و ينتصر الحب في قضبان واهنة للروائي العراقي حازم الكعبي

صورة الكاتب
بقلم: حسن الموسوي
التاريخ: 31 أكتوبر 2026 عدد المشاهدات: 1845
و ينتصر الحب في قضبان واهنة للروائي العراقي حازم الكعبي

ينقلنا الروائي حازم الكعبي من خلال روايته قضبان واهنة و الصادرة عن دار الأمير للطباعة و النشر و التوزيع في بغداد إلى فترة عصيبة من تاريخ العراق الحديث و أعني بها الفترة التي سبقت التغيير عام 2003 .

ففي تسعينات القرن الماضي كان العراق يشهد حملة اعتقالات واسعة طالت الجميع نتيجةحالة الاحتقان الشعبي و بروز جماعات معارضة رافضة لسياسات النظام البائد .

و قد كان الروائي حازم الكعبي أحد ضحايا هذا النظام ، حيث تم الحكم عليه بالاعدام و لأكثر من مرة ، لكن الحكم قد تم تغييره و جعله السجن المؤبد ، إلى  أن تم اطلاق سراحه بعد قرار تبييض السجون عام 2002 .

يتحدث الروائي عن معاناة السجناء في قسم الأحكام الخاصة في سجن ابو غريب السيء الصيت ، و ما لاقاه من تعذيب نفسي و جسدي .

كذلك طالت المضايقات حتى عائلته ، فالعقوبة في تلك الفترة السوداء من تاريخ العراق لا تطال المعتقل وحده ، بل تشمل عائلته حيث يحرمون من التعيين في دوائر الدولة و مصادرة الأموال المنقولة و غير المنقولة لتصل إلى إسقاط الجنسية عن عائلة المعتقل .

العنوان من العتبات النصية و هو ثريا النص ، و يتكون من كلمتين { قضبان / واهنة } و في ذلك اشارة الى ان السجن لا يحد من عزيمة المعتقلين الذين نذروا أرواحهم من أجل محاربة النظام الديكتاتوري الفاسد .

الغلاف هو أيضا من العتبات النصية و يشكل الغلاف خطابا بصريا لأن الصورة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالمتخيل .

و نجد في الغلاف صورة للسيد محمد مرتضى الطباطبائي و هو خلف القضبان .

أما في الغلاف الآخر فنجد { و ها نحن نلتقي من جديد ، و خارج أسوار السجن ، التقينا رغما عنك ، تبا لك ، لقد جعلت أيامي سوداء طيلة فترة وجودي في السجن ، و لو لا الأمل الذي عشت من أجله لكنت ميتا قبلك بسنوات ، تبا لك و تبا لمن منحك سلطة ذبح الأمنيات } .

الإهداء من العتبات النصية و فيه نجد { إلى ضحايا سجون النظام البائد ، و بالخصوص سجناء قسم الأحكام الخاصة } .

و هنا حالة من الوفاء لزملائه الذين شاركوه أيام المحنة

المكان في هذه الرواية هو المكان المعادي حيث أجواء المطاردة و المراقبة وصولا الى السجن .

و السجن هو مكان معادي ، و يعرف المكان المعادي على أنه { الفضاء الذي يخلو من الألفة و يبعث على مشاعر الخوف و القلق و الغربة و ينعدم فيه الشعور بالأمان } .

و يمثل المكان المعادي فضاء نفسيا يعكس الاغتراب و القهر و الانكسار .

و يضغط المكان المعادي على شخصيات الرواية و يزيد من حالة التأزيم بين الشخصيات و يلقي بثقله عليها .

و في النقد يستعمل المكان المعادي لتحديد العلاقة ما بين الشخصيات و مكانهم .

يقوم الروائي بسرد الأحداث و ما مر به بطل الرواية وفق تواريخ ثابتة و متسلسلة في توظيف جيد لزمان وقوع الأحداث

تعتبر هذه الرواية وثيقة مهمة ، حيث يفضح فيها الكاتب و يكشف الممارسات اللاانسانية بحق الشعب العراقي و لعل قرار قطع يد التجار هو الأسوأ بين كل القرارات التعسفية و التي صدرت في تلك الفترة الزمنية المظلمة ، يقول الكاتب { سبب قرار قطع اليد المشاكل للسجناء الذين أصبحوا عاجزين بعد قطع ايديهم و بحاجة إلى رعاية خاصة } ص 31 .

و من المفارقات التي حدثت في هذا الملف ، أنه و بعد سقوط النظام عام 2003 , قام الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن باستقبال التجار الذين تم قطع ايديهم ، حيث تم علاجهم في أمريكا مع تعويضهم بمبلغ 100 ألف دولار أمريكي لكل تاجر .

نجد في هذه الرواية العزيمة و الصبر على المآسي لبلوغ الهدف المنشود من خلال الصبر و الثبات ، يقول الكاتب { لم تكن مرافئ حياتي آمنة ، فعندما تحطمت كل سفن السعادة ، رغم هذا لم أفقد الأمل في يوم من الأيام ليقيني بأن ما كتبه الله سوف أحصل عليه و لو بعد حين } ص 85 .

و يمتلك بطل الرواية الكثير من الأمور التي تجعله يعيش من أجلها و يتحمل بسببها ألوان العذاب { العائلة / المستقبل / الحبيبة } .

هذه الأسباب هي التي جعلت البطل صامدا و منعته من الاستسلام .

قام الكاتب بتسليط الأضواء على جرائم النظام السابق ، و منها اعتقال كل من يقوم بزيارة الإمام الحسين عليه السلام مشيا على الأقدام ، يقول الكاتب{ لقد تم اعتقالي بتهمة الزيارة مشيا على الأقدام ، لم أكن اتوقع ان هناك عقوبة تنتظر من يذهب لزيارة الإمام مشيا على الأقدام } ص 72 .

من المحطات المهمة في هذه الرواية هي طرح الآراء الفلسفية من خلال الرواية { علينا أن نتعلم من الرسائل التي تصل إلينا كل يوم ، الناس رسائل ، مواقفهم ، حقدهم ، حبهم ، كلها رسائل ، هم يأتونا كي ينيروا فينا تلك البقعة المظلمة القابعة في داخلنا ، مواقفهم رسائل تجعلنا نستيقظ من غفوتنا ، فقط حينما نحسن قراءة تلك الرسائل } ص 74 .

يستخدم الكاتب أسلوب الفلاش باك { الاسترجاع الفني } في سرد أحداث الرواية .

و يعرف الفلاش باك على أنه { سردية تستخدم في السينما و التلفزيون و الأدب يتم فيها قطع التسلسل الزمني الحالي للقصة للانتقال إلى مشهد أو حدث وقع في الماضي } .

و الفلاش باك  استجابة ذهنية تعكس الحاجة إلى العودة للماضي لنبش أحداث مؤلمة او سعيدة ما زالت عالقة في الذهن .

ان استرجاع لحظات من القلق و الألم تجعلنا نشعر بها حتى و ان كنا قد تجاوزنا هذه اللحظات منذ زمن بعيد .

يقول الكاتب { أتذكر في سنين دراستي تحدثت مع أصدقائي بسوء عن شعار الحزب { أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة ، و كان هذا الشعار شائعا ، و رغم ان الحديث عن هذا الشعار  يي بنا إلى التهلكة ، إلا اننا كتبنا على دفاترنا ، أمة عريانة مسكربة ذات جروخ مبنجرة }  ص 35 .

و لأن لكل رحلة نهاية ، و لأن الأمل هو الذي يوصلنا إلى بر الأمان ، فقد رست سفينة الآلام عند ضفاف مترعة بالحب و الاشتياق ، و ها هو بطل الرواية يتخلص من عذاباته و سجنه و يعود إلى ممارسة حياته الطبيعية و يلتقي بحبيبته التي انتظرته طيلة الفترة التي قضاها في غياهب السجن ليعلن عن إنتصار الحب أمام ظلم الجلادين و قسوتهم .

عن الکاتب / الکاتبة

حسن الموسوي
حسن الموسوي
قاص . روائي . شاعر . ناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

“خلود الكلمات”

“خلود الكلمات”

كلماتك الندية تضوع عطرا في فضاءات المعنى تطلق ألسنة الشعراء ليشحذوا منابرهم بقصائد ثكلى ترتب…

صورة الكاتب حسن الموسوي
29 سبتمبر 2026
اقرأ المزيد
درر اجتماعية في بارد هذا الدفء للشاعر العراقي ناظم الصرخي

درر اجتماعية في بارد هذا الدفء للشاعر العراقي ناظم الصرخي

  يقدم لنا الشاعر ناظم الصرخي ثيما مختلفة من خلال مجموعته الشعرية بارد هذا الدفء…

صورة الكاتب حسن الموسوي
14 سبتمبر 2026
اقرأ المزيد
“سأشُد الرِّحال”

“سأشُد الرِّحال”

في هذه الليلة سأشد الرحال إلى مملكتك و أصبح لاجئا مع وقف التنفيذ عند أعتاب…

صورة الكاتب حسن الموسوي
23 نوفمبر 2025
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


و ينتصر الحب في قضبان واهنة للروائي العراقي حازم الكعبي

بقلم: حسن الموسوي | التاريخ: 31 أكتوبر 2026

التصنيف: النقد الأدبي

ينقلنا الروائي حازم الكعبي من خلال روايته قضبان واهنة و الصادرة عن دار الأمير للطباعة و النشر و التوزيع في بغداد إلى فترة عصيبة من تاريخ العراق الحديث و أعني بها الفترة التي سبقت التغيير عام 2003 .

ففي تسعينات القرن الماضي كان العراق يشهد حملة اعتقالات واسعة طالت الجميع نتيجةحالة الاحتقان الشعبي و بروز جماعات معارضة رافضة لسياسات النظام البائد .

و قد كان الروائي حازم الكعبي أحد ضحايا هذا النظام ، حيث تم الحكم عليه بالاعدام و لأكثر من مرة ، لكن الحكم قد تم تغييره و جعله السجن المؤبد ، إلى  أن تم اطلاق سراحه بعد قرار تبييض السجون عام 2002 .

يتحدث الروائي عن معاناة السجناء في قسم الأحكام الخاصة في سجن ابو غريب السيء الصيت ، و ما لاقاه من تعذيب نفسي و جسدي .

كذلك طالت المضايقات حتى عائلته ، فالعقوبة في تلك الفترة السوداء من تاريخ العراق لا تطال المعتقل وحده ، بل تشمل عائلته حيث يحرمون من التعيين في دوائر الدولة و مصادرة الأموال المنقولة و غير المنقولة لتصل إلى إسقاط الجنسية عن عائلة المعتقل .

العنوان من العتبات النصية و هو ثريا النص ، و يتكون من كلمتين { قضبان / واهنة } و في ذلك اشارة الى ان السجن لا يحد من عزيمة المعتقلين الذين نذروا أرواحهم من أجل محاربة النظام الديكتاتوري الفاسد .

الغلاف هو أيضا من العتبات النصية و يشكل الغلاف خطابا بصريا لأن الصورة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالمتخيل .

و نجد في الغلاف صورة للسيد محمد مرتضى الطباطبائي و هو خلف القضبان .

أما في الغلاف الآخر فنجد { و ها نحن نلتقي من جديد ، و خارج أسوار السجن ، التقينا رغما عنك ، تبا لك ، لقد جعلت أيامي سوداء طيلة فترة وجودي في السجن ، و لو لا الأمل الذي عشت من أجله لكنت ميتا قبلك بسنوات ، تبا لك و تبا لمن منحك سلطة ذبح الأمنيات } .

الإهداء من العتبات النصية و فيه نجد { إلى ضحايا سجون النظام البائد ، و بالخصوص سجناء قسم الأحكام الخاصة } .

و هنا حالة من الوفاء لزملائه الذين شاركوه أيام المحنة

المكان في هذه الرواية هو المكان المعادي حيث أجواء المطاردة و المراقبة وصولا الى السجن .

و السجن هو مكان معادي ، و يعرف المكان المعادي على أنه { الفضاء الذي يخلو من الألفة و يبعث على مشاعر الخوف و القلق و الغربة و ينعدم فيه الشعور بالأمان } .

و يمثل المكان المعادي فضاء نفسيا يعكس الاغتراب و القهر و الانكسار .

و يضغط المكان المعادي على شخصيات الرواية و يزيد من حالة التأزيم بين الشخصيات و يلقي بثقله عليها .

و في النقد يستعمل المكان المعادي لتحديد العلاقة ما بين الشخصيات و مكانهم .

يقوم الروائي بسرد الأحداث و ما مر به بطل الرواية وفق تواريخ ثابتة و متسلسلة في توظيف جيد لزمان وقوع الأحداث

تعتبر هذه الرواية وثيقة مهمة ، حيث يفضح فيها الكاتب و يكشف الممارسات اللاانسانية بحق الشعب العراقي و لعل قرار قطع يد التجار هو الأسوأ بين كل القرارات التعسفية و التي صدرت في تلك الفترة الزمنية المظلمة ، يقول الكاتب { سبب قرار قطع اليد المشاكل للسجناء الذين أصبحوا عاجزين بعد قطع ايديهم و بحاجة إلى رعاية خاصة } ص 31 .

و من المفارقات التي حدثت في هذا الملف ، أنه و بعد سقوط النظام عام 2003 , قام الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن باستقبال التجار الذين تم قطع ايديهم ، حيث تم علاجهم في أمريكا مع تعويضهم بمبلغ 100 ألف دولار أمريكي لكل تاجر .

نجد في هذه الرواية العزيمة و الصبر على المآسي لبلوغ الهدف المنشود من خلال الصبر و الثبات ، يقول الكاتب { لم تكن مرافئ حياتي آمنة ، فعندما تحطمت كل سفن السعادة ، رغم هذا لم أفقد الأمل في يوم من الأيام ليقيني بأن ما كتبه الله سوف أحصل عليه و لو بعد حين } ص 85 .

و يمتلك بطل الرواية الكثير من الأمور التي تجعله يعيش من أجلها و يتحمل بسببها ألوان العذاب { العائلة / المستقبل / الحبيبة } .

هذه الأسباب هي التي جعلت البطل صامدا و منعته من الاستسلام .

قام الكاتب بتسليط الأضواء على جرائم النظام السابق ، و منها اعتقال كل من يقوم بزيارة الإمام الحسين عليه السلام مشيا على الأقدام ، يقول الكاتب{ لقد تم اعتقالي بتهمة الزيارة مشيا على الأقدام ، لم أكن اتوقع ان هناك عقوبة تنتظر من يذهب لزيارة الإمام مشيا على الأقدام } ص 72 .

من المحطات المهمة في هذه الرواية هي طرح الآراء الفلسفية من خلال الرواية { علينا أن نتعلم من الرسائل التي تصل إلينا كل يوم ، الناس رسائل ، مواقفهم ، حقدهم ، حبهم ، كلها رسائل ، هم يأتونا كي ينيروا فينا تلك البقعة المظلمة القابعة في داخلنا ، مواقفهم رسائل تجعلنا نستيقظ من غفوتنا ، فقط حينما نحسن قراءة تلك الرسائل } ص 74 .

يستخدم الكاتب أسلوب الفلاش باك { الاسترجاع الفني } في سرد أحداث الرواية .

و يعرف الفلاش باك على أنه { سردية تستخدم في السينما و التلفزيون و الأدب يتم فيها قطع التسلسل الزمني الحالي للقصة للانتقال إلى مشهد أو حدث وقع في الماضي } .

و الفلاش باك  استجابة ذهنية تعكس الحاجة إلى العودة للماضي لنبش أحداث مؤلمة او سعيدة ما زالت عالقة في الذهن .

ان استرجاع لحظات من القلق و الألم تجعلنا نشعر بها حتى و ان كنا قد تجاوزنا هذه اللحظات منذ زمن بعيد .

يقول الكاتب { أتذكر في سنين دراستي تحدثت مع أصدقائي بسوء عن شعار الحزب { أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة ، و كان هذا الشعار شائعا ، و رغم ان الحديث عن هذا الشعار  يي بنا إلى التهلكة ، إلا اننا كتبنا على دفاترنا ، أمة عريانة مسكربة ذات جروخ مبنجرة }  ص 35 .

و لأن لكل رحلة نهاية ، و لأن الأمل هو الذي يوصلنا إلى بر الأمان ، فقد رست سفينة الآلام عند ضفاف مترعة بالحب و الاشتياق ، و ها هو بطل الرواية يتخلص من عذاباته و سجنه و يعود إلى ممارسة حياته الطبيعية و يلتقي بحبيبته التي انتظرته طيلة الفترة التي قضاها في غياهب السجن ليعلن عن إنتصار الحب أمام ظلم الجلادين و قسوتهم .