي الاقتباس وما الذي ينقله المؤلف عن الباحثة وما الذي يتبناه هو في تحليله.
أما الغياب السياسي في السيرة فيمثل سؤالاً أوسع من مجرد استكمال المعلومات فالكتاب يذكر تولّي كرومي الإدارة الفنية لفرقة المسرح الشعبي منذ عام 1975 ويعرض نشاطه الأكاديمي وصلته بالمؤسسات المسرحية العراقية ويتناول أعمالاً ارتبطت بقضايا المجتمع والحرب ومنها (ترنيمة الكرسي الهزاز) وتضع هذه الوقائع تجربته في علاقة مباشرة بالمؤسسة الثقافية الرسمية في العراق.
ومن هنا يبرز سؤال يستحق البحث:
كيف تفاعلت الرؤية المسرحية النقدية لدى كرومي مع شروط العمل داخل المؤسسات الرسمية؟
وما حدود الحرية الفنية المتاحة له؟
وكيف يمكن فهم العلاقة بين اختياراته الجمالية والسياق السياسي الذي عمل فيه؟ لا يقدم الكتاب في المادة التي يعرضها معالجة تاريخية وافية لهذه الأسئلة ولذلك تبقى صورة العلاقة بين الفنان والمؤسسة بحاجة إلى استكمال.
ويتصل بهذا الأمر انتقال كرومي من العراق عام 1991، ثم وصوله إلى مرحلة اللجوء السياسي في ألمانيا عام 1995 كما ترد في سرد الكتاب ويشير الحوار المنشور عام 2003 إلى صعوبة العمل داخل العراق خلال السنوات السابقة للحرب لكن هذه الإشارة على أهميتها لا تكفي وحدها لتفسير أسباب المغادرة أو تحديد ظروفها. كما أن عرض الفروق النظرية بين الهجرة والمنفى واللجوء والشتات يساعد على ضبط المفاهيم لكنه لا يعوّض الحاجة إلى وثائق أو شهادات تتناول التجربة الشخصية وتفاصيلها.
ولا يعني ذلك افتراض سبب سياسي بعينه أو نسبة موقف إلى كرومي من دون دليل. المقصود أن فهم الوساطة الثقافية يحتاج إلى معرفة الموقع الذي انطلق منه الفنان والظروف التي أثرت في عمله والعلاقات التي أقامها مع المؤسسات والجماعات الثقافية فالسيرة التي تكتفي بتحديد المحطات تتيح معرفة المسار لكنها لا تفسر بالضرورة القوى التي وجّهته.
ويضع الكتاب أمام القارئ خيطاً آخر في تجربة كرومي يتمثل في اهتمامه بالمسرح الشرقي القديم والتراث الرافديني فأطروحته الأكاديمية تتناول المسرح الشرقي القديم وخطوط تطور المسرح العربي العراقي ويظهر هذا الاهتمام في أعمال مثل (مراثي أور) المعدّة عن نص سومري و(السيد والعبد) المقتبسة عن نص بابلي قديم ويذكر الكتاب أن التجربة الأخيرة أعيد تقديمها في برلين عام 2003 ضمن فضاء مسرحي صغير وأنها استندت إلى نص مسماري لا يبقى منه إلا جزء.
هذا المسار يفتح باباً لتوسيع فهم الوساطة في تجربة كرومي فهي لا تتعلق بالانتقال بين جغرافيتين وثقافتين وانما تمتد إلى إعادة قراءة تراث قديم داخل ممارسة مسرحية معاصرة وهنا تتقاطع الدراسة الأكاديمية مع الإخراج ويصبح التراث مادة لإعادة بناء العلاقة بين الذاكرة التاريخية والحاضر المسرحي.
لكن الكتاب كان يستطيع أن يوضح هذا التقاطع بصورة أعمق من خلال عرض أبرز أفكار الأطروحة ثم بيان كيفية انتقالها إلى المعالجة الإخراجية في (مراثي أور) و(السيد والعبد) فذكر الأعمال وعناوينها يثبت وجود هذا المسار أما إثبات الصلة الفكرية والجمالية بينها فيحتاج إلى تحليل النصوص والعروض والوثائق المتاحة ومن شأن ذلك أن يضيف بعداً أساسياً إلى فهم كرومي ويجعل فكرة الوساطة أوسع من مجرد نقل أعمال أوروبية إلى جمهور عربي أو أعمال عربية إلى جمهور ألماني.
وتستدعي بعض بيانات العروض مراجعة دقيقة أيضاً ففي قائمة الأعمال يورد الكتاب (السيد والعبد) ضمن عروض برلين عام 1999 ثم يتحدث في موضع لاحق عن تجربة العمل عام 2003 في فضاء مسرحي صغير قرب ساحة هاكيشر ماركت. ولا يكفي وجود التاريخين وحده للحكم بأن أحدهما خطأ فقد يتعلق الأمر بتقديمين مختلفين أو بمرحلتين من العمل نفسه لكن الكتاب يحتاج إلى توضيح طبيعة كل تقديم ومكانه وتاريخه والجهة التي نظمته.
وتظهر حاجة مماثلة إلى التدقيق عند الحديث عن (مسافر ليل) ومكان عرضه فالقائمة الواردة في الكتاب تربط العمل بمسرح شاوبونه في برلين، في حين تتناول شهادة سابينه كبير تجربة المسرح العربي في ألمانيا وتؤكد محدودية حضور كتّابه على خشبات المسارح الكبرى وهذه نقطة تستحق التحقق من المصدر الألماني الأصلي مع التمييز بين إنتاج العرض من مؤسسة مسرحية واستضافته على خشبتها وتقديمه ضمن فضاء مستقل فهذه التفاصيل ليست مترادفات وقد يكون التمييز بينها ضرورياً لفهم طبيعة الحضور المؤسسي.
ومع كل هذه الملاحظات تظل قيمة الكتاب واضحة للباحثين في المسرح العراقي والعربي فهو يجمع بيانات عن عدد من عروض كرومي ويورد أسماء المشاركين وتواريخ الأعمال ويقدم فهرساً لمقالاته ومحاضراته ومراسلاته ويدل على مواد أرشيفية محفوظة في أرشيف برتولت بريشت التابع لأكاديمية الفنون في برلين. كما يضم نصوصاً ألمانية مترجمة وصوراً ووثائق تساعد على توسيع البحث في مرحلة من تجربته لا تتوافر عنها بحسب المؤلف مادة عربية كافية.
وتتضح قيمة هذا الجانب خصوصاً في دراسة كرومي معلماً وموجهاً للطلبة فالرسائل والأبحاث التي أشرف عليها ومنها أعمال تتناول وظيفة المخرج وكيفية فهم بريشت تفتح باباً لدراسة أثره التعليمي إلى جانب أثره في الإخراج ومع ذلك فإن الوثائق الأكاديمية لا تكشف وحدها طبيعة العلاقة اليومية بين الأستاذ وطلبته ولا الطريقة التي كان يثير بها الأسئلة أو يدفعهم إلى اكتشاف الإجابات.
وأنا ممن عاصروا د. عوني كرومي في كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد مع أنه لم يدرّسني مباشرة وقد كان حضوره في ذاكرة الطلبة مرتبطاً بإثارة الأسئلة المسرحية ودفعهم إلى التفكير في خياراتهم الفنية والفكرية ومن هنا أرى أن استكمال صورة كرومي يحتاج إلى شهادات من عاصروه تروي كيف كان يعلّم وكيف كان يناقش وما الذي تركه في ذاكرة طلبته من أسئلة ومواقف فهذه التفاصيل لا تستطيع الوثيقة الأرشيفية وحدها حفظها لكنها قد تكمل ما تقدمه الوثيقة من معلومات.
ويذكر المؤلف في مقدمته أنه تعرّف إلى كرومي عبر أستاذين وخبر صحفي قبل أن يلتقيه وهذه الإشارة تضع الكتاب نفسه ضمن سلسلة من عمليات نقل المعرفة عن الفنان وتجربته وهي مفارقة تستحق الالتفات لأن الكتاب الذي يبحث في الوساطة الثقافية يمارس بدوره وظيفة الوسيط بين الأرشيف الألماني والقارئ العربي.
في النهاية يقدم كتاب( عوني كرومي وسيط الثقافات) مادة توثيقية مهمة ويعيد فتح ملفات تستحق البحث في تجربة فنان جمع بين الإخراج والتعليم والاشتغال على نصوص من ثقافات وأزمنة مختلفة لكن السؤال الذي افتتح به المؤلف كتابه يظل محتاجاً إلى خلاصة تجمع الأدلة وتوازن بينها وهو
ما الذي تحقق فعلاً من التبادل الثقافي؟ وما حدود هذا التحقق؟
وأين نجحت المبادرات الفردية؟
وأين اصطدمت بشروط المؤسسة والجمهور واللغة؟
إن قيمة الكتاب تتعزز بقدرته على إتاحة وثائق تسمح للباحثين باختبار هذا الجواب ولا تتوقف على تقديم جواب نهائي.
ومع ذلك فإن جمع المادة التوثيقية يظل مرحلة أولى إذ يحتاج الحكم على تجربة بهذا الاتساع إلى مقارنة المصادر وتفسير الاختلافات وربط الوقائع بالسياقات التي أنتجتها.
ولعلّ الصورة التي أحتفظ بها عن كرومي صورة المعلّم الذي يثير السؤال ويدفع الآخرين إلى البحث عن الإجابة هي أقرب ما يمكن أن أضيفه إلى ما يحفظه الكتاب من وثائق فبعض أثر الفنان يبقى في الأرشيف وبعضه الآخر يعيش في ذاكرة من عاصروه وبين هذين النوعين من الذاكرة يمكن أن تتشكل قراءة أوسع لتجربته قراءة تمنح لقب (وسيط الثقافات) قيمته من الأدلة التي تسنده ومن الأسئلة التي يظل قادراً على إثارتها.

عن الکاتب / الکاتبة

حيدر عبدالله الشطري
حيدر عبدالله الشطري
کاتب / العراق

مقالات أخرى للكاتب

حدود التأويل المسرحي بين سلطة المدونة وانفتاح الخشبة

حدود التأويل المسرحي بين سلطة المدونة وانفتاح الخشبة

النص المسرحي كائن قلق، لا يشبه في هذا سائر الأجناس الأدبية فهو وحده ينتظر ولادة…

صورة الكاتب حيدر عبدالله الشطري
29 سبتمبر 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


(عوني كرومي…وسيط الثقافات) كتابٌ يطرح سؤالاً أكبر مما يجيب عنه

بقلم: حيدر عبدالله الشطري | التاريخ: 24 أكتوبر 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

يستهلّ د. بشار عليوي كتابه (عوني كرومي وسيط الثقافات) بسؤال يضع العنوان نفسه موضع الاختبار:
هل كان عوني كرومي بالفعل وسيط الثقافات؟
ويعلن المؤلف في الصفحة التاسعة أن اللقب سيكون مدخلاً لقراءة مشروع كرومي المسرحي والفكري والتحقق من الأسس التي يستند إليها ومن هذا الإعلان تتكوّن توقعات القارئ فالسؤال الذي يفتتح الكتاب يستدعي في نهايته خلاصة توضّح ما الذي أثبتته الوثائق وما الذي ظلّ موضع احتمال غير أن الكتاب على الرغم من مادته التوثيقية الواسعة لا ينتهي إلى مناقشة ختامية تجمع الأدلة وتختبرها في ضوء السؤال الأول وتبقى المسافة قائمة بين طرح القضية في المقدمة وتقديم حصيلة نقدية واضحة لها، ويمكن قراءة هذا الأمر على وجهين هما فالاول ربما أراد المؤلف تجنّب حكم قاطع على تجربة معقدة تتداخل فيها الممارسة المسرحية والتعليم والترجمة والعمل الثقافي والثاني قد يكون ذلك نقصاً في استكمال المنهج الذي أعلنه والفرق بين الاحتمالين إن ترك السؤال مفتوحاً يصبح موقفاً نقدياً حين يوضّح المؤلف أسباب ذلك وحدوده أما حين يغيب التوضيح فيظل القارئ أمام احتمالين.
فالوساطة الثقافية تُقاس بطبيعة التبادل الذي تحقّق خلالها وباتجاهاته ومدى وصوله إلى الجمهور والمؤسسات في الثقافتين وليس بكثرة المحطات وحدها.
وإذا تتبعنا اتجاه العبور في الأعمال التي يعرضها الكتاب وجدنا حضوراً واضحاً للمسرح الأوروبي في تجربة كرومي العربية فقد أخرج أعمالاً لكتّاب من بينهم (بريشت وسترندبرغ وماترلينك وكامو وتشيخوف ومكسيم فريش) إلى جانب عمله الأكاديمي واهتمامه بنقل المعارف المسرحية إلى الطلبة وفي المقابل يقدّم الكتاب نماذج من انتقال أعمال عربية إلى الفضاء المسرحي الألماني منها (مسافر ليل ) لصلاح عبد الصبور فضلاً عن (السيد والعبد) المقتبسة عن نص بابلي قديم ومشروع (بغداد–برلين) عام 2005.
وهذه المعطيات تتيح طرح سؤال عن مدى التكافؤ بين اتجاهي التبادل لكنها لا تكفي وحدها لقياسه قياساً نهائياً فعدد العروض ومكان تقديمها وطبيعة المؤسسة المستضيفة وحجم التلقي النقدي والجماهيري عناصر مختلفة ينبغي التمييز بينها ومع ذلك فإن شهادة الباحثة والناقدة الألمانية (سابينه كبير) تفتح باباً مهماً للنقاش إذ تشير إلى أن المسارح الكبرى في ألمانيا الاتحادية لم تكن قد قدّمت عملاً مسرحياً لكاتب عربي في حين شهدت ألمانيا الديمقراطية تجربتين من هذا النوع كما تتناول تجربة (مسافر ليل) في سياق المسرح المستقل.
وتكتسب هذه الشهادة أهميتها من أنها صادرة عن قراءة من داخل الوسط الثقافي الألماني وتكشف أن حضور كرومي في ألمانيا لم يكن بالضرورة دليلاً على تحقق الاعتراف المؤسسي نفسه الذي كان يحظى به المسرح الأوروبي في السياق العربي وهنا تظهر مفارقة تستحق أن تدخل في صلب التحليل وهي
كيف يمكن تقدير لقب (وسيط الثقافات) في ضوء تفاوت فرص الوصول إلى المؤسسات المسرحية في الطرفين؟
وهل كان نجاح كرومي في بناء جسور فردية وفنية قادراً على تجاوز محدودية الاعتراف المؤسسي؟
وهذه الاسئلة تساعد على فهم طبيعة الإنجاز وحدوده ولا تنتقص من التجربة.
وتزداد أهمية هذه الأسئلة عند الانتقال إلى مشروع (بغداد–برلين) عام 2005 الذي يحتل مكانة بارزة في سرد الكتاب لتجربة كرومي ففي المتن يظهر المشروع بوصفه محاولة للتعريف بالمسرح العراقي داخل ألمانيا وإتاحة لقاء بين فنانين من البلدين وربط النشاط المسرحي بالحوار الثقافي. أما الملحق فيضم مقال (كريستيانه كول) المنشور في صحيفة (taz) بتاريخ 10 آب/أغسطس 2005 والذي يقدم قراءة نقدية لبعض جوانب المشروع التنظيمية والحوارية.
تذكر كول أن المشروع كان مقرراً تحت عنوان (الحرية المدهشة) وأنه استهدف جمع فنانين عراقيين وألمان للعمل المشترك والتعرف إلى المؤسسات الثقافية لكنها تتوقف عند صعوبات في التنظيم وتورد تصريحات للفنانة العراقية فرح طه درويش تعبّر فيها عن رغبة الفنانين في إثبات قدرتهم على مواصلة العمل بدلاً من تقديم أنفسهم باعتبارهم محتاجين إلى المساعدة كما تنتقد كول محدودية مشاركة الجمهور في النقاش حول اختلاف الرؤى وتشير إلى إقامة محاضرة عن واقع المسرح العراقي من دون توفير الترجمة بين العربية والألمانية ثم تذكر أن العرض قُدّم في النهاية من دون العنوان الذي كان مقرراً له.
ويُحسب للمؤلف أنه أدرج هذه المادة النقدية ضمن كتابه مع أنها تضع بعض جوانب المشروع موضع مساءلة غير أن إدراج الشهادة يختلف عن تحليلها فقد كان يمكن للمؤلف أن يقارن بصورة مباشرة بين أهداف المشروع كما عُرضت في المتن وبين ما سجلته كول من صعوبات وأن يوضح ما إذا كانت هذه الصعوبات قد أثرت في النتائج الفنية أو في طبيعة الحوار الذي أُريد للمشروع أن يحققه.
ومع ذلك ينبغي التعامل مع مقال كول في حدود مادته فهو شهادة صحفية تتناول التحضير والتنظيم والتواصل مع الجمهور ولا تكفي وحدها لإصدار حكم شامل على المشروع أو على القيمة الفنية لجميع الأعمال المشاركة فيه كما أن المقال ينقل إشارات إلى شائعات عن خلافات بين عوني كرومي و(غيزو كاكوشكه) لكنه لا يثبت تلك الشائعات ولا يحمّل كرومي وحده مسؤولية ما جرى وفي المقابل تنقل كول عن عواطف نعيم تعبيرها عن سعادتها بما أتاحته الإقامة في برلين من حرية وأمان وهو ما يكشف تعدد التجارب داخل المشروع نفسه.
وهكذا تكمن المسألة في ضرورة جمع الشهادات ومقارنتها فمشروع يقدَّم باعتباره نموذجاً للحوار الثقافي يستحق أن يُختبر من خلال آراء منظميه والمشاركين فيه والجمهور الذي استهدفه إلى جانب ما كتبته الصحافة الألمانية عنه ومن دون هذه المقارنة يبقى وصف المشروع بأنه ذروة تجربة الوساطة حكماً يحتاج إلى مزيد من البرهنة.
ويتصل بذلك اعتماد الكتاب المتكرر على حوار عوني كرومي مع مجلة (Die Deutsche Bühne) عام 2003 وهو مصدر مهم لفهم رؤيته للمسرح وعلاقته ببريشت والمجتمع والمنفى غير أن قيمة هذا الحوار لا تلغي ضرورة مراعاة زمنه فهو شهادة متأخرة نسبياً على تجربة امتدت لعقود ويمكن الاستفادة منه لفهم الطريقة التي كان كرومي يفسر بها مشروعه في أواخر حياته لكنه يحتاج إلى مصادر معاصرة عندما يُستعمل لتفسير تفاصيل عروض أسبق أو لإثبات طبيعة الممارسة المسرحية في السبعينيات والثمانينيات.
فالقول إن بريشت منهج لا نموذج جاهزاً أو إن النقل الحرفي للنص لا يصنع مسرحاً قد يعبّر عن رؤية فكرية وجمالية واضحة لكنه لا يثبت وحده أن هذه الرؤية طُبّقت بالطريقة نفسها في كل عرض وتظل برامج العروض والمراجعات الصحفية المعاصرة وشهادات الممثلين والطلبة والوثائق الإخراجية مصادر ضرورية لاختبار العلاقة بين التصور النظري والممارسة الفعلية. وبهذا يصبح الحوار المتأخر مفتاحاً للفهم وفرضية للتحقق لا بديلاً عن الأدلة التي تخص المراحل السابقة.
ويظهر تكرار هذه الرؤية في بعض الصيغ التي يستخدمها الكتاب عند وصف تعامل كرومي مع النص المسرحي إذ تتكرر أحكام متقاربة تؤكد انتقاله من التعامل مع النص باعتباره مادة جاهزة إلى إعادة بنائه وفق رؤية إخراجية وتظهر هذه الصيغة في مناقشة أكثر من تجربة ومنها أعمال مرتبطة ببريشت وهي صيغة مفهومة في سياق شرح منهج كرومي لكن تكرارها يثير سؤالاً عن مقدار التمايز الذي تمنحه القراءة لكل عرض فالأعمال المتباينة تحتاج إلى تحليل يوضح اختلاف شروطها الدرامية والجمالية لا إلى حكم عام يصلح لها جميعاً.
وهنا تتعلق الملاحظة بطريقة العرض والتحليل أكثر مما تتعلق بصحة الفكرة الأساسية فالتأكيد على أن كرومي أعاد قراءة النصوص لا يكفي وحده إذ ينبغي بيان الكيفية التي حدثت بها هذه الإعادة وما الذي تغيّر في بنية العرض وعلاقة الممثل بالمتفرج وتشكيل الفضاء وإيقاع الأداء والسياق الثقافي الذي نُقل إليه العمل.
وتبرز مسألة مشابهة عند تناول الكتاب قول إن كرومي كان (أول من أدخل المنهج البريشتي إلى المسرح العراقي ضمن سياقات أكاديمية) فهذا حكم واسع يحتاج إلى تحديد المقصود بالأولية فالكتاب نفسه يذكر أن كرومي مثّل في مسرحية (القاعدة والاستثناء) لبريشت عام 1964 من إخراج (رفيق علي) كما يشير إلى رسالة (سالم مهدي الأعرجي) عام 1989 التي تناولت فهم المؤلف والمخرج العراقي لمنهج بريشت.
ولا تثبت هذه المعلومات وحدها أن المنهج البريشتي كان قد ترسخ قبل كرومي فتقديم نص لبريشت يختلف عن تطبيق منهجه كما يختلف التطبيق الفني عن التدريس الأكاديمي المنظم لكنها تجعل تحديد معنى الأولوية ضرورة علمية وربما كان الأدق أن يحدّد المؤلف إسهام كرومي في إدخال المنهج البريشتي إلى التعليم المسرحي الجامعي إذا كانت الوثائق المقارنة تسند هذا التحديد بدلاً من إطلاق حكم يحتمل أكثر من معنى.
وتحتاج الفقرة التي تعرض هذا الادعاء كذلك إلى وضوح أكبر في نسبة القول إلى مصدره إذ ترد صياغة مطولة بين علامتي تنصيص مع إحالة إلى أطروحة (نجاة عيسى حسن )وينبغي أن يعرف القارئ بدقة أين ينتهي الاقتباس وما الذي ينقله المؤلف عن الباحثة وما الذي يتبناه هو في تحليله.
أما الغياب السياسي في السيرة فيمثل سؤالاً أوسع من مجرد استكمال المعلومات فالكتاب يذكر تولّي كرومي الإدارة الفنية لفرقة المسرح الشعبي منذ عام 1975 ويعرض نشاطه الأكاديمي وصلته بالمؤسسات المسرحية العراقية ويتناول أعمالاً ارتبطت بقضايا المجتمع والحرب ومنها (ترنيمة الكرسي الهزاز) وتضع هذه الوقائع تجربته في علاقة مباشرة بالمؤسسة الثقافية الرسمية في العراق.
ومن هنا يبرز سؤال يستحق البحث:
كيف تفاعلت الرؤية المسرحية النقدية لدى كرومي مع شروط العمل داخل المؤسسات الرسمية؟
وما حدود الحرية الفنية المتاحة له؟
وكيف يمكن فهم العلاقة بين اختياراته الجمالية والسياق السياسي الذي عمل فيه؟ لا يقدم الكتاب في المادة التي يعرضها معالجة تاريخية وافية لهذه الأسئلة ولذلك تبقى صورة العلاقة بين الفنان والمؤسسة بحاجة إلى استكمال.
ويتصل بهذا الأمر انتقال كرومي من العراق عام 1991، ثم وصوله إلى مرحلة اللجوء السياسي في ألمانيا عام 1995 كما ترد في سرد الكتاب ويشير الحوار المنشور عام 2003 إلى صعوبة العمل داخل العراق خلال السنوات السابقة للحرب لكن هذه الإشارة على أهميتها لا تكفي وحدها لتفسير أسباب المغادرة أو تحديد ظروفها. كما أن عرض الفروق النظرية بين الهجرة والمنفى واللجوء والشتات يساعد على ضبط المفاهيم لكنه لا يعوّض الحاجة إلى وثائق أو شهادات تتناول التجربة الشخصية وتفاصيلها.
ولا يعني ذلك افتراض سبب سياسي بعينه أو نسبة موقف إلى كرومي من دون دليل. المقصود أن فهم الوساطة الثقافية يحتاج إلى معرفة الموقع الذي انطلق منه الفنان والظروف التي أثرت في عمله والعلاقات التي أقامها مع المؤسسات والجماعات الثقافية فالسيرة التي تكتفي بتحديد المحطات تتيح معرفة المسار لكنها لا تفسر بالضرورة القوى التي وجّهته.
ويضع الكتاب أمام القارئ خيطاً آخر في تجربة كرومي يتمثل في اهتمامه بالمسرح الشرقي القديم والتراث الرافديني فأطروحته الأكاديمية تتناول المسرح الشرقي القديم وخطوط تطور المسرح العربي العراقي ويظهر هذا الاهتمام في أعمال مثل (مراثي أور) المعدّة عن نص سومري و(السيد والعبد) المقتبسة عن نص بابلي قديم ويذكر الكتاب أن التجربة الأخيرة أعيد تقديمها في برلين عام 2003 ضمن فضاء مسرحي صغير وأنها استندت إلى نص مسماري لا يبقى منه إلا جزء.
هذا المسار يفتح باباً لتوسيع فهم الوساطة في تجربة كرومي فهي لا تتعلق بالانتقال بين جغرافيتين وثقافتين وانما تمتد إلى إعادة قراءة تراث قديم داخل ممارسة مسرحية معاصرة وهنا تتقاطع الدراسة الأكاديمية مع الإخراج ويصبح التراث مادة لإعادة بناء العلاقة بين الذاكرة التاريخية والحاضر المسرحي.
لكن الكتاب كان يستطيع أن يوضح هذا التقاطع بصورة أعمق من خلال عرض أبرز أفكار الأطروحة ثم بيان كيفية انتقالها إلى المعالجة الإخراجية في (مراثي أور) و(السيد والعبد) فذكر الأعمال وعناوينها يثبت وجود هذا المسار أما إثبات الصلة الفكرية والجمالية بينها فيحتاج إلى تحليل النصوص والعروض والوثائق المتاحة ومن شأن ذلك أن يضيف بعداً أساسياً إلى فهم كرومي ويجعل فكرة الوساطة أوسع من مجرد نقل أعمال أوروبية إلى جمهور عربي أو أعمال عربية إلى جمهور ألماني.
وتستدعي بعض بيانات العروض مراجعة دقيقة أيضاً ففي قائمة الأعمال يورد الكتاب (السيد والعبد) ضمن عروض برلين عام 1999 ثم يتحدث في موضع لاحق عن تجربة العمل عام 2003 في فضاء مسرحي صغير قرب ساحة هاكيشر ماركت. ولا يكفي وجود التاريخين وحده للحكم بأن أحدهما خطأ فقد يتعلق الأمر بتقديمين مختلفين أو بمرحلتين من العمل نفسه لكن الكتاب يحتاج إلى توضيح طبيعة كل تقديم ومكانه وتاريخه والجهة التي نظمته.
وتظهر حاجة مماثلة إلى التدقيق عند الحديث عن (مسافر ليل) ومكان عرضه فالقائمة الواردة في الكتاب تربط العمل بمسرح شاوبونه في برلين، في حين تتناول شهادة سابينه كبير تجربة المسرح العربي في ألمانيا وتؤكد محدودية حضور كتّابه على خشبات المسارح الكبرى وهذه نقطة تستحق التحقق من المصدر الألماني الأصلي مع التمييز بين إنتاج العرض من مؤسسة مسرحية واستضافته على خشبتها وتقديمه ضمن فضاء مستقل فهذه التفاصيل ليست مترادفات وقد يكون التمييز بينها ضرورياً لفهم طبيعة الحضور المؤسسي.
ومع كل هذه الملاحظات تظل قيمة الكتاب واضحة للباحثين في المسرح العراقي والعربي فهو يجمع بيانات عن عدد من عروض كرومي ويورد أسماء المشاركين وتواريخ الأعمال ويقدم فهرساً لمقالاته ومحاضراته ومراسلاته ويدل على مواد أرشيفية محفوظة في أرشيف برتولت بريشت التابع لأكاديمية الفنون في برلين. كما يضم نصوصاً ألمانية مترجمة وصوراً ووثائق تساعد على توسيع البحث في مرحلة من تجربته لا تتوافر عنها بحسب المؤلف مادة عربية كافية.
وتتضح قيمة هذا الجانب خصوصاً في دراسة كرومي معلماً وموجهاً للطلبة فالرسائل والأبحاث التي أشرف عليها ومنها أعمال تتناول وظيفة المخرج وكيفية فهم بريشت تفتح باباً لدراسة أثره التعليمي إلى جانب أثره في الإخراج ومع ذلك فإن الوثائق الأكاديمية لا تكشف وحدها طبيعة العلاقة اليومية بين الأستاذ وطلبته ولا الطريقة التي كان يثير بها الأسئلة أو يدفعهم إلى اكتشاف الإجابات.
وأنا ممن عاصروا د. عوني كرومي في كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد مع أنه لم يدرّسني مباشرة وقد كان حضوره في ذاكرة الطلبة مرتبطاً بإثارة الأسئلة المسرحية ودفعهم إلى التفكير في خياراتهم الفنية والفكرية ومن هنا أرى أن استكمال صورة كرومي يحتاج إلى شهادات من عاصروه تروي كيف كان يعلّم وكيف كان يناقش وما الذي تركه في ذاكرة طلبته من أسئلة ومواقف فهذه التفاصيل لا تستطيع الوثيقة الأرشيفية وحدها حفظها لكنها قد تكمل ما تقدمه الوثيقة من معلومات.
ويذكر المؤلف في مقدمته أنه تعرّف إلى كرومي عبر أستاذين وخبر صحفي قبل أن يلتقيه وهذه الإشارة تضع الكتاب نفسه ضمن سلسلة من عمليات نقل المعرفة عن الفنان وتجربته وهي مفارقة تستحق الالتفات لأن الكتاب الذي يبحث في الوساطة الثقافية يمارس بدوره وظيفة الوسيط بين الأرشيف الألماني والقارئ العربي.
في النهاية يقدم كتاب( عوني كرومي وسيط الثقافات) مادة توثيقية مهمة ويعيد فتح ملفات تستحق البحث في تجربة فنان جمع بين الإخراج والتعليم والاشتغال على نصوص من ثقافات وأزمنة مختلفة لكن السؤال الذي افتتح به المؤلف كتابه يظل محتاجاً إلى خلاصة تجمع الأدلة وتوازن بينها وهو
ما الذي تحقق فعلاً من التبادل الثقافي؟ وما حدود هذا التحقق؟
وأين نجحت المبادرات الفردية؟
وأين اصطدمت بشروط المؤسسة والجمهور واللغة؟
إن قيمة الكتاب تتعزز بقدرته على إتاحة وثائق تسمح للباحثين باختبار هذا الجواب ولا تتوقف على تقديم جواب نهائي.
ومع ذلك فإن جمع المادة التوثيقية يظل مرحلة أولى إذ يحتاج الحكم على تجربة بهذا الاتساع إلى مقارنة المصادر وتفسير الاختلافات وربط الوقائع بالسياقات التي أنتجتها.
ولعلّ الصورة التي أحتفظ بها عن كرومي صورة المعلّم الذي يثير السؤال ويدفع الآخرين إلى البحث عن الإجابة هي أقرب ما يمكن أن أضيفه إلى ما يحفظه الكتاب من وثائق فبعض أثر الفنان يبقى في الأرشيف وبعضه الآخر يعيش في ذاكرة من عاصروه وبين هذين النوعين من الذاكرة يمكن أن تتشكل قراءة أوسع لتجربته قراءة تمنح لقب (وسيط الثقافات) قيمته من الأدلة التي تسنده ومن الأسئلة التي يظل قادراً على إثارتها.